بين الأصل والاستثناء

بين الأصل والاستثناء | مرابط

الكاتب: فهد بن صالح العجلان

1731 مشاهدة

تم النشر منذ سنة

تأمّلوا معي – إخوتي وأخواتي- في النماذج التالية وهي نماذج شائعة في أوساطنا الثقافية:


1- إذا دخلت الزوجة في الإسلام، وما يزال زوجها باقٍ على كفره،  فلا يجب عليها مفارقته لأن المحرّم هو ابتداء النكاح مع الكافر وليس استمراره، لأنّ سيؤدّي إلى ترك المرأة للإسلام.
2- حرية الرأي مكفولة في النظام السياسي فمن حقّ أي أحد أن يعبّر عن أي رأي مهما كان ما دام أنه لم يعتدِ فيه على أحد لأننا لا نستطيع أن نمنع الآراء،  ولو أردنا المنع فالخاسر هو الإسلاميون.
3- الحجاب ليس واجبًا على المرأة لأنّه يسبّب لها عددًا من المضايقات والاعتداءات المختلفة.

 

ستلاحظون معي وجود فجوة منهجية ظاهرة في سياقات هذه النماذج.

 

هي أن الشخص يخلط بين الحكم الشرعي في حال (الاختيار والسعة والقدرة) والحكم الشرعي في حال (الضرورة والحرج أو عدم الاستطاعة) فيتحدث عن الحكم الشرعي في حال الاختيار، ويستدل لذلك بأحوال الضرورة، فيتعامل معها على أنّها درجة واحدة بينما هما في الحقيقة درجتان متباينتان (وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم إلا ما اضطررتم إليه).
 
إنها ظاهرة الخلط بين "الأصل" و "الاستثناء"، تتشابك معها القضايا في ذهن المتحدث فيدخل في أحكام الشريعة أمورًا ويبرهن عليها ويكون دليله على ذلك النظر في حالات الضرورة، والمنهجية الصحيحة أن يقرر أولًا الحكم الشرعي الأصلي الذي يريده  الله ويريده النبي صلى الله عليه وسلم ثم يتحدث بعدها عن ما يطرأ في الواقع من حالات ضرورة أو حاجة معيّنة تعطي نوعًا من الاستثناء للحكم، لا أن تتداخل فلا يعلم القارئ هل هو أمام حكم (استثنائي خاصّ) أم حكم (شرعي دائم)؟
 
فحين يتكلم الشخص أو يؤلف عن "الحريات في الدولة الإسلامية" فيجب عليه أولًا أن يوضّح حدود الحريات في الشريعة بحسب دلائل الشريعة وأحكامها، ثم يقرر كيفية تطبيق ذلك في الواقع لا أن يكون الواقع هو الذي يفرض عليه الحكم، ويكون دوره بعدها في تتبع الشواهد والنصوص المساندة.

 

هل معنى هذا أن لا يكون للواقع أي تأثير على الحكم؟

 

لا قطعًا، فحين يجد الباحث أن هذا القول لا يمكن تطبيقه في الواقع فيجب الاجتهاد وبذل الوسع في اختيار الموقف المناسب، فيكون ثم درجتان في النظر، نظر في الحكم الشرعي ابتداءً، ونظر في حالات استثنائية طارئة للحكم.
 
إن حال من يخلط بينهما كحال من يُسأل عن حكم السجود للأصنام؟ فيقول: جائز لأن عدم سجودك سيؤدي بك إلى الهلاك! أو يقول عن شرب الخمر: إنه مباح لأن من لم يتداوَ به سيموت؟ أو يكتب: إن سرقة الماء جائزة لئلا تموت عطشًا؟ فعلى منوال هذه الأمثلة الظريفة تتّضح إشكالية دمج الأصل والاستثناء في حالة واحدة.
 
وأكثر ما تكون هذه الظاهرة حضورًا  هو في موضوعات (النظام السياسي) حيث  يقف بصرك متحيّرًا أمام بعض التقريرات الفقهية فلا تدري هل الحكم فيها متعلق ببيان الحكم الشرعي ابتداءً أم هو حالة ضرورة؟ لأن الباحث يبدأ فيها بذكر الحكم، ثم يسوق الدلائل والبراهين المتعلقة بالضرورات!
 
ومن الأمثلة الواضحة هنا: أن من ينظر في فلسفة الحريات في الإسلام سيجد أن حرية نشر الكفر والضلال لا يمكن أن تكون مكفولة في النظام السياسي وهو قول خارج عن التفكير الفقهي بتاتًا بل قد قال شيخ الإسلام ابن تيمية فيه:

 

"وإظهار الطعن في الدين لا يجوز للإمام أن يعاهدهم مع وجوده منهم. أعني مع كونهم ممكنين من فعله إذا أرادوا. وهذا مما أجمع المسلمون عليه. ولهذا بعضهم يعاقِبون على فعله بالتعزير. وأكثرهم يعاقِبون عليه بالقتل. وهو مما لا يشك فيه مسلم. ومن شك فيه فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" [1]

 

فالقول بترك أهل الذمة يطعنون في الدين يعتبر ردّة عن الإسلام في نظر شيخ الإسلام ابن تيمية، وما علم – رحمه الله- أنّ هذا القول  سيصبح في زماننا من الأقوال المعروضة كرأي فقهي يستدلّ له بنصوص الكتاب والسنة، والحجّة الثابتة هي عدم الاستطاعة! [2]

ما المشكلة في هذا؟

 

الخلط بين الأصل والضرورة

 

هب أنهم خلطوا بين "الأصل" و"الضرورة" في بيان الأحكام الشرعية فكان ماذا؟

في هذا إشكالات عدة:

الأول: تحريف المفاهيم الشرعية، فالضرورة حالة استثنائية في واقعة معينة وليست هي الحكم الشرعي ابتداء، وحين يخلط الشخص بينهما فإنه يمارس تحريفًا للشريعة فيقرر من الشريعة ما ليس منها، ويتقوّل على الله بلا علم.

الثاني: تغيير مسار الإصلاح، فبدلًا من قيام المصلح الإسلامي بمهمة تحريك الناس ودفعهم نحو سيادة الشريعة التي يصلح بها شأن دينهم ودنياهم، ينقلب الحال ليكون الدور قائمًا على محاولة تخريج الشريعة وإدراجها ضمن الواقع المتاح، فيكون الحاكم في قضايانا هو (الممكن والمتاح)  وليس (مرجعية الشريعة).

فحين تسود مفاهيم "الضرورة" و"الاستثناء" حتى تكون لدى الناس هي المفاهيم الشرعية الثابتة ويبحث لها عما يجعلها هي الأصل فإن هذه عملية انقلاب كاملة للمنهج الإسلامي.

الثالث: مخالفة فقه الضرورات، القائم على التأكد أولًا من وجود الضرورة والاستثناء، وبعدها يكون حالها على منهجية (الضرورات تقدّر بقدرها)، فتكون خاصة في المكان أو الزمان  المعين، وبالتالي فلن تعمم على جميع المجتمعات، ولن تبقى دائمًا، بل لا بدّ من إصلاح الوضع لإزالة هذا الحكم الاستثنائي.

الرابع: إضافة مفاهيم ومعانٍ جديدة إلى الشريعة، لأن الشخص يعامل الضرورات كالأحكام الثابتة فيدرج مفاهيم الضرورة لتكون جزءًا من أحكام الشريعة ومقاصدها، فيدخل في نسيج الفقه الإسلامي أحكامًا لم تكن معروفة من قبل لأنها روعيت في حالة الضرورة حتى أصبحت أصلًا، ومن آثار هذا أن أصبح بعض المفكرين الإسلاميين حين يفسّر بعض الآيات القرآنية يعرض معناها على قولين، قول المتقدمين وقول بعض المعاصرين!

فأصبح ثمّ تغيرًا وتحوّلًا في المفاهيم الشرعية،  حتى أصبحت الشريعة مفرّغة من أي  إلزام أو منع أو إكراه لا ترضى عنه الحريات المعاصرة، ولو رجعت بالقراءة قليلًا قرنًا أو قرنين فإنك ستلحظ مثل هذه التفسيرات معدومة تمامًا في أي مواقع فقهية سابقة، لأنها باختصار مفاهيم دخلت من بوابة الضرورة فصارت جزءًا من نسيج الفقه الإسلامي.

 

المتغيرات المعاصرة


هل هذا يعني أن يتمسّك الشخص بالأصل دائمًا ولا يلتفت للمتغيرات المعاصرة؟

كلا، فالمتغيرات الهائلة والنوازل المتلاحقة تتطلّب اجتهادًا وبحثًا ودراسة متتابعة، تراعي الأحوال وتضع لكلّ حالة حكمها المناسب، وإذا كان من يخلط بين الأصل والاستثناء مخطئًا لكونه سحب أحكام الضرورة حتى صارت هي الأصل، فإن من يترك واجب الاجتهاد في الوقائع المتجددة مخطئ أيضًا  لأنّه لم يحكم في القضية بحكمها الشرعي الصحيح.
 
إن الأحكام الشرعية  أمانة في عنق كل من ينطق بها، والهمّ الأول الذي يجب أن يكون نصب عينيه هو في الوصول إلى الاحكام الشرعية التي يريدها الله،  وأن يجتهد غاية الاجتهاد في تحديد حكم الشريعة  ليعرف كيف يجيب الله عنها يوم لقاه، وكلّ صعوبات الواقع وإحباطاته وإحراجات المخالفين وضغوط القوى المختلفة وكافة هذه الإشكالات لا يجوز أن تكون سببًا للتهاون أو التخفّف من المعايير العلمية والمنهجية لتحرير الأحكام الشرعية، فالواجب بيان الحكم الشرعي تحديدًا، وأما مجريات الواقع وتوقّعاته فهي بيد الله يقلّبها كيف يشاء.

 


 

الإشارات المرجعية:

  1. الصارم المسلول 220
  2. ذهب جمع من المعاصرين إلى أن الحرية في النظام السياسي الإسلامي تتّسع لكافة الآراء مهما كانت مصادمة للشريعة أو قادحة فيها، انظر على سبيل المثال:  الحريات العامة في الدولة الإسلامية للدكتور راشد الغنوشي 1/78

 

المصدر:

  1. فهد بن صالح العجلان، معركة النص المجموعة الأولى، ص95

 

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#معركة-النص #الأصل-الاستثناء
اقرأ أيضا
من علوم اللغة: النحو | مرابط
تفريغات لسانيات

من علوم اللغة: النحو


الشافعي رحمه الله لم يشتغل بدراسة العلم حتى جلس في قبيلة هذيل وحتى حفظ عشرين ألفا من أشعارهم ونحو هذا كثير جدا في حال سلفنا فمن لم يكن ذا سلاح من علم النحو لا يمكن أن يفهم ولا أن يفتي في كثير من المسائل

بقلم: محمد الحسن الشنقيطي
94
تفسير سورة العصر 1 | مرابط
تفريغات

تفسير سورة العصر 1


سورة العصر سورة عظيمة فيها من النصح وفيها من التوجيه وفيها من بيان الأحكام وفيها من دلالة الإنسان وإيقاظ عقله وقلبه وتنبيهه أيضا إلى رشده ما يستيقظ منه الغافل لو تدبر وتأمل هذه السورة التي يقول فيه الإمام الشافعي رحمه الله: لو ما أنزل على أمة محمد إلا هذه السورة لكفتهم يعني: سورة العصر وهذه السورة فيها من المعاني العظيمة التي يتوقف الإنسان عندها حائرا مما تضمنته مع قصرها فهي من قصار سور القرآن ولكنها عظيمة المعاني

بقلم: عبد العزيز الطريفي
178
شهادة أهل العصبية | مرابط
اقتباسات وقطوف

شهادة أهل العصبية


الناس كلهم عباد الله تعالى لا يخرج أحد منهم من عبوديته وأحقهم بالمحبة أطوعهم له وأحقهم من أهل طاعته بالفضيلة أنفعهم لجماعة المسلمين من إمام عدل أو عالم مجتهد أو معين لعامتهم وخاصتهم وذلك أن طاعة هؤلاء طاعة عامة كثيرة فكثير الطاعة خير من قليلها وقد جمع الله تعالى الناس بالإسلام ونسبهم إليه فهو أشرف أنسابهم.

بقلم: الإمام الشافعي
82
يوسف زيدان.. سارق لا يفقه ما يسرق! | مرابط
مناقشات

يوسف زيدان.. سارق لا يفقه ما يسرق!


نشر يوسف زيدان منذ سنة على إحدى القنوات الفضائية حلقة من أحد برامجه أثارت ضجة إذ زعم أن قصة أصحاب الفيل لا علاقة لها بمكة.. محاولا إيهام المشاهدين أن دعواه كشف من كشوفه الفريدة وما أكثرها!.. وقد تلبس هنا بالسرقة والكذب.. وقد رددت على دعواه في كتاب شبهات تاريخية حول القرآن الكريم الصادر حديثا.. وإليكم نصه

بقلم: د. سامي عامري
39
هل تعلم النبي القرآن من بحيرا وورقة بن نوفل | مرابط
أباطيل وشبهات مقالات تعزيز اليقين

هل تعلم النبي القرآن من بحيرا وورقة بن نوفل


من أبرز الأباطيل والشبهات التي أثارها أعداء الدين قديما وحديثا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تعلم هذا القرآن من بحيرا الراهب وورقة بن نوفل وأخذ عنهما هذا العلم وبثه بين العرب أي أن القرآن ليس وحيا من عند الله وإنما يندرج تحت علم أهل الكتاب والرد على هذا الزعم بسيط وميسور جدا فما حفظه التاريخ وما وصلنا من أخبار ومن قرائن الأحوال يثبت عكس ذلك وهو ما يوضحه الكاتب منقذ السقار في هذا المقال

بقلم: د منقذ محمود السقار
4326
المذاهب والفرق المعاصرة: العلمانية ج3 | مرابط
تفريغات العالمانية

المذاهب والفرق المعاصرة: العلمانية ج3


ومن الأهداف التي حققها الاستعمار القضاء على التعليم الإسلامي وإيجاد معاهد بديلة عنه تدرس الفكر الأوروبي والفكر العلماني الجديد الذي صار في أوروبا وقصة هذا الموضوع أيضا طويلة لقد وضعوا خططا لذلك مثل: خطة دلوب مثلا في مصر وغيرها وأتوا بجامعات مثل: الجامعة الأمريكية في لبنان وغيرها وأرادوا تربية أكبر عدد من أجيال المسلمين على هذه المبادئ وعلى هذه الأفكار الباطلة

بقلم: عبد الرحيم السلمي
314