الاستفادة بمنتجات الغرب.. والمسلم ناكر الجميل

الاستفادة بمنتجات الغرب.. والمسلم ناكر الجميل | مرابط

الكاتب: محمود خطاب

64 مشاهدة

تم النشر منذ شهر

من أبرز الإشكاليات التي يرددها المغرّبون: كيف تنتقد الغرب وأنت تستفيد من إنتاجاته العلمية والتكنولوجية؟ انظر إلى الهاتف في يدك الذي يمكّنك من التواصل مع الآخرين، والإنترنت الذي لا يمكنك الاستغناء عنه، انظر إلى جهاز الكمبيوتر الخاص بك، انظر إلى السيارات التي تقلّك من مكان لآخر، والطائرات التي تنقلك من بلد إلى بلد، إلخ؛ كلها صناعات غربية! فكيف تستفيد بكل هذا ثم تأتي وتنتقد الغرب؟ يا لك من ناكر للجميل! تأخذ من خيرهم وتنتقدهم؟

والحقيقة أن هذه الإشكالية لا تقف على ساق واحدة عرجاء فضلًا عن أن تقف على ساقين سليمتين؛ وذلك لما تنطوي عليه من تناقضات واضحة، ولما يغفله مروّجها من حقائق وبدائه تاريخية، ويمكننا تقسيم ذلك إلى عناصر محددة لمناقشتها:

  • الخلط بين الإنتاجات المادية والجانب الثقافي الذي تتمايز به كل أمة عن أخرى.
  • إغفال استفادة الرسول والصحابة من الحضارات المحيطة بهم، وهو ما يعني أن الفعل في حد ذاته لا إشكال فيه.
  • إغفال استفادة الغرب من البلاد المحيطة به أيضًا بطرق مختلفة.

المحرك الأساسي: مركب النقص

لا بد أن نقف أولًا عند المحرك الحقيقي لهذه الشبهة أو الإشكالية. 
جدير بالذكر أن كل شبهة يقف خلفها محرّك خفيّ، يكون هو الباعث على اعتناقها أو ترويجها.. وهذه الإشكالية التي نناقشها يقف خلفها محرك واضح: ألا وهو الانهزام الثقافي أمام الغرب المتفوق ماديًا وعلميًا وتكنولوجيًا واقتصاديًا.. وكيف جاء هذا الانهزام الثقافي؟

الإجابة تحتاج إلى بعض التفصيل، ولكن يمكننا أن نستعيد التحليل البديع لابن خلدون، عندما قال: والمغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب؛ في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، والسبب في ذلك أن النفس أبدًا تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه(1).

فقد حمل هذا المغلوب صفات الكمال كلها وأضفاها على الغالب فصار يعتقد الكمال في ثقافته وأفكاره، بجانب ولعه بتقليده والحذو حذوه في كل شيء.. وطبعًا الغالب هنا هو الغرب الذي استطاع أن يحقق تفوقًا ساحقًا في جوانب كثيرة = وبالتالي أصبح لسان حال الطرف المغلوب: لا يمكن لهذه الحضارة المتقدمة إلا أن تنبثق عن ثقافة وفكر صحيح، لا يشوبه أي ضعف، واستطاع الغرب أن يرسخ هذه الفكرة وأن يحقق سيطرة تامة في عالم الثقافة .. وما الدليل على صحة هذا الافتراض؟

= الدليل على ذلك أن منتجات الصين واليابان تغمر حياتنا في البلاد العربية، ومع ذلك لن تجد من يقول لك: لا تنتقد الديانات الوثنية المنتشرة في هذه البلاد، مثل الكونفوشيوسية أو الطاوية أو البوذية، لن تجد من يقول لك لا تنتقد ثقافة الصين واليابان لأنك تستفيد من منتجاتهم! لن تجد من يعيب عليك انتقاد عبادة البقر أو عبادة النار بزعم الاستفادة منهم في حياتنا، لن تجد من يحرّم عليك أكل لحم البقر احتراما لثقافة الهند التي تستفيد منها ببعض التوابل أو المنسوجات أو الأجهزة في بيتك! .. لماذا؟

لأن الثقافة الغربية هي المهيمنة تبعا لهيمنة الغرب نفسه، على عكس الهند مثلا! إذن هذه الفكرة لا يتسق معها صاحبها ولا يلزمها في كل شيء! وهي ليست مسألة تفتق عنها ذهن هذا المسلم المغرّب! يعني هو لم يفحص كل الثقافات ثم رأى أن هذه هي الأجدر والأصلح والأنفع وأنها توافق العقل والفطرة مثلا، بل إن الأمر كله يعود إلى أنه وجد نفسه في زمان تفوق الثقافة الغربية فقط لا غير! ولو ولد في وقت تفوق أي ثقافة أخرى سيدافع عنها ويحمل نفس الحجج ونفس الإشكالات! وهذا يثبت أن هناك محرك آخر غير فكرة الاستفادة نفسها.

والواضح أن هذه سنة كونية متكررة، كما عبر ابن خلدون في النقل السابق، فهناك حالات مشابهة في عصر تفوق الحضارة الإسلامية وصعودها = كان يمكنك أن تجد الكثير من نماذج أهل الكتاب المنبهرين بتفوق الحضارة الإسلامية وتقدمها في ميادين مختلفة، فيكون لسان حالهم: لا يمكن أن يؤمن أهل هذه الحضارة بنبي كاذب! لا بد أن هذه الحضارة تنبثق عن عقيدة صحيحة! ولهذا تجد من علماء المسلمين من يناظر أهل الكتاب، فيعترفون بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنهم يحافظون على معتقدهم بالقول أن محمدًا بعث للعرب فقط! إذن نحن نتحدث هنا عن سنة كونية أن المغلوب مولع دائما بالاقتداء بالغالب والانبهار به ويضفي عليه صفات الكمال في كل شيء.. وهذه النقطة يفصلها الشيخ عبد الله العجيري:

ولكن ماذا لو حدث العكس؟ هذا ينقلنا إلى حالة مشابهة عاشها الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم، حيث قد عايشوا هذه الفوارق الشاسعة بين مجتمعهم البسيط وبين الحضارات المجاورة التي حققت تفوقًا فائقًا في الجوانب العلمية والتكنولوجية مقارنة بمجتمع الرسول، صلى الله عليه وسلم

“فالنبي بعث إلى الناس وفي عصره أربع إمبراطوريات اقتسمت العالم؛ الرومانية والفارسية والهندية والصينية، فالأولى امتدت لأوروبا، والثانية حاضرة في الشرق الأدنى، والأخريان شبه معزولتين، وكانت معاهد العلوم فيها شامخة، بل إن العلوم المدنية قبيل مبعثه بلغت شأوًا عاليا في قدائق المعقولات..، ومع ذلك كله؛ فإن الله سبحانه وتعالى لما بعث نبيه صلى الله عليه وسلم في جزيرة العرب لم يبعثه ليقول للناس: يا معشر العرب! أنتم تعانون من التخلف المدني، ويجب عليكم أن تتجاوزوا جفوة عروبتكم وتتعلموا من الأمم المتقدمة!..، بل إن الله أخبر نبيه عن القيمة المنحطة في ميزان الله لكل تلك المدنيات التي عاصرت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ووصفها القرآن بالضلال بكل ما تضمنته قوتهم وعلومهم وفنونهم ومدنيتهم” (2)

= إذن لم يحملهم هذا التفوق على إضفاء صفات الكمال على الحضارات المتقدمة، لم يدفعهم إلى الذوبان الكامل في ثقافة الآخر، لم يحملهم على عدم انتقاد هذا الغالب لأنهم استفادوا منه ماديا وعلميا.. لِمَ؟

الإجابة تجدها في الفيديو السابق للشيخ العجيري، بجانب ما ذكره مالك بن نبي رحمه الله: 
لماذا استطاع ذلك أولئك الأعراب الفقراء في عهد محمد صلى الله عليه وسلم؟ لماذا قام أولئك الأعراب الفقراء الأميون بإنقاذ الأمة الإنسانية وشعروا أنهم جاؤوا من أجل إنقاذها؟ فقد كانوا يعلنون هذا في أقوالهم ومخاطباتهم للآخرين، سواء من أهل الفرس أو من أهل روما، كانوا يقولون لهم: لقد أتينا لننقذكم، إنهم لم يشعروا بمركب النقص، فلماذا لم يشعروا بمركب النقص؟، لأن الإمكانيات الحضارية المتكدسة أمامهم في فارس أو في بيزنطة أو في روما لم تفرض عليهم النقص، وبعبارة أخرى لم تبهرهم (3)

الثقافة والإنتاجات المادية

ثم.. من التناقضات الواضحة التي تنطوي عليها هذه الشبهة: الخلط بين الاستفادة في جانب العلوم أو الإنتاجات المادية وبين عالم الفكر والثقافة الذي تتمايز به الأمم عن بعضها، فمعروف أن العلم مشاع بين الناس جميعًا يستفيدون منه، ولا يوجد عالِم يبدأ من الصفر، دائمًا هناك دراسات وأبحاث سابقة تقدم عونًا لمن يريد البدء فيستفيد ممن سبقوه، وهذا حادث في الغرب والشرق وكل مكان، وإليك هذا المقطع البديع لمحمود شاكر يفصل فيه هذه الإشكالية:

"فباطلٌ كلَّ البطلان أن يكون في هذه الدنيا، على ما هي عليه، «ثقافة» يمكن أن تكون «ثقافة عالمية»، أي ثقافةٌ واحدةٌ يشترك فيها البشر جميعا، ويمتزجون على اختلاف لغاتهم ومِلَلهم ونِحَلهم وأجناسهم وأوطانهم. فهذا تَدلِيسٌ كبيرٌ، وإنما يُراد بشيوع هذه المقولة بين الناس والأمم؛ هدفٌ آخرُ يتعلّق بفرض سيطرة أمّةٍ غالبة على أمم مغلوبة، لتبقى تبعًا لها. فالثقافات متعددة بتعدد «المِلل»، ومتميزة بتميُّز «الملل»، ولكل ثقافة أسلوب في التفكير والنظر والاستدلال مُنتَّزَعٌ من «الدين» الذي تدين به لا محالة.

فالثقافات المتباينة تتحاور، وتتناظر، وتتناقش؛ ولكن لا تتداخل تداخلًا يُفضـي إلى الامتزاج البتَّةَ، ولا يأخذ بعضها عن بعض شيئًا، إلا بعد عرضِهِ على أسلوبها في التفكير والنظر والاستدلال، فإن استجاب للأسلوب أخذَتْهُ وعَدَّلَتْهُ وخلَّصَتْهُ من الشوائب، وإن استعصى نبذَتْهُ واطَّرحَتْهُ.

وهذا باب واسع جدًا، ليس هذا مكان بيانه، ولكني لا أفارقه حتَّى أُنبِّهَكَ لشيء مهم جدًا، هو أنْ تفصل فصْلًا حاسمًا بين ما يُسمَّى «ثقافة» وبين ما يسمّى «علمًا» -أعني: العلوم البحتة- لأن لكل منهما طبيعة مباينة للآخر، فالثقافة مقصورةٌ على أمةٍ واحدةٍ تدين بدين واحد؛ والعلم مُشاعٌ بين خلق الله جميعًا، يشتركون فيه اشتراكا واحدا مهما اختلفت الملل والعقائد" (4)

إلى نموذج الرسول والصحابة

ذكرنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم عاصروا حضارات ضخمة، وكانت متفوقة في جوانب مختلفة، والحقيقة أن المسلمين استفادوا منها في أمور كثيرة.. ولم يحملهم ذلك على الذوبان الكامل في ثقافة وفكر الآخر، كما وضحنا.. إليك بعض النماذج:

- مشروعية الغيلة: عن أم المؤمنين عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الأَسَدِيّةِ رضي الله عنها، أَنّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ[8]، حَتّى ذَكَرْتُ أَنّ الرّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ فَلاَ يَضُرّ أَوْلاَدَهُمْ)). والغيلة هي وطء الزوجة المرضع. 

وفي رواية أيضًا: أَنّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنّي أَعْزِلُ عَنِ امْرَأَتِي. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: ((لِمَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟)) فَقَالَ الرّجُلُ: أُشْفِقُ عَلَى وَلَدِهَا، أَوْ عَلَى أَوْلاَدِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم ((لَوْ كَانَ ذَلِكَ ضَارّاً، ضَرّ فَارِسَ وَالرّومَ))

- حفر الخندق: في غزوة الأحزاب استفاد المسلمون من خبرات الفرس، وذلك عن طريق سلمان الفارسي، رضي الله عنه، عندما قال: إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا.. ومن هنا أمر الرسول بحفر الخندق حول المدينة، وبهذه الوسيلة استنقذوا الموقف واستطاعوا الخروج من مأزق بالغ الخطورة، ولهذا سميت بغزوة الخندق.

- الآلات الحديثة: قال محمد بن إسحاق: ولما قدم فل ثقيف الطائف أغلقوا عليهم أبواب مدينتها، وصنعوا الصنائع للقتال، ولم يشهد حنينا ولا حصار الطائف عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة; كانا بجرش يتعلمان صنعة الدبابات والمجانيق والضبور (5)

- الدواوين: لما ازدادت فتوحات المسلمين في عهد عمر بن الخطاب واتسعت بالتالي مساحة دولتهم، استمدوا فكرة الدواوين من الفرس، فقال ابن الأثير: الديوان هو الدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجيش وأهل العطاء، وأول من دون الدواوين عمر، وهو فارسي معرب (6)

يقول إبراهيم السكران: النبي صلى الله عليه وسلم استفاد من الحضارة المعاصرة له في الخندق، ومشروعية الغيلة، والتبادل التجاري، وافتدى الأسير الكافر بتعليم المسلمين، وراسلهم، واتخذ خاتمًا لمراسلته، كما هي عادتهم، وقبل هداياهم، كما قبل هدية ملك أيلة والقبط، وأكل من طعامهم ولبس من منسوجاتهم، وشارك يهود خيبر في نخيلهم، وغير ذلك من أوجه التواصل الشرعي، ولكنه مع ذلك كله بين ضلالهم وانحطاطهم وظلاميتهم بسبب إعراضهم عن نور الوحي، كما قال صلى الله عليه وسلم عن الفترة التي سبقت بعثته: وإن الله نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب (7)

ثم.. كيف حقق الغرب تقدمه؟

نأتي هنا إلى سؤال هام للغاية.. كيف حقق الغرب تقدمه؟ وكيف شيّد مجتمعه المدني؟ وكيف أسس بنيته التحتية؟ هل جاء هذا التفوق الغربي نتيجة جهود ذاتية خالصة كما يتصور البعض؟
يجيبك الدكتور عبد الوهاب المسيري:

"وقد ترسخت الديموقراطيات الغربية عن طريق الإمبريالية إذ نجحت في تسريع التراكم الرأسمالي من خلال نهب المستعمرات، الأمر الذي ساهم في تأسيس بنيتها التحتية المادية الضخمة المستقرة وتحقيق الرفاه الاجتماعي للمواطنين عن طريق تجريد بقية شعوب العالم من مصادرها الطبيعية والبشرية.

وقد نجحت الحكومات الغربية في تصدير مشاكلها الاجتماعية حيث قامت بإرسال المجرمين والعناصر غير المستقرة اجتماعيًا والفائض السكاني إلى الشرق، بل قامت بالتخلص من الجماعات والأقليات غير المرغوب فيها (مثل اليهود) عن طريق نقلهم إما إلى الشرق (في فلسطين) أو إلى الغرب (في أفران الغاز).

كما حلت مشكلة سوء توزيع الثروة من خلال نهب المستعمرات؛ ويكفي أن نعرف أن ما نهبته إنجلترا من الهند يزيد كثيرًا عما أنتجته خلال الثورة الصناعية عامة، أي أن نجاح المجتمع الإنجليزي ومشروعه التحديثي لا يمكن رؤيته بمعزل عن التراكم الاستعماري، فالسلام الاجتماعي الداخلي الذي حققه المجتمع الإنجليزي قد تحقق من خلال تصدير مشاكل إنجلترا إلى خارجها ومن خلال تحقيق التراكم الرأسمالي بما نهبه من الآخرين" (8)

إذن .. استطاع الغرب بنظرته النفعية أن يشيد بنيته التحتية من خلال استغلال ثروات الدول الأخرى، وتحويلها إلى مادة نافعة.. ويقول المسيري أيضًا:

فإن جوهر الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية هو تحويل البشر والعالم إلى مادة نافعة. وانطلاقًا من هذه الرؤية، قام التشكيل الاستعماري الاستيطاني في الغرب بنقل ملايين البشر باعتبارهم مادة محضة تُوظَّف وتُسخَّر وتُنقَل وتُغزَى. فتم نقل الملايين من البشر من أوربا إلى أمريكا لتوطينهم هناك، لزيادة نفعهم وتعظيم إنتاجيتهم، ولتسهيل عملية توظيفهم ولحل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية لأوربا. ولنفس السبب، تم استجلاب مادة بشرية يمكن تحويلها إلى طاقة عضلية رخيصة. (9)

ثم.. أليس الغرب يستورد البترول الذي هو عصب الحياة من الدول العربية؟ هل رأيت من يقول منهم: لماذا تصفون هذه الدول بدول العالم الثالث ولماذا ترمونهم بالتخلف وغير ذلك من العبارات؟ هل رأيتم من الغربيين من يريد أن يذوب كليًّا في ثقافات هذه الدول التي يستوردون منها النفط؟ قطعًا لن تجد ذلك..

ثم.. هل الغرب يمتنّ علينا بهذه الإنتاجات المادية؟ هل يقدمها كإعانات أو هدايا للبلاد التي تستوردها؟ قطعًا لا، بل إن هذه البلاد تستوردها وتشتريها وتدفع ثمنها كما يستوردون هم البترول! بل إن الغرب يحتاج إلى تصريف بضائعه في هذه البلاد!

هل المسلمون عالة على الآخرين؟

في المجمل لا يمكن لعاقل قرأ تاريخ أمته أن يرى المسلمين عالة على غيرهم من الأمم، فهناك مساهمات علمية واضحة خلال التاريخ قدمها المسلمون واستفادت منها الحضارات والأمم الأخرى.. وإليك بعض الشهادات الصادقة حول هذا الأمر:

يقول ماكس فانتيجو: كل الشواهد تؤكِّد أن العلم الغربي مَدِينٌ بوجوده إلى الحضارة العربية الإسلامية، وأن المنهج العلمي الحديث القائم على البحث والملاحظة والتجربة، والذي أَخَذَ به علماء أوروبا، إنما كان نتاج اتِّصَال العلماء الأوروبيين بالعالَمِ الإسلامي عن طريق دولة العرب المسلمين في الأندلس (10)

وتقول زيجريد هونكه: إن سيلًا عرمًا من نتاج الفكر العربي، وموادِّ الحقيقة والعلم قد نَقَّحَتْهُ أيدٍ عربية، ونَظَمَتْه وعَرَضَتْه بشكل مثاليٍّ قد اكتسح أوروبا... وفي مراكز العلم الأوروبية لم يكن هناك عالِمٌ واحد من العلماء إلَّا ومَدَّ يديه للكنوز العربية هذه؛ ليغرف منها ما شاء الله له أن يغرف، وينهل منها كما ينهل الظمآن من الماء العذب... ولم يكن هناك كتاب واحد من بين الكتب التي صدرت في أوروبا آنذاك إلَّا وقد ارتوتْ صفحاته بالرَّيِّ العميم من الينابيع العربية، وأَخَذَ عنها إيماءاته، وظهر فيه تأثيرها واضحًا كل الوضوح، ليس فقط في كلماته العربية المترجمة، بل وفي محتواه وأفكاره (11)

وعن حركة ترجمة العلوم يقول المستشرق سيديو: وإذا بحثنا فيما اقتبسه اللاتين من العرب في بدء الأمر وجدنا أن جربرت الذي أضحى بابا باسم سافستر الثاني أدخل إلينا بين سنة (359هـ=970م) وسنة (369هـ/980م) ما تَعَلَّمَه في الأندلس من المعارف الرياضية، وأن أوهيلارد الإنجليزي طاف بين سنة (493هـ=1100م) وسنة (522هـ=1128م) في الأندلس ومصر فتَرْجَم من العربية كتاب (الأركان) لإقليدس، الذي كان الغرب يجهله، وأن أفلاطون التيقولي ترجم من العربية كتاب (الأُكَر) لثاذوسيوس، وأن رودلف البروجي ترجم من العربية كتاب (الجغرافيا في المعمور من الأرض) لبطليموس، وأن ليونارد البيزي ألَّف حوالي سنة (596هـ=1200م) رسالة في الجبر الذي تَعَلَّمه من العرب. 

وأن كنيانوس النبري ترجم عن العرب في القرن الثالث عشر كتاب إقليدس ترجمة جيدة شارحًا له، وأن قيتليون البولوني ترجم كتاب (البصريات) للحسن بن الهيثم في ذلك القرن، وأن جيرارد الكريموني أذاع في ذلك القرن أيضًا علم الفلك الحقيقي المتين بترجمته (المجسطي) لبطليموس، و(الشرح) لجابر... إلخ، وفي سنة (648هـ=1250م) أَمَرَ الأذفونش القشتالي بنشر الأزياج الفلكية التي تحمل اسمه، وإذا كان روجر الأول قد شجَّع على تحصيل علوم العرب في صقلية ولا سيَّما كتاب الإدريسي، فإن الإمبراطور فردريك الثاني لم يَبْدُ أقلَّ حضًّا على دراسة علوم العرب وآدابهم، وكان أبناء ابن رشد يُقِيمُون ببلاط هذا الإمبراطور؛ فيُعَلِّمُونَه تاريخ النباتات والحيوانات الطبيعي (12)

وهذه المقتطفات الخاصة بإسهامات المسلمين في الأندلس مستفادة من مقال أثر الحضارة الأندلسية في الحضارة الأوروبية للدكتور راغب السرجاني يمكنك أن تقرأه لمزيد من الفائدة.

وإليك أيضًا هذا النموذج المبهر لأحد المعاصرين:


الإشارات المرجعية:

  1. ابن خلدون، المقدمة
  2. إبراهيم السكران، مآلات الخطاب المدني، ص65
  3. مالك بن نبي، دور المسلم، دار الفكر، ص49
  4. (محمود شاكر، رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، ص74- 75)
  5. البداية والنهاية الجزء السابع، ص64 طبعة دار عالم الكتب
  6. النهاية في غريب الحديث والأثر (2/150)
  7. إبراهيم السكران، مآلات الخطاب المدني، فصل: هل الإسلاميون ضد الحضارة؟
  8. عبد الوهاب المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة ص197
  9. نفس المصدر، ص198
  10. أتيين دينيه، محمد رسول الله ص343
  11. زيجريد هونكه، شمس العرب تسطع على الغرب، ص305، 306
  12. نقلًا عن مصطفى السباعي: من روائع حضارتنا، ص42
تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#الاستفادة-من-الغرب
اقرأ أيضا
في مدح قوائم الكتب | مرابط
فكر ثقافة

في مدح قوائم الكتب


تختصر توصيات الكتب والقوائم المختصة الطريق على الراغب وتحميه من الإحباط الذي يواجهه كثير ممن يغامر في غابة العلوم بلا خارطة حين يكتشف ضخامة الكتب المتاحة وضآلة إمكاناته في قراءتها ماديا أو زمنيا فأنت تحتاج إلى مال قارون وعمر نوح -كما قال بعض الأساتذة- حتى يتسنى لك الإلمام بمطالعة ما يستحق من الكتب والعلوم إلا أن التوصيات والقوائم الحكيمة تخبرك أن أصول العلوم والكتب الجليلة في كثير من العلوم

بقلم: عبد الله الوهيبي
75
تغريدات حول التقوى وآثار الذنوب | مرابط
اقتباسات وقطوف

تغريدات حول التقوى وآثار الذنوب


حفظ الجوارح من المعاصي في أول العمر معين من الله على حفظها في الكبر من أمرين: من أن يختم له خاتمة سوء أو يقع في الخرف والهذيان ومن حفظ الله للطائع في صغره حفظ العقل من البلاء بأنواعه عند الكبر قال ابن عباس: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر

بقلم: عبد العزيز الطريفي
258
أسباب سقوط الأندلس الجزء الأول | مرابط
تاريخ فكر

أسباب سقوط الأندلس الجزء الأول


في هذا المقال نعود إلى تاريخ الأندلس لنقف على أهم الأسباب التي أدت إلى سقوطها في النهاية ولنعتبر بكل ما جرى في تلك المرحلة التاريخية الهامة ونستخلص عوامل الانهيار والانحدار التي أوصلت المسلمين إلى فقد هذه الحضارة الزاهية فالمستقبل لا يبنيه إلا من علم أخطاء الماضي وتحاشاها وتجنبها قدر طاقته واستطاعته وإدراك أسباب سقوط الأندلس يعيننا على فهم السنن الكونية وفهم عوامل الصعود وعوامل السقوط

بقلم: علي محمد الصلابي
1850
موضوعات رسالة العبودية لابن تيمية | مرابط
تفريغات

موضوعات رسالة العبودية لابن تيمية


يلاحظ أن ابن تيمية في جوابه على السؤال المتعلق بالعبودية بدأ في بيان حقيقة العبودية الشرعية ثم انتقل إلى موقف الصوفية من العبودية وبالذات في موضوع الإرادة الكونية والإرادة الشرعية والعبودية الاضطرارية والعبودية الاختيارية ثم رجع مرة أخرى إلى موضوع العبودية الشرعية ثم انتهى إلى قوله: فصل ولما بدأ بفصل بدأ في العبودية لغير الله وأخذ يتحدث عن العبودية لغير الله وذكر دقائق في التعبد لغير الله حتى في أمور مكروهة

بقلم: عبد الرحيم السلمي
124
حجة البعوض غير المرئي | مرابط
اقتباسات وقطوف

حجة البعوض غير المرئي


من ضمن من تحدثوا في إشكالية وجود الشر الباحث ألفن بلانتنجا وهو يتحدث عما يسمى بحجة البعوضة غير المرئية ويربطها بشكل مباشر بقصور الإدراك والعقل الإنساني مقارنة بحكمة وأسباب الله وبين يديكم مقتطف يشرح فيه فكرته بشكل كامل

بقلم: ألفن بلانتنجا
142
ما ذنب من لم يقتنع بالإسلام | مرابط
أباطيل وشبهات

ما ذنب من لم يقتنع بالإسلام


يخرج علينا بعض المشككين بتساؤل جديد وهو: ماذا إذا لم يقتنع الشخص بالإسلام ما ذنبه في ذلك لماذا يحاسب على هذا أو حتى يلام على قناعاته العقلية لماذا يدخل النار والحقيقة أن هذا التساؤل فيه خلط وأباطيل كثيرة وفي هذا المقال الموجز والمختصر رد على التساؤل وتوضيح ما به من خطأ

بقلم: موقع هداية الملحدين
679