التسليم موقف عقلاني

التسليم موقف عقلاني | مرابط

الكاتب: عبد الله بن صالح العجيري

2055 مشاهدة

تم النشر منذ سنتين

من الأوهام الغليظة تصور بعضهم أن التسليم تأسيس لـ "اللاعقلانية" والدوغمائية والإيمان عن عماية وجهل، وأنه في حقيقته عزل كلي للأداة العقلية في الإنسان لينفتح المجال لمحض التقليد والمتابعة من غير حجة أو دليل، والحق أن التسليم يرتكز في أساسه على معطيات علمية/عقلية، وفي عبارة الصديق رضي الله عنه، على وجازتها واختصارها، تبيان لهذا التأسيس، وتوضيحه فيما يلي:

 

مصادر معرفة الإنسانية كما هو معلوم منحصرة في قنوات ثلاث:

1-العقل
2-الحس
3-الخبر
 

صوابية المعرفة

ولكن من هذه المصادر معايير تقوّم صوابية المعرفة المتحصلة عن طريقها من بطلانها، فأصل تصويب الخبر يقوم على مرتكزين أساسيين:

1-السلامة من الكذب، وضمانته معرفة صدق المخبر
2-السلامة من الوهم، وضمانته معرفة ضبط المخبر
 
ولتحصيل المعرفة بوجود هاتين الضمانتين لا بد من توافر جملة من المعطيات تقوم في أساسها على معطيات عقلية فإذا توافرت هذه المعطيات كان التصديق بالخبر منطلقا عن تأسيس عقلي صحيح.
 
وإذا استصحبنا المعنى السابق اتضح لنا دقة أبي بكر رضي الله عنه حين قال "لئن كان قاله لقد صدق" فمعطى تصدير الخبر عائد إلى طبيعة المخبر، فمع توافر صفة:

-الصدق فيه، صلى الله عليه وسلم
-والعصمة له
 
سيحكم العقل بحق بتصديق الخبر.

 

الأدلة العقلية المفضية إلى الإيمان بالوحي

والأدلة العقلية المتوافرة أثبتت اتصاف النبي صلى الله عليه وسلم بهاتين الصفتين المحوريتين، وعليه فالتسليم بخبره تسليم مرتكز على مبدأ عقلي صحيح، وليس قرارا اعتباطيا يتخذه المؤمن عن عصبية أو جهل أو إيمان بالخرافة والدجل. وقد أطال أهل العلم الكلام في دلائل النبوة وبيان مجالاتها وتنوعاتها (1) لإثبات نبوة النبي، صلى الله عليه وسلم، وبيان وجوب متابعته بناء على دلائل محكمة.

وإذا تدبرت في جل هذه الدلائل وجدتها تدور على مقدمات عقلية صحيحة تفضي إلى الإيمان بالوحي في مجالات ثلاث:

1-حقيقة الوحي: باعتقاد مباينته للمعرفة البشرية، وأنه حاصل من عند الله تبارك وتعالى.
2- ثبوت الوحي: باعتقاد صدق نبوة النبي، صلى الله عليه وسلم، وأنه رسول من عند الله تبارك وتعالى.
3-انتقاء ما يعارض دلالة الوحي: باعتقاد أنه حق وما دام حقا فلا يتصور أن يتعارض وحق آخر كدلالة عقلية، بل المعارضة بين الوحي والعقل والحس منتفية قطعًا.
 
والحق أن تفاصيل دلائل هذه المرتكزات الثلاثة التي ينبني عليها التسليم عقلا لأخبار الشريعة؛ مبحث فيه طول، وخصوصًا مع كثرة الشواهد المندرجة تحت كل تدليل

 

ولكن مما يمكن ذكره هنا إجمالا:

 

- أن ما يتصل ببيان ماهية الوحي وطبيعته ينبغي أن يكون مأخوذًا من الوحي ذاته باعتبار خروجه ومباينته للمعرفة البشرية، وهو وإن كان في أصله خبرًا وهو معنى مدرك بالحس والعقل لكن ما يتصل بماهيته وكيفياته وأوضاعه خارج عنهما، وما كان كذلك فلا مجال لمعرفته إلا عن طريقه، وضمان سلامة هذه المعرفة مرهون بثبوت سلامة الوحي ذاته، فمتى ما تحقق واطمأن القلب إليه كان تحصيل المعرفة بالوحي عن طريقه لمعنى معقول، وهو ما يمكن تحصيله من خلال التدليل على ثبوت حصول الوحي وصدق دعوى النبوة، مع ملاحظة مهمة أن العقل وإن لم يكن له مجال عملي صحيح في معرفة حقيقة هذا الوحي لكن له وظيفة في بيان جواز وقوع الوحي، ودفع دعاوى استحالته إضافة إلى ما ذُكر من إثبات صحته في حال وقوعه بإثبات صدق المخبر به.
 
- أما ما يتعلق بثبوت الوحي وحصوله للمعنيين (أنبياء ورسل) فطريقه الأساس طريق عقلي إذ لا يصح أن يكون مستمسك تصديق دعوى النبوة خبر مدعيه فقط، فمدّعو النبوة كذبا كثر ولا بد من أداة خارجة عن خبرهم لفرز أحوالهم وبيان موقع دعواهم من الصدق والكذب، ومن هنا كثر كلام أهل العلم في شرح دلائل النبوة لبيان صدق النبي من المتنبئ كذبًا، وخلاصة ما يذكرونه من دلائل ترجع إلى أصول ثلاثة:
 
1-أحوال النبي صلى الله عليه وسلم
2-معجزات النبي صلى الله عليه وسلم
3-ما تضمنه الوحي الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم
 
-فمن خلال النظر في حال النبي، صلى الله عليه وسلم، وسيرته وما يعلمه الناس من أحوال الكاذب والصادق، وتحري هذه المعرفة في شخص النبي، صلى الله عليه وسلم، تعرف صدقه وأن (وجهه، صلى الله عليه وسلم، ليس بوجه كذاب) (2)، ولذا فقد اتكأ النبي، صلى الله عليه وسلم، في مبتدأ دعوته العلنية على حجية هذه المعرفة، فقال لقريش وهو على الصفا: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي"، قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا، قال "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" (3)

فقد عاش بينهم أربعين سنة، ما جربوا عليه كذبة قط، حتى لقبوه بالصادق الأمين، بل إن الله تعالى أورد عين هذا الاحتجاج على قريش في قوله " قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ" وخاتمة هذه الآية تفتح أفقا لمعرفة صدق النبي، صلى الله عليه وسلم، من خلال النظر في سيرته وأحواله ومآل أمره، فقد ظل أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، في تعاظم وظهور وفلاح وعز، والله يؤيده وينصره، ويعلي ذكره وشأنه، ولهذا لما أراد هرقل الاستيثاق من شأن النبي، صلى الله عليه وسلم، وسأل أبا سفيان عنه سبر أحوال النبي وقايسها على أحوال الأنبياء والمرسلين فاستبان له أنه صادق، كما في الحديث المطول المشهور، واستكمال هذه النقطة وتوفيتها حقها غير مقصود هنا، وإنما المقصود إيضاح أن في حال النبي، صلى الله عليه وسلم، وسيرته ما يرشد إلى صدقه، وإذا سلم به فالتسليم لخبره موقف عقلاني منطقي.
 
-أما دلالة الوحي ذاته على صدقه وصحته، وصدق النبي، صلى الله عليه وسلم، فهي قضية مقررة عقلًا؛ فالقرآن في ذاته معجزة من أعظم المعجزات التي أوتيها النبي، صلى الله عليه وسلم، فالتحدي به وعجز العرب عن الإتيان بموجبات هذا التحدي مع ما لهم من الكفاءات اللغوية الهائلة دليل بين على صدقه وأنه من عند الله، وكذلك ما اشتمل عليه الوحي من الأخبار الحاضرة المغيبة أو الماضية أو المستقبلية مما لا يقع تحت المعرفة البشرية المحدودة ثم ظهور صدق تلك الأخبار وتحققها؛ دليل آخر من الوحي على صدقه.

وما اشتمل عليه الوحي أيضًا من المعارف والعلوم مما تتقاصر عنها المعرفة البشرية إذ ذاك بل ما لا يمكن أن يكون متحققًا؛ دليل ثالث على صدق الوحي، وهكذا ففي تفاصيل الوحي ما يدل العقل على صدقه فالتسليم له والحالة هذه واحد من مقتضيات العقل السليم. وكما سبق فليس القصد هنا استيعاب البحث في تقرير هذه المسائل وبيان تفاصيل أدلتها (4) وإنما الإشارة سريعًا إلى أن مبدأ التسليم للوحي هو قرار عقلاني واع يتخذه المؤمن عن دراية وتأسيس عقلي صحيح، وهي حقيقة مدركة بوضوح في حياة الرعيل الأول.

 


 

الإشارات المرجعية:

  1. من المؤلفات التي كتبت في هذا الشأن: دلائل النبوة لأبي داود السجستاني، أعلام النبوة لابن قتيبة، دلائل النبوة لإبراهيم بن إسحاق الحربي، دلائل النبوة لأبي بكر الفريابي، دلائل النبوة لابن أبي الدنيا، دلائل النبوة لإبراهيم بن حماد، تثبيت دلائل النبوة للقاضي عبد الجبار الهمذاني، إثبات نبوة النبي، صلى الله عليه وسلم، ﻷحمد بن الحسين الزيدي، دلائل النبوة لأبي نعيم الأصفهاني، وغيرها مما ذكرها المؤلف.
  2. عن عبد الله بن سلام قال: لما قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المدينة انجفل الناس إليه وقيل قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قدم رسول الله، فجئت من الناس لأنظر إليه، ﻹلما استثبت وجه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب وكان أول شيء تكلم به أن قال أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا والناس نيام تدخلون الجنة بسلام
  3. رواه البخاري(4770)، ومسلم(208)، والإمام أحمد في المسند (2802)
  4. ويمكن الرجوع إلى كتاب الشيخ عبد الله القرني(المعرفة في الإسلام مصادرها ومجالاتها) فإن فيه عرضا حسنا لهذه المسائل ودلائلها على نحو مفصل، مع الجواب عن جملة من الاعتراضات والاستشكالات.

 

المصدر:

  1. عبد الله بن صالح العجيري، ينبوع الغواية الفكرية، ص76
تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.
اقرأ أيضا
وظن أنه الفراق | مرابط
مقالات

وظن أنه الفراق


يمكننا تلخيص فكرة الموت بأنها خروج الروح من الجسد وانفصالها عنه بعد التحام وامتزاج دام طوال العمر حيث ابتدأت العلاقة في طور الجنين قبل الإدراك حينما جاء الملك بالروح من عالم الذر ونفخها في تلك المضغة اللحمية في رحم الأم فالإنسان الحي لا يعي حالة الروح المجردة عن الجسد ولا يذكرها البتة.

بقلم: د. جمال الباشا
331
قصة الحروب الصليبية الجزء الثاني | مرابط
تاريخ

قصة الحروب الصليبية الجزء الثاني


الحروب الصليبية هي سلسلة الحروب التي شنها المسيحيون الأوربيون على الشرق الأوسط للاستيلاء على بيت المقدس ومنذ أن انتصرت القوات الإسلامية على القوات البيزنطية في معركتي اليرموك وأجنادين في عام 13 هجريا منذ ذلك الوقت والإسلام يهاجم الصليبيين ويفتح أراضيهم وظل الصليبيون يترقبون الفرصة والزمن المناسب للأخذ بالثأر ورد الفعل وهكذا كانت أحسن الفرص للانتهاز في القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي والمقال الذي بين يدينا يقف بنا على أهم مراحل الحروب الصليبية وأبرز أحداثها ونتائجها

بقلم: موقع قصة الإسلام
1978
الأمة الوسط الجزء الثاني | مرابط
تفريغات

الأمة الوسط الجزء الثاني


من المتفق عليه أن الخصيصة الأولى والمقوم الأساسي للأمة الوسط هو كونها أمة ربانية وهذه الخصيصة خاصة بهذه الأمة لا تشاركها فيها الأمم الأخرى فالأمة الإسلامية أمة ربانية في عقيدتها وتصورها وتشريعها وأخلاقها وقيمها لأن هذا كله منزل من عند الله تبارك وتعالى

بقلم: عمر الأشقر
834
تعلق القلب بالمخلوقات | مرابط
اقتباسات وقطوف

تعلق القلب بالمخلوقات


وكل من علق قلبه بالمخلوقات أن ينصروه أو يرزقوه أو أن يهدوه خضع قلبه لهم وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك وإن كان في الظاهر أميرا لهم مدبرا لهم متصرفا بهم فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة ولو كانت مباحة له يبقى قلبه أسيرا لها تحكم فيه وتتصرف بما تريد وهو في الظاهر سيدها لأنه زوجها

بقلم: شيخ الإسلام ابن تيمية
466
سلسلة كيف تصبح عالما الدرس الأول ج2 | مرابط
تفريغات

سلسلة كيف تصبح عالما الدرس الأول ج2


الأساس الأول الذي بنيت عليه أمة الإسلام والذي بنيت عليه الأمم الأخرى في زماننا وفي الأزمان السابقة هو أساس العلم وبغيره لا تقوم أمة ونتميز نحن المسلمين بأن عندنا العلم الحياتي نعظمه ونجله وكذلك العلم الشرعي الذي أوحى به ربنا سبحانه وتعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ونزل في كتاب الله عز وجل وفي سنة حبيبنا صلى الله عليه وسلم فهذا تفتقده الأمم الأخرى فتجد معايير الأخلاق والعقيدة والآداب عندهم مختلة بينما عندنا صحيحة فنحن نتساوى معهم في العلوم الحياتية إن أردنا لكننا نسبقهم وبمراحل لا مقارنة ب...

بقلم: د راغب السرجاني
669
ما تفعله الإنترنت بعقولنا | مرابط
ثقافة

ما تفعله الإنترنت بعقولنا


بالرغم من أن إضاعة الوقت على الإنترنت مشكلة كبيرة إلا أنها ليست أكبر من مشكلة إدمان التشتت وضعف التركيز ﻷنك حتى لو ضيعت نصف اليوم على الإنترنت وكان لا زال بإمكانك التركيز في عملك أو دراستك خلال باقي اليوم فغالبا ستتمكن من تحقيق قدر جيد من الإنجاز لكن بكل أسف هذا لا يحدث فعند عودتك لعملك أو دراستك لن تستطيع التركيز لفترات طويلة بشكل يسمح لك بالإنجاز وإحراز تقدم ملحوظ

بقلم: علي محمد علي
455