لقد فقهت الإلحاد ولم تفقه الدين

لقد فقهت الإلحاد ولم تفقه الدين | مرابط

الكاتب: أبو جعفر عبد الله الخليفي

31 مشاهدة

تم النشر منذ شهر

لقد فقِهَت الإلحاد ولم تفقه الدين (خلاصة قصة الفتاة العمانية الملحدة التي انتحرت)

رأيت رسالة الفتاة العمانية الملحدة التي انتحرت، ويمكنني أن أحكي لكم قصتها من البداية مع أنني لا أعرفها، ولكنني رأيت لها نظراء كثر وصرت خبيرًا بالقوم.

يبدأ الأمر من خلال اعتقاد أن هذه الدنيا دار ثواب وعقاب، بمعنى أنه يمكن أن تستحيل هذه الدنيا جنة (الفردوس الأرضي)، هذا يأتي من روايات أو حتى من مشاريع سياسية أو اقتصادية أو حقوقية تبشِّر بالفردوس المنشود.

يسيطر على العقل خيال تلك الحياة الوردية التي لا شر فيها، ولا حتى مجال للشر، أو الشر فيها مغلوب دومًا، الإنسان بحد ذاته مقدس وطاهر ولكن جنت عليه منظومات أفسدت طهره (ولا أدري من أين جاءت هذه المنظومات إن لم يكن الإنسان نفسه من أوجدها مع إعانة ووسوسة الشياطين).

وربما تطوَّر الأمر في الأنثى الحالمة حتى ترغب بحياة فيها غنم لا غرم فيه، توجد أسرة تعطي الدفء والحنان ولكن لا تُقيِّد تصرفاتها بأي شيء، يوجد رجل شهم وكريم ومحب ومعطاء، ولكنه لا يغار -إلا بالقدر المرغوب به من الأنثى-، ولا يغضب ولا يأمر ولا ينهى، يعطي كل شيء ولا يسأل شيئًا، أو يعطي الكثير ويسأل القليل، وينذر حياته ووقته وطاقاته لما ترغب فيه، ينظر لكل شيء يأتي منها بعين الإجلال والإكبار، وينظر لكل شيء يُقدِّمه إليها بعين الاستصغار ويسعى لأن يهب المزيد!

تسيطر هذه الأحلام على العقل (أو أحلام أقل جموحًا ولكن لا زالت في حيِّز الوهم)، فنبدأ البحث عن مصداق هذه الأحلام في الوحي، لأنه من الله والله كامل، ونحن نرغب بهذا الكمال أن يخيم علينا ويمنحنا ما نرغب به من السعادة.

ولكن حين نتفاجأ أن الدين لا يعضد تلك الصورة الحالمة، بل يقول لنا: الدنيا دار اختبار، والغنم بالغرم، هذا هو العدل، ولا يَزال في هذه الدنيا الشر، وواجبٌ علينا مقاومته وتقليله، وهناك يوم قيامة فيه الجزاء الأوفى. هنا نرى الدينَ عبئًا ثقيلًا.

فنبدأ التحامل عليه، ونبحث عن أي شبهة تُسقِطه من عليائه وتُقنِعنا أنه خرافة، لأنه القيد الذي يمنعنا من الانطلاق في أحلامنا. هذا ليس كفرًا بالإله بقدر ما هو غضب من الإله.

نُقنع أنفسنا أن هذا الفردوس المنشود موجود في الغرب، أو في أي مكان، المهم أنه موجود.

ونعطي الدين فرصة أخيرة ليُصلح نفسه وتصير أحكامه موافقة لأحلامنا الجامحة، خصوصًا وأن في الدين منافع كبيرة ودعمًا للأخلاق لا يمكننا الاستغناء عنها بسهولة في مشروعنا الموعود.

ولكن تبوء المحاولات بالفشل، فكلما لان خطاب الدعاة وقدَّموا لنا ما نريد؛ اكتشفنا أننا بحاجة إلى المزيد حتى نصل للحلم، وبعد محاولات عديدة يأتي قرار الإلحاد!

تبدو الأيام الأولى للإلحاد وكأنَّ المرء على أجنحة الحلم، لقد تحرر من الدين الذي كان يُقيِّده، الدين الذي كان يظنه وسيلة لتحقيق الحلم المنشود وظهر أنه قيد، ولكن بعد مدة نكتشف أن الإلحاد ما قدَّم لنا أي شيء في سبيل بلوغ الحلم (وفِي العادة يلقون اللائمة على المجتمع والطبيعة وكل شيء إذ لم يحققوا ما يريدون وليس فقط الدين).

بل الإلحاد يعني أننا جئنا بلا شيء ونسير بلا غاية وننتهي إلى لا شيء، وفي ظل هذه المنظومة نحن عدمٌ محض، مجرد أعراض تأتي وتزول ثم لا تعود، لا فرق بين أي إنسان أو حشرة، نحن مجرد تفاعلات كيميائية محكومة بقوانين، ولا مناص ولا مهرب من حكم هذه القوانين.

هنا يأكلهم الصراع الداخلي، لقد كفروا بالجنة الأخروية وعجزوا عن تحقيق الجنة الدنيوية؛ فعاشوا جحيمًا كاملًا، لهذا كتبَت: "أنا لست ذاهبة إلى الجحيم، أنا خارجة منه"، ظنَّت في البداية أن هذه الدنيا يمكن أن تكون فردوسًا، فما زال بها هذا الظن حتى عاشت الجحيم!

الحيلة الإبليسية القديمة تتكرر، أغرى الأبوين بالأكل من الشجرة لداعي الخلود فكان ذلك سببًا في هبوطهما من الجنة، ولا زال يغري الأبناء بجنة وهمية حتى يعيشوا الجحيم دنيا وآخرة!

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#الإلحاد
اقرأ أيضا
دعوات غربية متفرقة للعودة إلى الفطرة | مرابط
فكر تفريغات المرأة

دعوات غربية متفرقة للعودة إلى الفطرة


إن دعاة الحضارة والمدنية اليوم متأخرون جدا فأوروبا التي يزعمون أنها أم الحضارة والرقي تصرخ اليوم فالمرأة هناك التي يسمونها متحضرة تبكي صارخة مولولة لأنها فقدت سعادتها وأمومتها وبيتها وهذا الكلام نقل في الصحف والمجلات من مصادر علمية موثقة

بقلم: عمر الأشقر
152
بين الشعائر والطقوس! | مرابط
فكر

بين الشعائر والطقوس!


من أكثر الدول رعاية للطقوس والمراسم الدقيقة بريطانيا..ومن شاهد مراسم وفاة ملكتهم مؤخرا لاحظ بذلك بقوة.. هنا..لن تسمع اعتراضات المنهزمين نفسيا أمام الغرب والعلمانيين..لن تسمع عبارات: لماذا الاهتمام بالقشور وهذه الحركات الرمزية؟! بل على العكس..سترى منهم إعجابا وتسبيحا بعراقتهم واهتمامهم بثقافتهم وتقاليدهم!

بقلم: الدكتور أيمن خليل البلوي
53
من العاقل؟ | مرابط
تفريغات ثقافة

من العاقل؟


فالعاقل هو من يأخذ من دنياه لآخرته من يأخذ من صحته لمرضه من يأخذ من فراغه لشغله من يأخذ من غناه لفقره وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم لهذا وهكذا كان السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم فهذا العمر أمانة وهو نصيبك من الدنيا

بقلم: سفر الحوالي
94
نظرة الإسلام للثقة بالنفس | مرابط
فكر

نظرة الإسلام للثقة بالنفس


يقول بعض المنتسبين إلى العلم يقول: إن لفظ الثقة بالنفس لا يجوز وعللوا ذلك بأن على المرء أن يثق بالله في كل شؤونه لا بنفسه لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الدعاء: ولا تكلني لنفسي طرفة عين ويتناول علم النفس وبعض المختصين فيه من المسلمين هذا اللفظ الثقة بالنفس على أنه ضرورة ملحة لكل مسلم فما حقيقة هذا القول

بقلم: عبد الرحمن بن ناصر البراك
151
باطل مشرق | مرابط
فكر مقالات

باطل مشرق


وهذه الرقعة المتراحبة من حدود الصين إلى المغرب الأقصى والتي تسكنها أمم ورثت اسم الإسلام فنسبت إليه ووصفت به تعيش اليوم في بريق متلالئ من هذا الباطل المشرق فمنذ أكثر من مائتي سنة ضربها الغازي الصليبي المستعمر ضربة رابية حتى خرت عاجزة ثم ظل يضربها حتى همدت أو كادت وفي خلال ذلك كان الغازي يستحييها بحياة غريبة عنها حتى يأتي يوم تتبدل فيه من حياة كانت إلى حياة سوف تكون وكذلك يقضي قضاء ساحقا على أسباب الحياة الأولى الحياة التي كانت تعرف بالحياة الإسلامية

بقلم: محمود شاكر
1331
العلمانية هي الحل | مرابط
فكر مقالات العالمانية

العلمانية هي الحل


العلمانية هي الحل تظهر هذه العبارة حينا وتخفت في حين آخر بحسب حالة النفور المجتمعية من العلمانية فإذا ارتفعت حدة النفور في مجتمع معين لانتشار الوعي بحقيقة الفكرة العلمانية وما فيها من رفض للدين وعداء له انسحبت هذه العبارة من المشهد وضعف تداولها فإذا خفت حدة النفور المجتمعي طفت هذه المقولة إلى السطح

بقلم: عبد الله بن صالح العجيري وفهد بن صالح العجلان
443