القياس الفاسد لشرعنة الاختلاط

القياس الفاسد لشرعنة الاختلاط | مرابط

الكاتب: إبراهيم السكران

41 مشاهدة

تم النشر منذ شهر

هؤلاء الكتبة رأوا النبي -صلى الله عليه وسلم- أذن في اختلاط الرجال والنساء في المطاف والطريق ولم ينكر ذلك، وهو اختلاط في زمن يسير عارض، فجاء هؤلاء وقاسوا على ذلك مشروعية الاختلاط في التعليم والعمل، وهو اختلاط مكث في زمن يطول، وأهدروا اعتبار الفارق بين الزمن اليسير والزمن الكثير بين الاختلاطين.

حسنًا.. إلى أين سيقودنا هذا القياس؟ وما هي النتائج المترتبة على هذا القياس لو أخذنا به؟ أو بلغة "أصولية" ما هي لوازم هذا القياس لو طردناه؟

نماذج عملية للقياس الفاسد

الحقيقة أنه لا يمكن أن نستكشف علمية هذا القياس إلا بتطبيقه على مسائل مماثلة، إذن لنحاول أن نستعمل هذا القياس الذي استعملوه ونطبقه على مسائل شرعية أخرى لنتبين الدقة الأصولية في قياس الاختلاطيين.

قياس الرؤية الشرعية

من المعلوم أن الشارع أباح النظر اليسير إلى المخطوبة والجلوس معها زمنًا يسيرًا بلا خلوة، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- للمغيرة بن شعبة (انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) [الترمذي 1987]، وبناء على قياس الاختلاطيين فإنه ما دام الجلوس معها زمنًا يسيرًا جائز، فلا مانع من أن يجلس معها أيامًا وليالي، وينامون في غرفة واحدة بلا خلوة قياسًا على ما سبق، لأنه لا فرق عند الاختلاطيين بين الزمن اليسير والكثير في الأحكام.

فمن قاس اختلاط المكث على الاختلاط العارض؛ فهو كمن قاس النوم مع المخطوبة بلا خلوة على الجلوس اليسير مع المخطوبة بلا خلوة!

قياس الحجاب في الصلاة

خذ مثالًا آخر، فمن المعلوم أن المرأة تحتجب في الصلاة، فإذا انكشف منها شيء في زمن يسير ثم سترته فإنها لا تبطل صلاتها للعفو عن الزمن اليسير [المغني لابن قدامة 1/350]، فبناءً على قياس الاختلاطيين فإنه ما دام يجوز لها انكشاف عورتها في الصلاة بزمن يسير فلا مانع إذن أن تنكشف طوال الصلاة قياسًا على ذلك، لأنه لا فرق بين الزمن اليسير والكثير في الأحكام عند الاختلاطيين!

وهذا ليس خاصًا بأحكام المرأة، بل في كل أبواب فقه الشريعة تجد الشارع إذا رخص في الزمن اليسير لم يسامح في الزمن الكثير، ولم يجز قياسُه عليه، ولنضرب على ذلك أمثلة ونظائر أخرى من أبواب متفرقة من فقه الشريعة ليستيقن الباحث بمضمون هذا الأصل الشرعي:

قياس مكث الجنب في المسجد

فمثلًا، الله تعالى أجاز للجنب اللبث زمنًا يسيرًا في المسجد كما قال تعالى (وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء:43]، فأجازه على وجه عبور السبيل لأنه زمن يسير، فبناءً على قياس الاختلاطيين فإنه ما دام لبث الجنب زمنًا يسيرًا في المسجد يجوز، فكذلك يجوز أن يعتكف هذا الجنب ليلةً في المسجد -أيضًا- قياسًا على ما أجازته الآية من اللبث زمنًا يسيرًا، فهل هذا قياس مقبول؟!

فمن قاس اختلاط المكث على الاختلاط العارض؛ فهو كمن قاس اعتكاف الجنب على لبث الجنب في المسجد، فكلاهما مهدرٌ اعتبار تفريق الشارع بين الزمن اليسير والكثير في الأحكام.

قياس الغفوة

وكذلك -أيضًا- جعل الشارع الغفوة اليسيرة لا تنقض الوضوء لحديث أنس (كان أصحاب رسول الله ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رءوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون) [مسلم 859] لأنه زمن يسير، فهل نقول إن النوم زمنًا طويلًا لا ينقض الوضوء -أيضًاً- قياسًا عليه، ونهدر اعتبار الفارق الشرعي بين الزمن اليسير والكثير في الأحكام؟!

قياس الموالاة

وكذلك -أيضًا- مسائل (الموالاة الزمنية) في الأحكام، مثل (الموالاة في غسل أعضاء الوضوء، والموالاة بين كلمات الأذان، والموالاة بين أشواط الطواف، الخ) وهي كثيرة منبثة في أبواب الفقه، فالفقهاء عامةً يعتبرون الانقطاع زمنًا يسيرًا لا يقدح في الموالاة.

فبناءً على قياس الاختلاطيين فإنه إذا جاز أن تنقطع الموالاة -مثلًا- في غسل أعضاء الوضوء بزمن يسير فلا مانع إذن أن تنقطع بزمن طويل، فيتمضمض المتوضئ اليوم ويستنشق الأسبوع القادم ويعتبر وضوءًا واحدًا! لأنه لااعتبار عندهم في الفرق بين الزمن اليسير والكثير.

وكذلك -أيضًا- جواز خروج المعتكف للجنازة لأنه زمن يسير بخلاف الزمن الطويل [المجموع للنووي، 6/536]
وكذلك -أيضًا- نقص الحول ساعة أو ساعتين لا يمنع الزكاة لأنه زمن يسير، بخلاف الزمن الطويل. [المغني، 2/317]

قياس الزمن الكثير على الزمن اليسير

حسنًا .. الأمثلة كثيرة، لكن تبين من الصور السابقة موضع الإشكال الأصولي في كلام هؤلاء الاختلاطيين. فالانحراف الأصولي عندهم أنهم قاسو "الزمن الكثير على الزمن اليسير"، فصار مؤدى كلامهم أن طول الزمن وقصره لا أثر له على الأحكام، فلم يفهموا اعتبار الزمن في فقه الفروع، وتوهموا أن الحكم الشرعي إذا ثبت للزمن اليسير ثبت للزمن الطويل، ولذلك جاؤوا بهذا القياس الفاسد الاعتبار، وصار مقتضى قياسهم الفاسد أن كل ماعفت الشريعة فيه عن اليسير يعفى فيه عن الكثير!

وقد نبه الفقهاء الكبار رحمهم الله في مسائل (اليسير والكثير) على عدم جواز قياس الكثير على ثبوت الرخصة في اليسير كما يقول ابن قدامة مثلًا (ولا يصح قياس الكثير على اليسير)[المغني 1/393]
كما بين رحمه الله أثر كثرة اليسير على الحكم في مسألة مماثلة فقال (الأفعال المعفو عن يسيرها إذا كثرت أبطلت) [المغني 1/399]

وترخيص الشارع في الزمن اليسير ليس مختصًا بمسألة (الاختلاط بين الجنسين)، بل له نظائر شرعية كثيرة كما سبق، ومن ذلك -أيضًا- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما نهى عن (تأخير الوصية ليلة أو ليلتين) قال العلامة العراقي (فيه الإشارة إلى اغتفار الزمن اليسير) [طرح التثريب، 6/191].

والمراد من هذه النماذج السابقة كلها توضيح الخلل في قياس الاختلاطيين، وأنهم لما رأو النبي ترك الناس في الطواف والطريق يختلطون لأنه زمان يسير عابر ظنوا أنه يجوز إذن أن يجلسوا مع بعضهم مختلطين في مكتب واحد أو مقاعد دراسية واحدة طوال النهار ولمدة سنوات مع شدة الإفضاء إلى الفتنة! فهل يقول هذا رجل شم بأنفه كتب فقه الشريعة أو جالس أهل العلم الربانيين؟!

فثبوت الرخصة في شيء يسير لا يجوز أن يقاس عليه الشيء الكثير، كما نبه ابن قدامة في موضع مماثل فقال: (الغرر اليسير إذا احتمل في العقد, لا يلزم منه احتمال الكثير) [المغني 4/156]

ومن المهم ها هنا التنبيه إلى أن (الزمن) طولًا وقصرًا ليس هو العلة التامة في الاختلاط، بل هو قرينة من القرائن والأوصاف المؤثرة، وإنما المناط التام في الاختلاط وهو المناط الذي لا ينخرم فهو (قوة الإفضاء إلى الفتنة) وليس الزمن إلا وصف أغلبي من الأوصاف المؤثرة في قوة الإفضاء إلى الفتنة، فكلما اشتد إفضاء الاختلاط إلى الفتنة حرم، وكلما ضعف إفضاء الاختلاط إلى الفتنة شرع. ومن تدبر فتاوى العلماء الربانيين من السلف ومن بعدهم رأى أنها كلها تدور حول شدة الإفضاء إلى الفتنة، ومن ذلك فتوى عائشة رضي الله عنها حين قالت: (لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن) [البخاري، 869].

فعائشة ها هنا تتحدث عن أمر كان مشروعًا، لكنها لما رأت أن الفتنة اشتدت، أشارت إلى أن ذلك يؤول إلى التحريم، وأن هذا هو الذي فقهته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#الاختلاط
اقرأ أيضا
العبر من الحروب الصليبية الجزء الأول | مرابط
تفريغات

العبر من الحروب الصليبية الجزء الأول


عندما نختار أن نأخذ مرحلة الحروب الصليبية بالذات فإن ذلك له دلالته الخاصة من جهة أنها تحكي أو تشابه الواقع الذي نعيشه الآن والمرحلة التي تحياها هذه الأمة في ظل هذه الهجمة الخبيثة الماكرة التي يستجمع الغرب فيها قواه مرة أخرى فما أشبه الليلة بالبارحة إن المؤرخين يقولون: التاريخ يعيد نفسه ونحن نقول: سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا هذه هي سنة الله تعالى في الأمم وبالذات في الأمة الإسلامية كل حياتها كر وفر وكل مواقفها إقبال وإدبار

بقلم: سفر الحوالي
257
الإطراق الأخير | مرابط
فكر مقالات

الإطراق الأخير


إنسان هذا العصر منهمك في دوامة الحياة اليوميةأصبح الواحد منا كأنه ترس في دالوب المهام والتفاصيل الصغيرة التي تستلمك منذ أن تستيقظ صباحا حتى تلقيك منهكا فوق سريرك في أواخر المساء دوام مضني ورسالة جوال ورسالة إيميل وتعليق فيسبوكي وخبر تويتري ومقطع يوتيوبي وتنقل بين الفضائيات وصراخ منبهات في طرق مكتظة وأعمال مؤجلة كلما تذكرتها قرصك الهم الخ الخ

بقلم: إبراهيم السكران
288
الإلحاد وسؤال الإرادة الحرة | مرابط
فكر مقالات الإلحاد

الإلحاد وسؤال الإرادة الحرة


من الملاحظات التي يمكن رصدها في كثير من الكتابات الإلحادية الحديثة أنها تتبنى رؤية جبرية مغالية في تفسير وقوع الأفعال الإنسانية ففكرة الإرادة الحرة وهم والإنسان في حقيقته مجبور على أفعاله وإن أحس أنه مختار لها أو كما عبر بعض الجبرية في الكتابة التراثية: الإنسان مجبور في صورة مختار

بقلم: عبد الله بن صالح العجيري
2129
البيئة الحاضنة للانحراف | مرابط
فكر

البيئة الحاضنة للانحراف


هل يظن أحد أنه في مأمن عن الانحراف بعد أن يقرأ هذا الخبر؟ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء ب يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ولما سئل عن سبب ذلك قال: إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ

بقلم: فهد بن صالح العجلان
32
أخبار الأنبياء والرسل | مرابط
اقتباسات وقطوف

أخبار الأنبياء والرسل


تعليق لشيخ الإسلام ابن تيمية على تواتر أخبار الرسل التي وصلتنا من طرق مختلفة فجميع أهل الأرض الآن يعلمون أنه كان هناك رسل وهؤلاء الرسل كان لهم أتباع ومخالفون وأن الله في النهاية نصر الفريق الأولى من اتبعوا الرسل وأخزى الفريق الآخر ونقل هذه الأخبار يؤسس معرفية يقينية حتمية

بقلم: شيخ الإسلام ابن تيمية
1809
هم يسمحون لنا فلنسمح لهم | مرابط
أباطيل وشبهات مقالات

هم يسمحون لنا فلنسمح لهم


هم يسمحون لنا ببناء المساجد فلماذا لا نسمح لهم ببناء الكنائس وهم يسمحون للمسلمين بالدعوة إلى الإسلام فلماذا لا يسمح لهم بمثل ذلك وهم يهنئوننا بأعيادنا الدينية فلماذا لا نقابلهم بالمثل ومقولات أخرى تكرر ذات المعنى: كما أن غير المسلمين يفعلون معنا شيئا معينا فلماذا لا نقابلهم بالمثل فنفعل لهم الشيء نفسه في هذا المقال رد على هذه التساؤلات

بقلم: عبد الله بن صالح العجيري وفهد بن صالح العجلان
1560