أثر الحضارة الأندلسة في الحضارة الأوروبية

أثر الحضارة الأندلسة في الحضارة الأوروبية | مرابط

الكاتب: د. راغب السرجاني

59 مشاهدة

تم النشر منذ شهر

خلود الحضارات إنَّما يكون بمقدار ما تُقَدِّمُه في تاريخ الإنسانيَّة في مختلف نواحي الفكر والعلوم والأخلاق من آثار خالدة، وإذ قد علمنا الدور العظيم الذي قَدَّمَتْهُ وأسهمت به الحضارة الإسلاميَّة عامَّة وفي الأندلس خاصَّة في تاريخ التقدُّم الإنساني، فبإمكاننا هنا استجلاء واستقراء هذه الآثار فيما وصلتْ إليه أوروبا، أو النهضة والحضارة الأوروبِّيَّة؛ إذ إنَّ ما أنجزته تلك الحضارة الأوروبِّيَّة كان بتأثيرٍ من الحضارة الإسلاميَّة التي كانت سابقة عليها، ولا غَرْوَ، فإنَّ التاريخ الأوروبي الحديث إنَّما هو الامتداد الطبيعي لتاريخ عصر ازدهار الحضارة الإسلاميَّة، لم يفصل بينهما فاصل..

وفي اتِّصال الحضارة الإسلاميَّة بالغرب الأوروبي المسيحي خلال العصور الوسطى -والتي كانت تمرُّ خلالها أوروبا بفترة ظلامٍ دامس- كانت الأندلس هي معبر الحضارة الإسلاميَّة الرئيس، والجسر الأهمُّ في عمليَّة انتقال الحضارة الإسلاميَّة إلى أوروبا، وذلك في شتَّى المجالات العلميَّة، والفكريَّة، والاجتماعيَّة، والاقتصاديَّة، وقد بقيت الأندلس -وهي جزءٌ من أوروبا- مُدَّة ثمانية قرون (92-897هـ=711-1492م) منبر إشعاع حضاري خلال وجود المسلمين فيها، حتى أثناء ضعفها السياسي، وظهور دول ممالك الطوائف، وذلك بوساطة جامعاتها، ومدارسها، ومكتباتها، ومصانعها، وقصورها، وحدائقها، وعلمائها، وأدبائها، حتى غدتْ محطَّ أنظار الأوروبِّيِّين التي كانت على صلاتٍ وثيقةٍ ومستمرَّةٍ ببلدانهم[1].

فما إن استقرَّ المسلمون في إسبانيا حتى تَفَرَّغُوا للعلم، وانصرفوا إلى العناية بالعلوم والآداب والفنون، وقد فاقوا في ذلك ما وصل إليه إخوانهم في المشرق من تَقَدُّمٍ، وابتكروا الجديد والعظيم في كل العلوم؛ وهو ما أتاح لأوروبا موردًا عَذْبًا ظَلَّت تنهل منه منذ أواخر القرن الحادي عشر الميلادي حتى النهضة الإيطاليَّة في القرن الخامس عشر.

وقد كان لسياسة التسامح الإسلامي أثرها العظيم في نفوس أهل الذِّمَّة؛ من اليهود والنصارى؛ حيث أقبل المستعربون الإسبان على تعلم اللغة العربية واستخدامها في حياتهم، بل فَضَّلُوها على اللاتينية، كما تتلمذ كثير من اليهود على أساتذتهم العرب.
وقد نشطت حركة الترجمة عن العربية نشاطًا كبيرًا، وخاصَّةً في مدينة طليطلة خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، وكانت الترجمة تتمُّ من العربيَّة إلى الإسبانيَّة، ومِنْ ثَمَّ إلى اللاتينيَّة، أو من العربيَّة إلى اللاتينيَّة مباشرة، ولم تقتصر الترجمة على مؤلَّفات العلماء العرب في كلِّ مناحي المعرفة فحسب، وإنما شملت المؤلَّفات الإغريقيَّة الكبرى التي كانت قد تُرْجِمَتْ في المشرق قبل ذلك بقرنين؛ فتُرْجِمَتْ بعضُ مؤلَّفات اليونانيِّين مثل: كتب جالينوس، وأبقراط، وأفلاطون، وأرسطو، وإقليدس، وغيرهم.

وكان من أشهر مترجمي طليطلة: جيرارد الكريموني ويسمَّى الطليطلي، قَدِمَ إلى طليطلة من إيطاليا سنة (1150م)، وتُنْسَبُ إليه ترجمة ما يقرب من مائة كتاب، بينها واحد وعشرون كتابًا طِبِّيًّا، منها: المنصوري للرازي، والقانون لابن سينا، ويبدو أن بعضها من إنتاج تلاميذه بإشرافه، وبعضها بالاشتراك مع غيره خاصَّة (غالب GALIPUS) وهو مستعرب.

وقام بالترجمة كذلك في القرن الثاني عشر إسبانيُّون، وآخرون قَدِموا إلى إسبانيا، ثم أنشأ ألفونسو العاشر ملك قشتالة (1252-1284م) عددًا من مؤسَّسات التعليم العالي، وشجع الترجمة من العربية إلى اللاتينية، وأحيانًا إلى اللغة القشتالية[2].

يقول سارتون: «حَقَّقَ المسلمون -عباقرة الشرق- أعظم المآثر في القرون الوسطى، فكُتِبَتْ أعظمُ المؤلَّفات قيمة، وأكثرها أصالة، وأغزرها مادَّة باللغة العربيَّة، وكانت من منتصف القرن الثامن حتى نهاية القرن الحادي عشر لغةَ العلم الارتقائية للجنس البشري، حتى لقد كان ينبغي لأيِّ كائنٍ إذا أراد أن يُلِمَّ بثقافة عصره وبأحدث صُوَرِهَا أن يَتَعَلَّم اللغة العربية، ولقد فعل ذلك كثيرون من غير المتكَلِّمين بها، وأعتقد أننا لسنا في حاجة أن نُبَيِّنَ منجزات المسلمين العلميَّة في الرياضيَّات، والفيزياء، وعلم الفلك، والكيمياء، والنبات، والطبِّ، والجغرافيا»[3].

وعن مكانة قرطبة خاصَّة في انتقال الحضارة الإسلامية يقول جوان براند تراند جون: «إن قرطبة التي فاقت كلَّ حواضر أوروبا مدنيَّةً -أثناء القرن العاشر- كانت في الحقيقة محطَّ إعجاب العالم ودهشته، كمدينة فينيسيا في أعين دول البلقان، وكان السياح القادمون من الشمال يسمعون بما هو أشبه بالخشوع والرهبة عن تلك المدينَة؛ التي تحوي سبعين مكتبة، وتسعمائة حمَّام عمومي؛ فإنْ أدركتِ الحاجةُ حُكَّام ليون أو النافار أو برشلونة إلى جَرَّاحٍ، أو مهندس، أو معماري، أو خائط ثياب، أو موسيقي فلا يتَّجِهُون بمطالبهم إلَّا إلى قرطبة»[4].

ويؤكِّد المفكر ليوبولد فايس[5] أثر قرطبة في التدشين لعصر النهضة قائلًا: «لسنا نبالغ إذ قلنا: إنَّ العصر العلمي الحديث الذي نعيش فيه لم يُدَشَّن في مدن أوروبا، ولكن في المراكز الإسلاميَّة؛ في دمشق وبغداد والقاهرة وقرطبة»[6].

وحول الأندلس بصفةٍ عامَّة كمَعْبَر لاتصال الحضارة الإسلامية بالغرب وانتقالها إليه تقول زيجريد هونكه: «ولم تكن جبال البرانس لتمنع تلك الصلات، ومن هنا وجدت الحضارة العربية الأندلسية طريقها إلى الغرب»[7].

وتضيف قائلة: «وقد حمل مشعل الحضارة العربية عَبْرَ الأندلس ألوفٌ من الأسرى الأوروبيين، عادوا من قرطبة وسرقسطة، وغيرها من مراكز الثقافة الأندلسية، كما مثَّل تجار ليون وجنوا والبندقية ونورمبرج دور الوسيط بين المدن الأوروبية والمدن الأندلسية، واحتكَّت ملايين الحجاج من المسيحيين الأوروبيين في طريقهم إلى سنتياجو بالتُّجَّار العرب والحجاج المسيحيين القادمين من شمال الأندلس، كما أسهم سيل الفرسان، والتجار، ورجال الدين المتدفِّقين سنويًّا من أوروبا إلى إسبانيا في نقل أسس الحضارة الأندلسية إلى بلادهم، وحمل اليهود من تُجّار، وأطباء، ومتعلِّمِينَ ثقافة العرب إلى بلدان الغرب، كما اشتركوا في أعمال الترجمة بمدينة طليطلة، ونقلوا عن العربية عددًا كبيرًا من القصص والأساطير والملاحم»[8].
وهكذا كانت الأندلس مركزًا مهمًّا من مراكز الحضارة الإسلاميَّة، وكانت من أهمِّ معابر انتقالها إلى أوروبا.

وقد كان هذا التأثير بارزًا في مجالات عديدة نبينها من خلال النقاط التالية:

في ميدان العقيدة والتشريع

جاء الإسلام بعقيدة التوحيد وَسَطَ مجتمع وعالَمٍ يَعِجُّ بالشِّرْكِ والوثنية، فأفرد التوحيد لله، ونزَّهَهُ عن التجسيم والنقص، وحرَّر الإنسان من عبوديَّة غيره سبحانه، ولم يجعل بينه وبين الله واسطة ولا كهنوتيَّة.. وما إن اطَّلَع العالم بعد ذلك، وخاصَّة عصر النهضة في الحضارة الأوربية، على تلك العقيدة الصافية، حتى «أصبح أهل كل دين يُئَوِّلون ما في نظامهم الديني من شِرْكٍ، أو مظاهر شِرْكٍ ووثنيَّة، ورسومها وتقاليدها، ويلوون بذلك ألسنتهم، ويجتهدون في التعبير عنه وشرحه بما يقرب إلى التوحيد الإسلامي ويُشبهه»[9].

يقول أحمد أمين: ظهر بين النصارى نزعات يظهر فيها أثر الإسلام؛ من ذلك أنه في القرن الثامن الميلادي/ الثاني والثالث الهجريين، ظهرت في سبتمانيا[10] حركة تدعو إلى إنكار الاعتراف أمام القسس، وأن ليس للقسس حقٌّ في ذلك، وأن يضرع الإنسان إلى الله وحده في غفران ما ارتكب من إثم، والإسلام ليس له قسيسون ورهبان وأحبار، فطبيعيٌّ أن لا يكون فيه اعتراف.

وكذلك ظهرت حركة تدعو إلى تحطيم الصور والتماثيل الدينية متأثِّرَة في ذلك بالإسلام؛ ففي القرنين الثامن والتاسع للميلاد ظهر مذهب نصراني يرفض تقديس الصور والتماثيل، فقد أصدر الإمبراطور الروماني (ليو الثالث) أمرًا سنة (108هـ=726م) يُحَرِّم فيه تقديس الصور والتماثيل، وأمرًا آخر سنة (112هـ=730م) يَعدُّ الإتيان بهذا وثنية، وكذلك كان قسطنطين الخامس وليو الرابع.

ووُجِدَتْ كذلك طائفة من النصارى شرحت عقيدة التثليث بما يَقْرُب من الوحدانية، وأنكرت ألوهية المسيح عليه السلام[11].

ويمكن لمن يُطَالِع تاريخ أوروبا الديني وتاريخ الكنسية النصرانية أن يلتمس تأثير الإسلام العقلي في نزعات المصلحين والثائرين على النظام الأسقفي السائد، أمَّا دعوة (لوثر) الإصلاحية الكبيرة، فقد كانت -على عِلَّاتها- أبرزَ مظهرٍ للتأثُّر بالإسلام وبعض عقائده كما اعترف المؤرخون[12].

فكانت العقيدة الإسلامية إذن -بوضوحها ونقائها- مؤثِّرَة غاية التأثير في عقائد كثير من غير المسلمين، وأدَّتْ إلى تصحيح الكثير والكثير من المفاهيم التي انحرفت مع مرور الوقت في كل بقاع العالم.

أمَّا في ميدان القوانين والتشريع فقد كان لاتصال الطلاب الغربيين بالمدارس الإسلامية في الأندلس وغيرها أثر كبير؛ فقد نقلوا مجموعة من الأحكام الفقهية والتشريعية إلى كُلِّ لغاتهم، ولم تكن أوروبا في ذلك الحين على نظام مُتْقَنٍ ولا قوانين عادلة، يقول العلامة سيديو[13]: «والمذهب المالكي هو الذي يستوقف نظرنا على الخصوص لِمَا لنا من الصلات بعرب إفريقية، وعهدت الحكومة الفرنسية إلى الدكتور بيرون في أن يُتَرْجِمَ إلى الفرنسية كتاب (المختصر في الفقه) للخليل بن إسحاق بن يعقوب المتوفَّى سنة (776 هـ=1374م)»[14].

بل إن الحضارة الإسلامية شاركت في قوانين أوروبا ذاتها؛ وفي ذلك يقول المؤرِّخ الإنجليزي (ويلز[15] في كتابه: (ملامح تاريخ الإنسانية): «إن أوروبا مَدِينَةٌ للإسلامِ بالجانب الأكبر من قوانينها الإدارية والتجارية»[16].

في مجال العلوم

وكان تأثير المسلمين في الغرب في مجال العلوم؛ من طب، وصيدلة، ورياضيات، وكيمياء، وبصريات، وجغرافيا، وفلك، وغيرها، من أبلغ مظاهر التأثير في الحضارة الأوروبية؛ حتى اعترف كثير من الغربيين المنصفين بأن المسلمين ظَلُّوا أساتذة أوروبا مدَّة لا تقل عن ستمائة سنة!

يقول العلَّامة المستشرق سيديو: وإذا بحثنا فيما اقتبسه اللاتين من العرب في بدء الأمر وجدنا أن جربرت الذي أضحى بابا باسم سافستر الثاني أدخل إلينا بين سنة (359هـ=970م) وسنة (369هـ/980م) ما تَعَلَّمَه في الأندلس من المعارف الرياضية، وأن أوهيلارد الإنجليزي طاف بين سنة (493هـ=1100م) وسنة (522هـ=1128م) في الأندلس ومصر فتَرْجَم من العربية كتاب (الأركان) لإقليدس، الذي كان الغرب يجهله، وأن أفلاطون التيقولي ترجم من العربية كتاب (الأُكَر) لثاذوسيوس، وأن رودلف البروجي ترجم من العربية كتاب (الجغرافيا في المعمور من الأرض) لبطليموس، وأن ليونارد البيزي ألَّف حوالي سنة (596هـ=1200م) رسالة في الجبر الذي تَعَلَّمه من العرب.

وأن كنيانوس النبري ترجم عن العرب في القرن الثالث عشر كتاب إقليدس ترجمة جيدة شارحًا له، وأن قيتليون البولوني ترجم كتاب (البصريات) للحسن بن الهيثم في ذلك القرن، وأن جيرارد الكريموني أذاع في ذلك القرن أيضًا علم الفلك الحقيقي المتين بترجمته (المجسطي) لبطليموس، و(الشرح) لجابر... إلخ، وفي سنة (648هـ=1250م) أَمَرَ الأذفونش القشتالي بنشر الأزياج الفلكية التي تحمل اسمه، وإذا كان روجر الأول قد شجَّع على تحصيل علوم العرب في صقلية ولا سيَّما كتاب الإدريسي، فإن الإمبراطور فردريك الثاني لم يَبْدُ أقلَّ حضًّا على دراسة علوم العرب وآدابهم، وكان أبناء ابن رشد يُقِيمُون ببلاط هذا الإمبراطور؛ فيُعَلِّمُونَه تاريخ النباتات والحيوانات الطبيعي[17].

ويبدو واضحًا من كلام سيديو أن المسلمين لم ينقلوا علومهم فقط للأوروبِّيِّين، بل أسهموا وبقوَّة في أن يعرف الأوروبِّيُّون تاريخ أجدادهم الإغريق الذين كانوا بمعزلٍ تامٍّ عنهم.
وهكذا كان التأثير في كلِّ أنواع ومجالات العلوم.

في مجال اللغة والأدب

تأثَّر الغربيُّون -وخاصَّةً شعراء الإسبان- بالأدب العربي تأثُّرًا كبيرًا؛ فقد دخل أدب الفروسية، والحماسة، والمجاز، والتخيلات الراقية البديعة إلى الآداب الغربيَّة عن طريق الأدب العربي في الأندلس على الخصوص؛ يقول الكاتب الإسباني المشهور أبانيز: «إنَّ أوروبا لم تكن تعرف الفروسيَّة، ولا تَدِين بآدابها المرعيَّة، ولا نخوتها الحماسيَّة قبل وفود العرب إلى الأندلس، وانتشار فرسانهم وأبطالهم في أقطار الجنوب»[18].

فقد كان لابن حزم الأندلسي وكتابه الشهير «طوق الحمامة» تأثير كبير على شعراء إسبانيا وجنوب فرنسا بعدما امتزجت الجالية الإسلاميَّة بالجالية المسيحيَّة، فكانت العربيَّة لغة البلاد ولغة الأوساط الراقية، وفي كثيرٍ من الإمارات المسيحيَّة الإسبانيَّة كان الشعراء المسيحيُّون والمسلمون يلتقون في بلاط الأمير، ومن أمثلة ذلك ما كان يحدث في بلاط سانكو الذي كان يضم ثلاثة عشر شاعرًا عربيًّا واثني عشر شاعرًا مسيحيًّا وشاعرًا يهوديًّا.

كما عثر على مخطوطة ترجع إلى عصر ألفونس العاشر ملك قسطلة توجد بها لوحة تُمثِّل التقاء شاعرين جوالين يغنيان معًا على العود، أحدهما عربي والآخر أوروبي، والأكثر من ذلك أن شعراء أوروبا في ذلك الوقت كانوا يجيدون نظم الشعر العربي؛ لذلك يقول هنري مارو: «إن التأثير العربي على حضارة الشعوب الرومانية لم يقف عند حد الفنون الجميلة فقط التي كان التأثير فيها واضحًا، وإنما امتد كذلك إلى الموسيقى والشعر»[19].

ويَدُلُّنَا -كذلك- على مدى تأثُّرِ الأدباء الغربيين بالعربية وآدابها في تلك العصور ما نقله لنا دوزي[20] في كتابه عن الإسلام من رسالة ذلك الكاتب الإسباني (الغارو) الذي كان يأسى أشدَّ الأسى لإهمال لغة اللاتين والإغريق والإقبال على لغة المسلمين، فيقول: «إن أرباب الفطنة والتذوُّق سَحَرَهم رنين الأدب العربي فاحتقروا اللاتينية، وجعلوا يكتبون بلغة قاهريهم دون غيرها، وساء ذلك معاصرًا كان على نصيب من النخوة الوطنية أوفى من نصيب معاصريه، فأسف لذلك مُرَّ الأسف، وكتب يقول: إن إخواني المسيحيين يعجبون بشعر العرب وأقاصيصهم، ويدرسون التصانيف التي كتبها الفلاسفة والفقهاء المسلمون، ولا يفعلون ذلك لإدحاضها والردِّ عليها؛ بل لاقتباس الأسلوب العربي الفصيح.

فأين اليوم -من غير رجال الدين- مَنْ يقرأ التفاسير الدينية للتوراة والإنجيل؟ وأين اليوم مَنْ يقرأ الإنجيل وصحف الرسل والأنبياء؟ واأسفاه! إن الجيل الناشئ من المسيحيين الأذكياء لا يُحْسِنُونَ أدبًا أو لغةً غير الأدب العربي واللغة العربية، وإنهم ليلتهمون كُتب العرب، ويجمعون منها المكتبات الكبيرة بأغلى الأثمان، ويَتَرَنَّمُون في كل مكان بالثناء على الذخائر العربية، في حين يسمعون بالكتب المسيحية فيأنفون من الإصغاء إليها؛ مُحْتَجِّينَ بأنها شيء لا يستحقُّ منهم مؤنة الالتفات. فيا للأسى! إن المسيحيين قد نَسُوا لغتهم، فلن تجد فيهم اليوم واحدًا في كل ألف يكتب بها خطابًا إلى صديق، أمَّا لغة العرب فما أكثر الذين يُحْسِنُون التعبير بها على أحسن أسلوب، وقد يَنْظِمُونَ بها شعرًا يَفُوقُ شعر العرب أنفسهم في الأناقة وصحَّة الأداء»[21].

وعن تأثير اللغة العربية في اللغات الأوروبية يقول ديتر ميسنر[22]: إن تأثير العربية لغة الطبقة العليا في اللغات المحكية في شبه الجزيرة الأيبيرية قد أضفى على اللغات القشتالية والبرتغالية والقطلونية مكانة متميزة بين اللغات الرومانسية... ولم تقتصر التأثيرات العربية على شبه الجزيرة الأيبيرية وحسب، بل إنها كانت واسطة لنقلها إلى لغات أخرى كالفرنسية[23].

ولا حاجة بنا إلى أن نذكر ما دخل اللغات الأوروبية على اختلافها من كلمات عربية في مختلف نواحي الحياة؛ حتى إنَّها لتكاد تكون كما هي في العربية؛ كالقطن، والحرير الدمشقي، والمسك، والشراب، والجرة، والليمون، والصِّفر، وغير ذلك ممَّا لا يُحْصَى. وحَسْبُنَا في هذا المقام قول للأستاذ ماكييل: «كانت أوروبا مَدِينَةً بأدبها الروائي إلى بلاد العرب، وإلى الشعوب العربية الساكنة في النجد العربي السوري؛ تدين بأكبر قسم، أو بالدرجة الرئيسة لتلك القوى النشيطة التي جعلت القرون الوسطى الأوروبية مختلِفَة رُوحًا وخيالًا عن العالم الذي كان يخضع لرُوحه»[24].

وقد تأثَّرَت القصَّة الأوروبية في نشأتها بما كان عند العرب من فنون القصص في القرون الوسطى؛ وهي المقامات وأخبار الفروسية ومغامرات الفرسان في سبيل المجد والعشق، وكان لألف ليلة وليلة بعد ترجمتها إلى اللغات الأوروبية في القرن الثاني عشر أثرٌ كبير جدًّا في هذا المجال؛ حتى إنَّها طُبِعَتْ منذ ذلك الحين حتى الآن أكثر من ثلاثمائة طبعة في جميع لغات أوروبا؛ حتى لَيَرَى عددٌ من النُّقَّاد الأوروبيِّين أن رحلات جليفر التي ألَّفها سويفت، ورحلة روبنسون كروزو التي ألَّفها ديفوه مَدِينَةٌ لألف ليلة وليلة ولرسالة حي ابن يقظان للفيلسوف العربي ابن طفيل[25].

وفي سنة (1349م) كتب بوكاشيو حكاياته المسمَّاة بالصباحات العشرة؛ والتي حذت حذو ألف ليلة وليلة، ومنها اقتبس شكسبير موضوع مسرحيته (العبرة بالخواتيم)، كما اقتبس لسنج الألماني مسرحيته (ناتان الحكيم). وكان شوسر إمامُ الشعرِ الحديث في اللغة الإنجليزية أكبرَ المقتبسين من بوكاشيو في زمانه، فقد لقيه في إيطاليا، ونَظَمَ بعد ذلك قصصه المشهورة باسم (حكايات كانتربري)[26].

أمَّا دانتي فيُؤَكِّد كثير من النقاد أنه كان في (القصة الإلهية) التي يَصِفُ فيها رحلته إلى العالم الآخر متأثِّرًا برسالة الغفران للمعري، ووصف الجنة لابن عربي، ذلك أنه أقام في صقلية على عهد الإمبراطور فريدريك الثاني، الذي كان مولعًا بالثقافة الإسلامية ودراستها في مصادرها العربية، وقد دارت بينه وبين دانتي مساجلات في مذهب أرسطو، كان بعضها مُسْتَمَدًّا من الأصل العربي، وكان دانتي يَعْرِف شيئًا غيرَ قليل من سيرة النبي ﷺ، فاطَّلَعَ منها على قصة المعراج والإسراء، ووَصْفِ السماء[27]، كما تقول زيجريد هونكه: «يبدو الشبه كبيرًا بين دانتي وبين ابن عربي؛ فقد أخذ دانتي عنه تشبيهاته بعد ما يقرب من مائتي عام»[28].

أمَّا الشاعر بترارك فقد عاش في عصر الثقافة العربية بإيطاليا وفرنسا، وطَلَبَ العلم في جامعتي مونبيليه وباريس، وكلتاهما قامتا على مؤلَّفَات العرب وتلاميذهم في الجامعات الأندلسية[29]؛ لذلك يقول لقومه: «يا عجبًا! استطاع سيسرون أن يكون خطيبًا بعد ديموستين، واستطاع فرجيل أن يكون شاعرًا بعد هوميروس، فلِمَ قُدِّر علينا ألَّا نؤلف بعد العرب، لقد تساوينا نحن والأغارقة وجميع الشعوب وسبقناهم أحيانًا خلا العرب، فيا للحماقة! ويا للضلال! ويا لعبقرية إيطاليا الناعسة الخامدة!»[30].

هكذا كانت الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة الجذوة التي أضاءت ربوع الإنسانيَّة في مجال اللغة والأدب.

في مجال التربية والمعاملات

إن الاقتباس في مجال العلوم والفنون والشعر يظل ملموسًا وواضحًا؛ لأنه تأثيرٌ ماديٌّ بحت يمكن رصده بوضوح ودقة، أما التأثير الاجتماعي والإنساني (التربية والمعاملات) فيُرصد بأقل من هذا الوضوح، وكلما كان المشهد الزمني أوسع كان التطور الاجتماعي أكثر وضوحًا، كما أن القضايا الاجتماعية مرتبطة عادة بالثقافة والفلسفة والدين، وهي ما زالت ميادين صراع بين الإسلام والغرب حتى الآن؛ ولهذا أعرضنا -في هذا المبحث- عن ذكر كثيرٍ من المقارنات، فقد وجدنا بالفعل أن كثيرا مما أقرَّه الإسلام لم تصل إليه الحضارة الغربية حتى الآن؛ لما بقي من اختلاف في الرؤية والتصوُّرات والفلسفات، فنحن نبحث هنا جوانب ما تم من تأثُّرٍ بالحضارة الإسلامية.

يقول جوليفه كستاو في كتابه قانون التاريخ: «أوروبا مَدِينةٌ بالهواء النافع الذي تمتعت به في تلك العصور للأفكار العربية، فقد انقضت أربعة قرون ولا حضارة فيها غير الحضارة العربية، وعلماؤها هم حملة لوائها الخفاق»[31].
إنه وبعملية منطقية جدًّا، يمكن عزو أي تطور في المشهد الحضاري الغربي المعاصر عن المشهد في الحضارة الرومانية إلى ذلك العصر الوسيط، عصر الحضارة الإسلامية.

قدمنا نماذج من الإسهامات التي أضافتها الحضارة الإسلامية في الحقوق والحريات والتربية والمعاملات، ونرصد هنا تأثير هذه الإسهامات في الحضارة الغربية.

في سنة 890م حين أراد أذفونش (ألفونسو) الكبير أن ينتدب مؤدبًا لابنه وولي عهده، استدعى اثنين من مسلمي قرطبة حرصا على تهذيبه، إذ لم يجد في النصارى إذ ذاك كفؤًا لهذه المهمَّة[32].

وحين فتح المسلمون الأندلس، فضّل بعضهم أن يهاجر إلى فرنسا على ألَّا يقيم في ظل الحكم الإسلامي، وبهذا الشأن يروي توماس أرنولد[33] طبيعة المعاملة التي تلقاها المسيحيون الذين رضوا بالعيش في ظل الدولة الإسلامية ويقارنها بالمعاملة التي تلقاها مَن هاجروا، فيذكر «أن أولئك الذين هاجروا إلى الأراضي الفرنسية لكي يعيشوا تحت حكم المسيحيين لم يصبحوا في الحقيقة أحسن حالًا من إخوانهم في الدين الذين خلفوهم وراء ظهورهم (يقصد من رضوا بالعيش في ظل الحكم الإسلامي).

وفي سنة 812م تدخل شارلمان لحماية المنفيين الذين لحقوا به عند ارتداده عن إسبانيا من عنت موظفي الإمبراطورية واضطهادهم إياهم. وبعد ثلاث سنين لم ير لويس التقي بُدًّا من إصدار مرسوم آخر لتحسين حال هؤلاء المنفيين الذين لم يلبثوا أن لجئوا -على الرغم من هذا- إلى الشكوى ثانيًا من الأشراف الذين اغتصبوا أراضيهم التي خصصت لهم. ولم يمضِ وقت طويل على محاولة القضاء على هذه المساوئ حتى عمت الشكوى من جديد، ولم تجد هذه المراسيم والأوامر الملكية التي صدرت لتحسين حال هؤلاء المنفيين الناعسين. وسوف نصادف في العصور المتأخرة في الجالية الإسبانية التي فرت من الحكم الإسلامي طبقة محتقرة عوملت معاملة سيئة، ووضعت نفسها تحت رحمة بني جنسهم من المسيحيين»[34].

ومما يؤكد أن التعامل مع المسلمين قد هذَّب طباع المسيحيين ما يرويه أرنولد أيضًا أن أزيدور -وهو مؤرخ من الأندلس- «شدَّد النكير على الفاتحين المسلمين»، ولكنه «دوَّن مسألة زواج عبد العزيز بن موسى بن نصير من أرملة الملك لذريق، دون أن يذكر كلمة واحدة يستنكر فيها هذا الفعل»[35]. ويضيف أرنولد: «هذا إلى أن كثيرين من المسيحيِّين قد تسمَّوا بأسماء عربيَّة، وقلَّدوا جيرانهم المسلمين في إقامة بعض النظم الدينيَّة، فاختتن كثيرٌ منهم، وساروا وَفق رسوم (المسلمين) في أمور الطعام والشراب»[36].

في مجال الفنون

عن طريق معابر اتصال الحضارة الإسلامية بالغرب الأوروبي انتقلت الأساليب المعمارية والزخرفية، ومعظم أساليب الفنون التطبيقية الأخرى إلى بلاد الغرب، وبَدَا تأثير الفنون الإسلامية واضحًا جليًّا في الحضارة الغربية، «فتُشِيرُ عددٌ من الحقائق إلى المصدر الإسلامي لكل من الفكرة والشكل في كثير من الفنون التشكيلية الأوروبية»[37].

وممَّا يُثِيرُ الشفقة إضافة بعض الفنانين الغربيين أشكال الفنِّ الإسلامي إلى أعمالهم بطريقة تكميلية أو زخرفية، دون معرفة بما تحتويه معاني الكلمات عند نقل أشكال حروف الكتابة العربية، أو إدراكٍ لمعنى مفهوم الزخرفة عند الفنان المسلم، فكُلُّ ما في الأمر أنهم نقلوا الشكل دون المحتوى، بطريقة تدلُّ على انبهارٍ من الخارج بملامح الأشكال الزخرفية[38].

وفي هذا الإطار يستشهد جوستاف لوبون بالخطِّ العربي فيقول: «وقد بلغ الخط العربي من الصلاح للزينة ما كان رجال الفنِّ من النصارى في القرون الوسطى وفي عصر النهضة يُكثرون من استنساخ ما كان يقع تحت أيديهم اتِّفَاقًا من قطع الكتابات العربية على المباني المسيحية تزيينًا لها، سائرين في ذلك مع الهوى، وقد شاهد مسيو لُنجبرْيه ومسيو لافوَا وغيرهما الشيء الكثير منها في إيطاليا، وممَّا شاهده مسيو لافوا في مكان الأمتعة من كاتدرائية ميلانو بابٌ مبنيٌّ على طراز رسم البيكارين يحيط به إفريزٌ حجريٌّ مؤلَّف من كلمة عربية مكرَّرة عدَّة مرَّات، وكتابةٌ عربية حول رأس المسيح المُصَوَّر فوق أبواب القديس بطرس التي أَمَرَ بإنشائها البابا أوجين الرابع، وخطوط كوفية طويلة على قميص القديس بطرس والقديس بولس»، ثم يتابِعُ فيقول: «ومن دواعي أسفي عدم ترجمة هذا الكاتب لهذه الكتابات، فلعلَّ الكتابة التي حول رأس المسيح هي كلمة: (لا إله إلا الله محمد رسول الله)!»[39].

هذا، وإذا كانت الزخرفة العربية الإسلامية قد أثَّرَتْ كثيرًا في منهج ورؤية العديد من الفنانين الأوروبيين؛ فإن الخطَّ العربي -وهو واحد من أهمِّ نتاجات الفنِّ العربي الإسلامي، بما في أشكاله من تنوُّع وتعدُّد غني، وبإمكان زخرفته بصور عديدة- قد أَثَّر كثيرًا في رؤية وأعمال عديد من فناني أوروبا؛ فقد امتدَّ تأثيره منذ جاءت الحروب الصليبية واحتكَّ الأوروبيون بالعرب، فأثارهم وأُعجبوا به؛ لِمَا وُجِدَ فيه من غِنًى شكلي، فاستخدموه في أعمالهم الفنِّيَّة؛ حيث كان جيوتو من أوائل الفنانين الذين استخدموه في لوحاتهم، وكذلك المصوِّر الفلورنسي فليوليبي، الذي استخدم الكتابة العربية كزخرفة على ثياب الأشخاص التي يرسمها في القرن الخامس عشر، وقد استفاد الفلورنسي أيضًا فيريكيو من الخطِّ العربي في زخرفة لوحة تبجيل الملوك المحفوظة في فلورنسا[40].

وهكذا استطاع الفنُّ الإسلامي بمقوِّمَاته الجمالية الخصبة أن يؤثِّر في كثير من مفاهيم الأوروبيين، من خلال التأثير في أعمال العديد من الفنانين الأوروبيين؛ حيث إنَّهم قد وَجَدُوا في ملامحه مَعِينًا لا ينضب في أعمالهم الفنية، واكتشافَ أشكالٍ جديدة ذات ملامح وإيقاعات حيوية، موازية في حيويتها لوفرة الحركة والإيقاع الموجودة في التراكيب الأرابيسكية وخطوط الكتابة العربية.

وبعد هذا التطواف المتعجِّل، وفي نهاية هذه الرحلة السريعة، يَحِقُّ لنا أن نَتِيهَ فخرًا على البشرية بذاك الإسهام الرائع، وتلك التأثيرات الخالدة لحضارتنا؛ حضارة الإسلام، تلك التي أنارت جنبات الإنسانيَّة على طول مسيرتها، بعد ظلامٍ دامسٍ وحالك.

شهادات المنصفين في حق الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس

ويقول ماكس فانتيجو: «كل الشواهد تؤكِّد أن العلم الغربي مَدِينٌ بوجوده إلى الحضارة العربية الإسلامية، وأن المنهج العلمي الحديث القائم على البحث والملاحظة والتجربة، والذي أَخَذَ به علماء أوروبا، إنما كان نتاج اتِّصَال العلماء الأوروبيين بالعالَمِ الإسلامي عن طريق دولة العرب المسلمين في الأندلس»[41].

ويقول دانييل بريفولت: «ومنذ عام (700م) بدأت إشراقة الحضارة العربية الإسلامية تمتدُّ من شرقي المتوسط إلى بلاد فارس شرقًا وإسبانيا غربًا، فأُعِيدَ اكتشافُ قسمٍ كبير من العِلْـمِ القديم، وسُجِّلَتِ اكتشافاتٌ جديدة في الرياضيات، والكيمياء، والفيزياء، وغيرها من العلوم... وفي هذا المجال، كما في غيره، كان العرب مُعَلِّمِينَ لأوروبا، فأسهموا في نهضة العلوم في هذه القارَّة»[42].

شهادات المنصفين في ميدان الفكر

الفكر من دعائم الإيمان بهذا الدِّينِ، وهو من الركائز التي قامت عليها الحضارة الإسلامية، فهو كتاب الله المنظور، والذي هو عبارة عن الكون كُلِّه، وقد طالب الكِتَابُ المقروء (القرآن الكريم) بالنظر في هذا الكِتَابِ المنظور من خلال آيات كثيرة... والعجيب أن يأتي بعد ذلك مَنْ يُنْكِرُ اهتمام الإسلام والحضارة الإسلامية بالفكر وإعمال العقل!

ومن ثَمَّ كانت هذه شهادات المنصفين الغربيين في الرَّدِّ على ذلك:

يقول أتيين دينيه[43]: «إلى الفيلسوف المسلم ابن رشد -الذي عاش في الأندلس (1120-1198م)- يرجع الفضل في إدخال حُرِّيَّة الرأي -التي يجب أن لا نخلط بينها وبين الإلحاد- في أوروبا، وتحمَّس أحرار الفكر في العصر الوسيط الأوروبي لشروحه لأرسطو، وكانت هذه الشروح مصبوغة بصبغة إسلاميَّة قوية. ويمكن أن نعتبر بحقٍّ أن التيار الفكري الذي نشأ عن هذا التحمُّس لابن رشد كان أصل التفكير المنطقي الحديث، فضلًا عن كونه من أصول الإصلاح الديني»[44].

وتقول زيجريد هونكه: «إن سيلًا عرمًا من نتاج الفكر العربي، وموادِّ الحقيقة والعلم قد نَقَّحَتْهُ أيدٍ عربية، ونَظَمَتْه وعَرَضَتْه بشكل مثاليٍّ قد اكتسح أوروبا... وفي مراكز العلم الأوروبية لم يكن هناك عالِمٌ واحد من العلماء إلَّا ومَدَّ يديه للكنوز العربية هذه؛ ليغرف منها ما شاء الله له أن يغرف، وينهل منها كما ينهل الظمآن من الماء العذب... ولم يكن هناك كتاب واحد من بين الكتب التي صدرت في أوروبا آنذاك إلَّا وقد ارتوتْ صفحاته بالرَّيِّ العميم من الينابيع العربية، وأَخَذَ عنها إيماءاته، وظهر فيه تأثيرها واضحًا كل الوضوح، ليس فقط في كلماته العربية المترجمة، بل وفي محتواه وأفكاره»[45].

وتقول أيضًا: «إن هذه القفزة السريعة المدهشة في سُلَّمِ الحضارة -التي قفزها أبناء الصحراء، والتي بدأت من اللاشيء- لهي جديرة بالاعتبار في تاريخ الفكر الإنساني. وإن انتصاراتهم العلمية المتلاحِقَة التي جعلتْ منهم سادة للشعوب المتحضِّرَة لَفَريدة من نوعها؛ لدرجة تَجْعَلُهَا أعظم من أن تُقارَن بغيرها، وتدعونا أن نقف متأمِّلِينَ: كيف حدث هذا؟!»[46].

ويقول المسيو سيديو: «لم يشهد المجتمع الإسلامي ما شهدته أوروبا من تحجُّر العقل، وشلِّ التفكير، وجدب الرُّوح، ومحاربة العلم والعلماء، ويذكر التاريخ أن اثنين وثلاثين ألف عالم قد أُحرِقوا أحياءً! ولا جدال في أن تاريخ الإسلام لم يعرف هذا الاضطهاد الشنيع لحرية الفكر، بل كان المسلمون منفردين بالعلم في تلك العصور المظلمة، ولم يَحْدُثْ أن انفرد دِينٌ بالسلطة، ومنح مخالفيه في العقيدة كل أسباب الحرية كما فعل الإسلام»[47].

وبعدُ؛ فهذه أقوال ومرويات المنصفين من المستشرقين والمؤرِّخين الغربيين على فضل وأثر الحضارة الإسلامية.. وأختمُ هذا الباب بمحاضرة ألقاها الأمير تشارلز -وَلِيُّ عهد بريطانيا- في مركز أوكسفورد للدراسات الإسلامية تحت عنوان: (الإسلام والغرب) جاء فيها حرفيًّا:

«إذا كان هناك قَدْرٌ كبير من سوء الفَهْم في الغرب لطبيعة الإسلام، فإن هناك -أيضًا- قدرًا مساويًا من الجهل بالفضل الذي تَدِينُ به ثقافتنا وحضارتنا للعالم الإسلامي... فإسبانيا في عهد المسلمين لم تَقُمْ فقط بجمع وحفظ المحتوى الفكري للحضارة اليونانية والرومانية، بل فَسَّرَتْ تلك الحضارة وتَوَسَّعَتْ بها، وقَدَّمَتْ إسهامات مهمَّة من جانبها في كثير من مجالات البحث الإنساني في العلوم، والفلك، والرياضيات، والجبر -الكلمة نفسها عربية- والقانون، والتاريخ، والطب، وعلم العقاقير، والبصريات، والزراعة، والهندسة المعمارية، لقد كانت قرطبة في القرن العاشر أكثر المدن تحضرًا في أوروبا. كما أن كثيرًا من المزايا التي تفخر بها أوروبا العصرية جاءت أصلًا من إسبانيا في أثناء الحكم الإسلامي؛ فالدبلوماسية، وحرية التجارة، والحدود المفتوحة، وأساليب البحث الأكاديمي، وعلم الإنسان، وآداب السلوك، وتطوير الأزياء، والطب البديل، والمستشفيات جاءت كلها من تلك المدينَة العظيمة.

وفوق ذلك، فإن الإسلام يمكن أن يُعَلِّمَنَا طريقةً للتفاهم والعيش في العالم؛ الأمر الذي فقدته الديانة المسيحية؛ ممَّا أَدَّى إلى ضعفها، ويكمن في جوهر الإسلام حفاظُهُ على نظرة متكاملة للكون؛ فالإسلام يرفض الفصل بين الإنسان والطبيعة، والدين والعلم، والعقل والمادَّة، إن هذا الشعور المهمُّ بالوحدانية والوصاية على الطابع القدسي والرُّوحي للعالم من حولنا شيء مهمٌّ يمكن أن نَتَعَلَّمه من جديد من الإسلام»[48].

ومن شاء التوسُّع في أثر الحضارة الإسلامية في نهضة أوروبا الحديثة فليراجع الباب السادس من (تاريخ العرب العام) لسيديو، وهو تحت عنوان (وصف الحضارة العربية)، وكذا الباب الخامس بفصوله العشرة من كتاب (حضارة العرب) لجوستاف لوبون، وأيضًا كتاب (شمس العرب تسطع على الغرب) لزيجريد هونكه، وهو كله في إقرار فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الغربية، ولينظر -أيضًا- إلى قائمة المصادر والمراجع التي جمعها العلَّامة جورج سارتون لكتابه (مقدمة في تاريخ العلوم).

ولعلَّ ذلك وغيره الكثير يُدَلِّلُ بشكلٍ لا يقبل الجدل والشكَّ على ما انطوت عليه الحضارة الإسلامية من أصالة وازدهار وتفوُّق، وما اختصَّت به من شمول وتطوُّر، وما تميَّزَتْ به من واقعية وانفتاح، وما بدا من إسهامٍ عظيم في ركب الحضارة الإنسانية، ثم ما كان من أساس للحضارة الغربية الحديثة!

ولعلَّ الوقت قد حان لنستذكر تلك الحقائق، آملين الإفادة منها للنهوض من جديد.


المصدر:
موقع قصة الإسلام

الإشارات المرجعية:
[1] هاني المبارك وشوقي أبو خليل: دور الحضارة العربية الإسلامية في النهضة الأوروبية، ص51، 52.
[2] انظر: محمود الجليلي: تأثير الطب العربي في الحضارة الأوروبية، الرابط:
http://www.islamset.com/arabic/aislam/civil/civil1/algalely.html
[3] حسان شمسي باشا: هكذا كانوا يوم كنا ص8، وانظر: أحمد علي الملا: أثر العلماء المسلمين في الحضارة الأوروبية، ص110، 111.
[4] جون براند تراند: إسبانيا والبرتغال، دراسة منشورة بكتاب تراث الإسلام بإشراف (أرنولد) ص27.
[5] ليوبولد فايس: (1900- 1996م) نمساوي يهودي الأصل، درس الفلسفة والفن في جامعة فيينا ثم اتجه للصحافة فبرع فيها، وغدا مراسلًا صحفيًّا في الشرق العربي والإسلامي، أسلم وتسمى باسم محمد أسد. 
[6] محمد أسد: الإسلام على مفترق الطرق ص40.
[7] زيجريد هونكه: شمس العرب ص31.
[8] زيجريد هونكه: شمس العرب ص532.
[9] أبو الحسن الندوي: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ ص105.
[10] سبتمانيا: مقاطعة فرنسية قديمة في الجنوب الغربي لفرنسا على البحر الأبيض المتوسط.
[11] انظر: أحمد أمين: ضحى الإسلام 1/381، 382.
[12] انظر: أبو الحسن الندوي: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟، ص106.
[13] سيديو: (1223 ـ 1292 هـ / 1808 ـ 1875م) مستشرق فرنسي. مولده ووفاته بباريس، ومن آثار سيديو العربية, نشره كتاب (جامع المبادئ والغايات في الآلات الفلكية) لعلي المراكشي, مع ترجمة فرنسية.
[14] سيديو: تاريخ العرب العام، تعريب عادل زعيتر، ص395.
[15] ويلز: هربرت جورج ويلز (1866 – 1946م) أديب، مفكر، صحفي، عالم اجتماع ومؤرخ إنجليزي. يعتبر من مؤسسي أدب الخيال العلمي.
[16] نقلًا عن محمد عثمان عثمان: محمد في الآداب العالمية المنصفة، ص76.
[17] نقلًا عن مصطفى السباعي: من روائع حضارتنا، ص42.
[18] مصطفى السباعي: من روائع حضارتنا، ص42.
[19] أحمد درويش: نظرية الأدب المقارن وتجلياتها في الأدب العربي، ص194، 195.
[20] دُوزِي: رينهارت بيتر آن دُوزي (1235 ـ 1300هـ=1820 ـ 1883م) مستشرق هولندي, من أصل فرنسي بروتستانتي المذهب، مولده ووفاته في ليدن.
[21] مصطفى السباعي: من روائع حضارتنا، ص43.
[22] أستاذ فقه اللغات الرومانسية في جامعة سالزبرج.
[23] ديتر ميسنر: الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس ص651 (بتصرف) .
[24] مصطفى السباعي: من روائع حضارتنا ص44.
[25] جاك ريسلر: الحضارة الإسلامية ص223.
[26] مصطفى السباعي: من روائع حضارتنا ص44.
[27] مصطفى الشكعة: معالم الحضارة الإسلامية ص263-265.
[28] زيجريد هونكه: شمس العرب تسطع على الغرب ص521.
[29] مصطفى السباعي: من روائع حضارتنا ص44.
[30] سيديو: حضارة العرب ص569.
[31] جوليفه كستاو: قانون التاريخ، نقلًا عن: محمد كرد علي: الإسلام والحضارة العربية، ص544.
[32] محمد كرد علي: الإسلام والحضارة العربية، ص548.
[33] توماس أرنولد: مؤرخ إنجليزي شهير، (1864- 1930) من أعاظم المستشرقين البريطانيين، وكان عميدًا لمدرسة اللغات الشرقية بلندن سنة 1904م، ومن أشهر أعماله كتاب (الدعوة إلى الإسلام) .
[34] توماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام ص159.
[35] توماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام ص160.
[36] توماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام ص160.
[37] ديونيسيوس آجيوس، وريتشارد هيتشكوك: التأثير العربي في أوروبا في العصور الوسطى ص64.
[38] انظر: إيناس حسني: أثر الفن الإسلامي على التصوير في عصر النهضة ص120.
[39] جوستاف لوبون: حضارة العرب ص531.
[40] إيناس حسني: أثر الفن الإسلامي على التصوير في عصر النهضة ص129.
[41] ماكس فانتيجو: في كلمة له أمام مؤتمر الحضارة العربية الإسلامية المعقود في جامعة برنستون في واشنطن عام (1953م). انظر: شوقي أبو خليل، هاني المبارك: دور الحضارة العربية والإسلامية في النهضة الأوروبية ص125.
[42] دانييل بريفولت: نشأة الإنسانية ص84.
[43] أتيين دينيه: (1861-  1929م) مشتشرق فرنسي ورسام وكاتب ذو شهرة عالمية.
[44] أتيين دينيه: محمد رسول الله ص343.
[45] زيجريد هونكه: شمس العرب تسطع على الغرب، ص305، 306.
[46] زيجريد هونكه: شمس العرب تسطع على الغرب، ص354.
[47] عن حسان شمسي باشا: هكذا كانوا يوم كنا، ص83.
[48] محاضرة: (الإسلام والغرب) والتي ألقاها في مركز أوكسفورد للدراسات الإسلامية في السابع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر عام 1993م، وقد وزعت السفارة البريطانية بدمشق النصَّ المترجم، ثم طُبِعَ على نفقة الأمير تشارلز في كتيب صغير.

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#الأندلس
اقرأ أيضا
الذنوب عدو لدود | مرابط
اقتباسات وقطوف

الذنوب عدو لدود


ومن عقوبات الذنوب: أنها مدد من الإنسان يمد به عدوه عليه وجيش يقويه به على حربه. وذلك أن الله سبحانه ابتلى هذا الإنسان بعدو لا يفارقه طرفة عين.. ينام ولا ينام عنه.. ويغفل ولا يغفل عنه.. يراه هو وقبيله من حيث لا يراه. يبذل جهده في معاداته في كل حال ولا يدع أمرا يكيده به يقدر على إيصاله إليه إلا أوصله ويستعين عليه ببني أبيه من شياطين الجن وغيرهم من شياطين الإنس. قد نصب له الحبائل وبغاه الغوائل ومد حوله الأشراك ونصب له الفخاخ والشباك.

بقلم: ابن القيم
167
هذا مخالف للعلم: النزعة العلموية | مرابط
أباطيل وشبهات تعزيز اليقين فكر مقالات

هذا مخالف للعلم: النزعة العلموية


من المقولات التي شاع استعمالها في العصر الحديث والتي أدت بكثير من الناس إلى معارضة جملة من الأخبار الشرعية دعوى مخالفتها للعلم المعاصر فهي مقولة تشابه إلى حد ما مقولة لا يقبله العقل لكن الفرق أن طرف المعارضة هنا هو العلم بدلا من العقل وفي هذا المقال مناقشة دقيقة لهذا القول ولمذهب أصحابه

بقلم: عبد الله بن صالح العجيري وفهد بن صالح العجلان
2040
مفهوم الهداية | مرابط
اقتباسات وقطوف

مفهوم الهداية


مقتطف ماتع للدكتور سلطان العميري حول مفهوم الهداية والذي يفهمه كثير من المسلمون بشكل خاطئ ويحصرونه في الأمور الدينية فقط بينما يحتاج الإنسان إلى أنواع كثيرة من الهدايات في حياته يوضحها لنا ويسردها بشكل موجز

بقلم: سلطان العميري
289
حجاب الغفلة | مرابط
مقالات

حجاب الغفلة


حجاب الغفلة من أعظم جند الشيطان لإغواء بني آدم وما أحوج العبد إلى تمزيق هذا الحجاب بين الفينة والأخرى حتى لا يفجؤه الموت وهو بعيد عن الله حينها تتجلى له الحقيقة. ويعض أصابع الندم على ما قدم وأخر.إن زيارة واحدة للمقبرة ورؤية ذلك اللحد الضيق تكشف لك حقيقة الدنيا وتبين لك عوارها.. أهده نهاية الدنيا التي يتقاتل الناس من أجلها وفعلوا لأجلها الأفاعيل؟

بقلم: د. طلال بن فواز الحسان
29
من شبهات الحشوية | مرابط
مناظرات اقتباسات وقطوف

من شبهات الحشوية


وقد يحكى عن بعضهم أنه سمع كلام لا معنى له في نفس الأمر كما حكى الرازي في محصوله عمن سماهم بحشوية أنهم قالوا: يجوز أن يتكلم الله بكلام ولا يعني به شيئا.. لكن هذا القول لا أعرف به قائلا بل لم يقل هذا أحد من طوائف المسلمين.

بقلم: شيخ الإسلام ابن تيمية
111
تطبيق الشريعة بعدم تطبيق الشريعة الجزء الثاني | مرابط
فكر مقالات العالمانية

تطبيق الشريعة بعدم تطبيق الشريعة الجزء الثاني


بعدما أدرك العلمانيون أن المسار القديم في معاداة الشريعة بشكل مباشر لن يجدي نفعا ولن يحصدوا من خلاله إلا النفور والعداء الشعبي والرفض التام لكل أطروحاتهم لجأ بعضهم إلى حيل ذكية يلتفون من خلالها على أفهام الناس فيظهرون أنهم لا يعادون الشريعة الإسلامية ويستخدمون في سبيل ذلك بعض العبارات الشرعية ولكنها ترمي في النهاية إلى تحقيق نفس الهدف العلماني وفي هذا المقال سنرى نموذجا بارزا لهذه الطريقة يتمثل في محمد عابد الجابري

بقلم: فهد بن صالح العجلان
1797