تأويلات الرازي.. وموقف الإمام الشافعي من علم الكلام

تأويلات الرازي.. وموقف الإمام الشافعي من علم الكلام | مرابط

الكاتب: عبد الله القرني

22 مشاهدة

تم النشر منذ أسبوع

من شؤم علم الكلام على أصحابه أنه يوقعهم في الحرج والحيرة حين يعرضون لبيان موقف أئمة أهل السنة من علم الكلام، وذلك أنهم إن وافقوهم في القدح في علم الكلام وأنه منهج مبتدع في الدين فقد ناقضوا منهجهم وأبطلوه، وإن خالفوا أئمة أهل السنة فقد أظهروا المباينة بينهم وبين من ثبتت إمامتهم عند عموم المسلمين، وأنهم قد شذوا عنهم وانحرفوا عن منهجهم، ويكون المخرج الذي يسلكونه لتجنب الوقوع في هذين الخيارين أن يتأولوا تحذير الأئمة من علم الكلام على غير وجهه.

ومثال ذلك أن الفخر الرازي قد عقد فصلا في كتابه عن مناقب الإمام الشافعي وعنوانه "ما روي عن الإمام الشافعي من الطعن في علم الكلام" وذكر فيه من أقوال الإمام الشافعي في التحذير من علم الكلام والتشديد في ذلك ما يحصل معها الجزم بأن موقف الإمام الشافعي من علم الكلام هو اعتقاد بطلانه ومباينته للمنهج الحق الذي عليه أئمة الإسلام المقتدى بهم.

ومما نقله عن الإمام الشافعي قوله: "ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح" وقوله: "حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد، ويحملوا على الإبل منكسين، ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام"، ونقل عنه ما يفيد أن كتب علم الكلام ليست من كتب العلم، وأن أهل الكلام ليسوا من أهل العلم.

وقد احتار الرازي كيف يصنع مع هذه الأقوال وما فيها من التصريح بالتشنيع على علم الكلام والبراءة منه ومن أهله، وقد ذكر أنه قد حصل الخلاف بين طائفتين في تفسير موقف الشافعي، وملخص ما ذكره هو أن: "هذه الروايات دلت على حصول العداوة بين الشافعي وبين أصحاب علم الكلام، فمن اعتقد أن الكلام علم شريف استدل به على الطعن في الشافعي، ومن اعتقد أن الشافعي إمام كامل فقد استدل به على الطعن في علم الكلام".

واجتهد الرازي في أن يجد مخرجا يجمع فيه بين الاعتبار لمكانة الشافعي وعدم القدح في علم الكلام، وانتهى إلى أنه  لا بد من تأويل ما نقل عن الشافعي من الذم لعلم الكلام والتحذير منه بما لا يتنافى مع أن علم الكلام هو أشرف العلوم وأجلها حسب قوله، وذكر في تبرير هذا المخرج تأويلات مستنكرة.

ومما ادعاه في ذلك قوله: "إن الفتن العظيمة وقعت في ذلك الزمان، بسبب خوض الناس في مسألة القرآن، وأهل البدع استعانوا بالسلطان وقهروا أهل الحق، ولم يلتفتوا إلى دلائل المحققين، فلما عرف الشافعي أن البحث في هذا العلم ما كان في ذلك الزمان لله وفي الله، بل لأجل الدنيا والسلطنة، لا جرم تركه وأعرض عنه وذم من اشتغل به".

ومما ادعاه الرازي أيضا من التأويلات أن الشافعي لم يذم مطلق علم الكلام بل هو قبيل ذم بعض السلف للقياس، وهم إنما قصدوا بذمهم القياس الفاسد خاصة، وعلى هذا فإن: "الذم العظيم المنقول عن الشافعي للكلام يجب صرفه إلى الكلام الذي كان أهل البدع ينصرونه ويعولون عليه".

وختم الرازي هذه التأويلات بما هو الحق الذي أراده الشافعي، لكنه غير مقبول عند الرازي، وحاصله أنه ربما كان مقصود الشافعي أنه يجب الاكتفاء بالدلائل المذكورة في القرآن، وأن "التوغل في الدقائق التي لا سبيل للعقل إلى الخوض فيها غير جائز،فلهذا السبب بالغ في ذم من حاول الخوض في تلك الدقائق".

وإذا كان الرازي قد تعسف لتبرير علم الكلام غاية التعسف، وذكر من التأويلات ما يناقض ما هو صريح موقف الإمام الشافعي فإنما يكشف ذلك عن حقيقة التباين بين منهج الإمام الشافعي الذي هو منهج أهل السنة وبين ما أحدثه المتكلمون وابتدعوه في منهج الاستدلال وأصول الاعتقاد، وأنهما منهجان متناقضان لا يمكن التوفيق بينهما إلا بمثل ما ذكره الرازي من هذه التأويلات المنكرة، وأنه لا خيار لأحد إلا أن يقول بحقية أحد هذين المنهجين وما يلزم عنه من بطلان المنهج الآخر.

وأما ما ذكره في التأويل الثالث من أن الشافعي كان يكتفي بالدلائل المذكورة في القرآن وينهى عن الخوض فيما وراء ذلك مما خاض فيه المتكلمون من الدلائل البدعية فهو الحق الذي لا يختص به الإمام الشافعي، بل هو الحق الذي قرره أئمة أهل السنة وتواتر النقل عنهم قرنا بعد قرن بما يدل عليه ويبينه غاية البيان.

ومدار منهجهم في ذلك أنه لا تلازم بين مطلق الاستدلال العقلي وبين علم الكلام، بل قد جاءت النصوص بما فيه الكفاية في الاستدلال بالبراهين العقلية على أصول الاعتقاد، وأن ما أحدثه المتكلمون من البدع في أصول الاعتقاد فإنما يستند إلى ما أحدثوه مما يخالف طريقة القرآن في منهج الاستدلال.

ومن لم يعرف حقيقة هذا الفرق بين المنهجين ف لا بد أن يلتبس عليه الأمر في تمييز الحق من الباطل في منهج الاستدلال، ويتعدى اللبس عندهم إلى الظن بأن من اشتهر عنه بيان الدلائل العقلية على أصول الاعتقاد والرد على المخالفين فيها فهو عندهم على منهج المتكلمين، حتى وقع الخلط عندهم في حقيقة موقف ابن تيمية، حيث عده بعضهم من أهل الكلام، مع ما هو معلوم من عظيم جهاده في الرد عليهم وإبطال منهجهم.

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#علم-الكلام
اقرأ أيضا
ستبقى أمريكا تعاني من التفرقة | مرابط
فكر

ستبقى أمريكا تعاني من التفرقة


ستبقى أميريكا تعاني من التفرقة بين البيض والسود ما دامت العقيدة التي يدرسها الأطفال في المدارس عقيدة داروينية تعارض شعارات المساواة المعلنة لديهم وما دام داروين يعظم على أنه مكتشف الحقيقة عن أصل الإنسان والكائنات مقال موجز للدكتور إياد قنيبي حول العنصرية في أمريكا

بقلم: د إياد قنيبي
1853
موضوعات رسالة العبودية لابن تيمية | مرابط
تفريغات

موضوعات رسالة العبودية لابن تيمية


يلاحظ أن ابن تيمية في جوابه على السؤال المتعلق بالعبودية بدأ في بيان حقيقة العبودية الشرعية ثم انتقل إلى موقف الصوفية من العبودية وبالذات في موضوع الإرادة الكونية والإرادة الشرعية والعبودية الاضطرارية والعبودية الاختيارية ثم رجع مرة أخرى إلى موضوع العبودية الشرعية ثم انتهى إلى قوله: فصل ولما بدأ بفصل بدأ في العبودية لغير الله وأخذ يتحدث عن العبودية لغير الله وذكر دقائق في التعبد لغير الله حتى في أمور مكروهة

بقلم: عبد الرحيم السلمي
124
فرية تسمية الصحابة لمعاوية بالطاغية: الرد على عدنان إبراهيم | مرابط
أباطيل وشبهات

فرية تسمية الصحابة لمعاوية بالطاغية: الرد على عدنان إبراهيم


ادعى عدنان إبراهيم في محاضرة بعنوان طليعة التبيان وهي الأولى من سلسلة معاوية في الميزان أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يلقبون سيدنا معاوية بن أبي سفيان بالطاغية واستدل بما رواه الإمام الطبري في تاريخه وفي المقال الذي بين يدينا رد على هذه الشبهة وبيان الأخطاء التي وقع فيها عدنان

بقلم: أبو عمر الباحث
870
المجاهرون | مرابط
تفريغات

المجاهرون


إن الله يحب الستر ويكره التحدث بالكلام الفاحش وإن مما يقع بين الرجل وامرأته مع أنه بالحلال لكن لأنه خنا فإنه لا يتحدث به لا يتحدث بأي شيء يثير الشهوات حتى مجرد ذكر الوقاع أنه قد حصل دون تفصيل إذا لم يكن له حاجة كرهه العلماء وعدوه من خوارم المروءة حتى مجرد أن يخبر أنه قد حصل بينه وبين أهله شيء لغير مصلحة شرعية فهو مكروه لأنه من خوارم المروءة

بقلم: محمد المنجد
331
بين العمل المادي والعمل الإنساني: المرأة أنموذجا | مرابط
اقتباسات وقطوف

بين العمل المادي والعمل الإنساني: المرأة أنموذجا


لعله قد يكون من المفيد ألا نتحدث عن حق المرأة في العمل أي العمل المنتج ماديا الذي يؤدي إلى منتج مادي سلع - خدمات. ونعيد صياغة رؤية الناس بحيث يعاد تعريف العمل فيصبح العمل الإنساني أي العمل المنتج إنسانيا وبذلك نؤكد أسبقية العمل الإنساني على المادي والطبيعي

بقلم: د. عبد الوهاب المسيري
80
حتى لا تذبل الزهور: قواعد مختصرة لمواجهة الخلافات الزوجية | مرابط
المرأة

حتى لا تذبل الزهور: قواعد مختصرة لمواجهة الخلافات الزوجية


لا تقارنوا حياتكم بغيركم وخاصة النساء لأن النساء عندهن في الأصل شغف بالكماليات والجماليات والتحسينيات فبالتالي إذا قارنت حياتك التي أنت تعيشينها مع زوجك في حياة من قد فتح الله عليهم أو ربما استدرجهم سبحانه بهذا المال ولا تعلمين حقائق ودخائل الأمور التي بينهم فلن تهنئي بعيش عليك بالرضا بما قسم الله -سبحانه وتعالى- لك.

بقلم: حمود بن ثامر
445