خلط الإسلام بالديمقراطية إساءة كبيرة للإسلام ج2

خلط الإسلام بالديمقراطية إساءة كبيرة للإسلام ج2 | مرابط

الكاتب: د عبدالله بن عبدالعزيز العنقري

6626 مشاهدة

تم النشر منذ سنة

الديمقراطية من جهة التطبيق

أما من جهة التطبيق - وهو الجانب الثاني - فلابد قبل تفصيله من التنبيه إلى أن دعاة الديمقراطية في مشرقنا الإسلامي يصوِّرون مَن نقدها في مظهر بغيض جدًا، إذ يُصور على أنه يؤيد البطش والظلم، حتى صاركثيرون يخشون التعرض للديمقراطية بالنقد، لأنهم سيُحْسبون في عداد الداعمين لما يسمى بالدكتاتورية، وصارت التهمة بمجانبة المفاهيم الديمقراطية مقارِنة للتهمة بالتعدي والإجرام، وكأنما أضحت الديمقراطية وحيًا منزلًا لا يتطرق إليه الخطأ!

والحق أن عددًا من المناصرين المتطرفين للديمقراطية - وإن ادعوا سعة الأفق وتقبل الرأي المضاد - يجعلون الديمقراطية في المقام الذي يتعالى عن النقد، كما أوضح جانبًا من ذلك صاحب بحث (النقد الغربي للفكرة الديمقراطية) الذي أبان أن هذا ليس هو مفهوم المفكرين الغربيين أنفسهم عن الديمقراطية، لأنهم يقررون أنها مجرد شكل من أشكال الحكم، لها سلبياتها وإيجابياتها، وأنها ليست النظام الأمثل في كل حالة، بل قرروا بصريح العبارة أنها قد لا تناسب مجتمعًا ما أو وقتًا ما - وإن كان واقع الساسة المتسلطين في الغرب منذ عهد نابليون إلى يومنا هذا هو الذي يكرّس أن الديمقراطية يجب نشرها، مهما ارتُكِب في سبيل ذلك من تجاوزات مدمرة-
 
زد على هذا أن الناظر لنقد الديمقراطية عند اليونان حيث كان مهدها الأول يجد أن أكثر مشاهير فلاسفتهم ومفكريهم قد ذموا الديمقراطية منذ البداية، ونوهوا إلى السلبيات الكبيرة التي تتضمنها، بل اشتهر عن بعضهم شدة العداء لها، وتصنيفُها ضمن أنظمة الحكم الفاسدة التي لا تسعى أساسًا لتحقيق المنفعة العامة.
 

نقد الديمقراطية

ولم يزل نقد الديمقراطية حاضرًا وواقعًا حتى في تطبيقاتها المعاصرة، حيث وُوْجِهت بنقد مركَّز عاصف من قِبَل عدد من المفكرين الغربيين، ومن أهم ما ركزوا عليه في نقدهم ما خلَّفه تطبيقها من سلبيات شائكة، من أبرزها ما يأتي (والكلام لا يزال مستفادًا عن البحث الذي أشرت إليه):
 
1- أن الديمقراطية رسَّخت حُكْمَ الأقلية - تحت اسم خيار الشعب - فخالف التطبيق على الأرض التنظير المقرر في الكتب، وذلك أن قلة من محترفي السياسة هي التي تضطلع بالمهمة في واقع الأمر، والشعبُ - الذي ادعوا أنه يحكم - بعيدا عن سُدّة الحكم، وإنما مهمته التوجه لصناديق الاقتراع مرة كل عدد من السنين، ليضفي ما يسمونه الشرعية على حكم هذه الأقلية، ومن هنا ركز ناقدو الديمقراطية في الغرب على حقيقة بالغة الغرابة، هي أن الديمقراطية أشبه ما تكون بالشيء الخيالي، والأمر الموهوم البعيد عن الواقع، وعليه فلا تعجب إذا علمت أن نسبة كبيرة تبلغ ثلث المحرِّرين الغربيين لا يقبلون الديمقراطية أصلًا، فضلًا عن الترويج لها في كتاباتهم! لأن الديمقراطية إنما استمدت قوتها من تلك المفردات التي جذبت إليها كثيرًا من الأنصار، كمفردة الكرامة الإنسانية وضمان الحقوق ونحوهما، لكن الواقع التطبيقي قد أثبت انتهاكات شديدة لهذه المفردات على يد الديمقراطية نفسها، كما سترى في الفقرتين الآتيتين إن شاء الله.
 
2- من أهم ما وُجِّه للديمقراطية من النقد ذلك الواقع الفاسد الذي خلَّفته، من جهة أن كل شيء في ظل الحكم الديمقراطي أصبح ممكن الشراء، سواء المناصب السياسية أو القرارات السياسية، أو الدعم الخارجي لِقُوى يكون دعمها على حساب الجبهة الداخلية، بل وصل الأمر إلى إثارة حروب طاحنة لا هدف لها، إلا مجرد التسويق لمنتجات شركات الأسلحة، ومثله التغاضي عن النشاطات المدمِّرة للبيئة من قِبَل شركات الطاقة، ونقل صاحب البحث نموذج ذلك عن (جريج بالاست) صاحب كتاب (أفضل ديمقراطية يستطيع المال شراءها)، حيث أوضح أنه رغم حظر القانون الأمريكي على الشركات دفع أموال لمساندة الحملات الانتخابية، إلا أن الواقع كان بخلاف هذا تمامًا، حيث دعمت شركات الطاقة حملة الرئيس الأمريكي السابق، مقابل ألا تتعقب حكومته أنشطتها المدمرة للبيئة، لأن هذه الشركات تستخدم - حسب تعبير صاحب الكتاب - «أقذر وقود» مما أدى إلى نشر الأمراض وقتل الأطفال في المناطق المحيطة بتلك الشركات، أو بمناطق دفن نفاياتها الكيمائية الخطيرة، وذلك نموذج واحد من بين نماذج كثيرة تدل على حقيقة انتهاك الكرامة البشرية والحقوق الإنسانية في المعقل الأكبر للديمقراطية!
 
3- وجود آثار مدمرة لتطبيق الديمقراطية تتعلق بالجوانب الاقتصادية التي عليها مدار اهتمام أولئك القوم، وقد أعطى (جريج بالاست) إحصائية مَهُولة من خلال التركيز على النمو في أمريكا بين عامي 1983 - 1997م ففي هذه الحقبة الزمنية الطويلة اتضح أن (85.5%) من نسبة النمو قد استولى عليها أغنى الأمريكيين، ويُمثِّلون نسبة (1%) فقط، ورغم ارتفاع الدخل ذلك الوقت إلا أن (80%) من العائلات الأمريكية لم تتلق منه شيئًا، بينما ربحت (طبقة الواحد في المائة) (2.9 ترليون) من أصل (3.5 ترليون) دولار، فاتضح بذلك أخي القارئ حقيقة نكبة الشعب بالديمقراطية التي سموها حكم الشعب، واتضح معنى كون الديمقراطية تُرسِّخ حكم الأقلية وتُغلِّب مصالحها على حساب الشعب المستغفل الذي أوهموه بأنه يحكم، وقد خلص صاحب بحث (النقد الغربي) إلى نتيجة كبيرة الأهمية، وهي أن الواقع الغربي قد لفظ الديمقراطية، بسبب المشكلات الشائكة التي ترتبت على تطبيقها، فإن الديمقراطية قد وُجدت في الواقع الغربي لظروف تاريخية معيَّنة، ثم صار واقع الغرب المعاصر يتنكر لها الآن بعد اختلاف هذا الواقع في طبيعته وخصائصه عن ذلك الواقع الذي أفرزها.
 
والبحث رغم قلة أوراقه قد مُلِئ بعدة مقولات للمفكرين الغربيين الناقدين للديمقراطية، مصحوبًا بوقائع وإحصائيات ذات مدلول مخيف، يدعو بعضها إلى الذهول، بل إلى الاشمئزاز.
 

سؤال التخلي عن الديمقراطية

فهذا جانب من حقيقة الديمقراطية في الغرب، من الناحية التنظيرية ومن الناحية الواقعية يثبت للمنصف أنها في سبيلها إلى أن تبلى وتضمحل هناك، ولاسيما مع تنامي الهزات الاقتصادية الشديدة بين الحين والآخر، ولهذا طرح خصوم الديمقراطية في الغرب سؤالًا محرجًا لأنصارها، وهو أن الشعب - في ظل فشل الديمقراطية - لو قرر بأكثريته أن يتخلى عن الديمقراطية، فهل سيُطبَّق خيار الشعب الذي تدعي الديمقراطية أن الحكم راجع إليه، أم ستنقلب الديمقراطية على الشعب وتلزم الأكثرية بالخيار الذي لا يريد؟ وعلى كلا التقديرين فالديمقراطية بين أمرين أحلاهما مُرّ، ومع كل هذه الوقائع المزلزلة في الغرب فالمبشرون بالديمقراطية في المشرق الإسلامي لا يزالون إلى اليوم يهتفون بها، كأنما عثروا على كنز لم يُسبَقُوا إليه، بما سيورطون به الأمة في البدء من حيث فشل الآخرون، وتلك حالة مزرية لهم تكررت مع أفكار ونظريات سقطت في معاقلها، لكنهم أبوا إلا مناصرتها في مشرقنا، وإن دخلت في بلدانها ضمن خبر (كان).
 

علمانية الوحي!

ولا تعجب أخي القارئ من مصادمة هؤلاء للحقيقة، فإن المكابرة وصلت بصاحب كتاب (التراث والتجديد ص69) حدًّا زعم فيه أن العلمانية البغيضة هي أساس الوحي، وأن الوحي علماني في جوهره!
 
فإذا ادعى أن وحي الله العظيم ليس إلا علمانيًا في جوهره فماذا أبقى من منابذة الحقيقة ومجانبتها؟ وقد علم من له اهتمام ولو محدود بالعلمانية أنها - كما ينص معجم أكسفورد - عقيدة قائمة على استبعاد أي اعتبار مستمد من الإيمان بالإله أو الحياة الآخرة، كما أنها تقرر أنه لا ينبغي أن يكون الدين أساسًا للأخلاق والتربية.
 
ومع ذلك يصل الاستخفاف بعقول الناس حدًّا يدعي فيه صاحب التجديد المصطنع أن العلمانية العازلة للدين عن الحياة هي أساس هذا الوحي، الذي نزل لجعل الحياة كلها قائمة على أحكام الشرع بإجماع المسلمين وهذا الاستخفاف بالحقائق لا يرفضه من له أدنى غيرة على الإسلام فحسب، بل يرفضه حتى العلماني الذي يؤمن بمبدئه هذا، مما يؤكد على شدة استغفال عدد من الكُتّاب لقرائهم وبلوغهم في الاستخفاف بهم مبلغًا عاملوهم معه معاملة لا تليق بالإنسان، من حيث هو إنسان.
 

خلط فوضوي بين الإسلام وغيره

واللهُ يعلم أن هذا الخلط الفوضوي للإسلام بتيارات التيه الوافدة لا يمكن أن يخفى على ذي وعي بشموخ هذا الدين وعظمته، وأن من المحال الذي لا يقبل الرفع أن تُخلط فوضى التائهين الشرقيين أو الغربيين بدين الله ذي المصادر المضبوطة والنصوص المحفوظة، سواء تَسمَّت هذه التيارات باسم الديمقراطية أو الليبرالية أو الاشتراكية أو أي اسم في الطريق لم يصل بعد، وسواء تبنَّى هذا الخلط أفراد أو مجموعات تتحايل على شباب الأمة وشاباتها لإقناعهم بقبول الزيف في ثوب إسلامي، فإن دين الله أرفع وأسمى مما يظنون، وقد قيَّض الله لهم على الدوام من يكشف زيفهم، حفظًا لدين ارتضاه تعالى لبني الإنسان أجمعين، ولئن وُجِد في ديانات أخرى خلط وتسيُّب وصل إلى حد وجود (قس ملحد) يمارس عمله الوعظي في الكنيسة الهولندية! فإن دين الإسلام أعصى على المتسيبين مما يظنون، ولا يلين لهم: (حتى يلين لضِرْس الماضِغ الحَجَر)، إذ كيف يُخلَط دين ينص كتابه العظيم على جعل المحيى بل والممات لله رب العالمين بتيارات تقرر في أول ما تقرر وجوب عزل هذا الدين بالكُليّة عن الحياة!
 
وكيف يُخلط أسمى مبدأ أكرم الله به الإنسان، فعرف به ربه، وعرف من خلاله الهدف السامي الذي لأجله خلقه الله، كيف يخلط بأشد التيارات تسبّبًا في تيه البشرية عن ربها وغياب الهدف من خَلْقها عن واقعها! ويكفيك أن تستحضر حقيقة أن أساتذة هذه التيارات قد خرجوا من الدنيا ولم يعلموا أعظم حقيقة فيها، وهي الهدف الذي لأجله خُلِقوا، ولأجله أقام الله سماواته وأرضه {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56) ذلك الهدف الذي لم يلتبس يومًا ما على صبيان المسلمين وعجائزهم، فضلًا عن علمائهم بحمد الله.
 
أفلا يخجل العابثون بالحقائق من سماجة عبثهم، حينما يخلطون دين الله بتيارات الضياع والتِّيه هذه؟
 

صورة الإسلام والديمقراطية

ومن أسوأ ما في خلط الإسلام بالديمقراطية أن يظهر الإسلام بمظهر القاصر الذي لا يتم قصوره إلا بترقيعه من غيره، إذ من المؤكد أن الديمقراطية ذات منحى أجنبي عن الإسلام، لها تاريخها وبيئتها التي ظهرت فيها وتطبيقاتها القديمة والمعاصرة التي رسمها منظِّروها بعيدًا عن الإسلام، فإذا خلطنا الإسلام بها فكأنما وجدنا فيه قصورًا احتجنا معه إلى سدّه من الديمقراطية، هذا من جهة.
 
ومن جهة أخرى يُظْهِر هذا الخلط الباطل الديمقراطيةَ بمظهر مضلِّل، حاصِلُه أنها الحلم المنشود الذي إذا لجأت إليه المجتمعات الإسلامية حُلّت مشاكلها واستقامت أحوالها، مع أن الديمقراطية تعاني كما رأيت إشكالات كثيرة خلَّفتها في المجتمعات التي طبقتها، لكن تجاهل الحقيقة عند أنصار الديمقراطية حملهم على إظهارها بمظهر مضلل، يعتمد الانتقائية في عرضها لهذه الأمة التي كمَّل الله تعالى بنفسه لها دينها، فلم ولن يبقى بعد إكمال الحكيم الخبير مجال لوجود نقص تحتاج معه الأمة إلى تكميل.
 
وأعجب لمن يزايد في دعايته للديمقراطية عندنا بمواقف تقع في البلاد الغربية لعدد من الساسة مع شعوبهم، يدلل بها على مدى رعايتهم لهم وشدة حدبهم عليهم، وكأنه لا يجد ما هو أنبل وأشرف في تاريخ أمته من مواقف لم يكن يراد بها إلا وجه الله، لا الدعاية الانتخابية التي أخذت بألباب الساسة في الغرب، فاصطنعوا مواقف وأقوالًا جذابة، رغبة في جني ثمارها عند أول سباق انتخابي قادم.
 

من سير خلفاء الأمة

ألا يجد أبناؤنا المروّجون للديمقراطية في سِيَر خلفاء الأمة الراشدين مواقف شامخة، تقصر دونها بمراحل مواقف من يزايدون بعرض مواقفهم؟
 
ألا يجدون أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخليفة الراشد - لا الديمقراطي - كان يقول لرعيته: (إني لم أستعمل عليكم عمالي ليضربوا أبشاركم وليشتموا أعراضكم ويأخذوا أموالكم، ولكني استعملتهم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم، فمن ظلمه عامله بمظلمة فلا إذن له علي، ليرفعها إلي حتى أقصّه منه)، وطبق ذلك على أحد ولاته حين ضرب رجلا مائة سوط ظلمًا، فقال للذي ضُرِب: قم فاقتص منه، حتى اضطُرّ الوالي إلى أن يصطلح مع الرجل على أن يفتدي منه بمائتي دينار، كل سوط بدينارين، ولما قدمت رفقة من التجار ليلا فنزلوا المسجد قال - وهو أعظم حاكم في الأرض إذ ذاك - لعبد الرحمن بن عوف: هل لك أن نحرسهم الليلة من السرق؟ فباتا يحرسانهم، فسمع عمر تلك الليلة بكاء صبي فتوجه لأمه، وقال: اتقي الله وأحسني إلى صبيك، ثم تكرر هذا منه أكثر من مرة، فلما كان في المرة الأخيرة قالت له: قد أبرمتني منذ الليلة، إني أريغه عن الفطام فيأبى، قال: ولم؟ قالت: لأن عمر لا يفرض إلا للفُطُم، فصلى الفجر وما يستبين الناس قراءته من غلبة البكاء، ثم أمر مناديا: «لا تُعجلوا صبيانكم عن الفطام، فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام» وكتب بذلك - لأجل هذا الموقف - إلى الآفاق، فصار العطاء في بيت المال لكل من وُلِد، بعد أن كان لمن تم فطامه، ولما تقرقر بطنه عام الرمادة - حين وقعت المجاعة وكان قد اقتصر على الزيت، دون السَّمن - قال قولته المشهورة: «تَقَرْقَرْ تقرقُرَكَ، إنه ليس لك عندنا غيره حتى يحيى الناس».

ولئن روّج أنصار الديمقراطية لها، بدعوى أنها شديدة المحاسبة للمسؤولين في الغرب، من جهة أن كل مسؤول لا يستطيع أن يمتلك أكثر مما في رصيده قبل تعيينه، فليعلموا - رغم مافي هذه الدعوى من إشكال تبين بما تقدم - ليعلموا أن عمر رضي الله عنه قد سبقهم إلى هذا النوع من المحاسبة فكان إذا استعمل واليًا كتب ماله، بل إنه أمر بعض ولاته فكتبوا أموالهم فشاطرهم أموالهم، فأخذ منهم نصفًا لبيت المال وأعطاهم نصفا، وبلغت به الأمور حدًّا رعى فيه حق الحيوان - فضلا عن الإنسان - حتى إنه كان مرة في سفر فعدل بمن معه إلى راعي غنم ليقول له: «إني قد مررت بمكان هو أخصب من مكانك، وإن كل راع مسؤول عن رعيته» وقال - وهو في المدينة كما هو معلوم -: «لو مات جَمَلٌ ضَياعًا على شط الفرات لخشيت أن يسألني الله عنه». (انظر لهذه الأخبار: طبقات ابن سعد 3 /،281 ، 286، 292، 294، 301، 305، 307، 313).
 
وبعد الخلفاء من الصحابة ألا يجدون في سيرة عمر بن عبدالعزيز أن واليًا كتب إليه: إنه رُفع لي رجل يسبك فهممت أن أضرب عنقه! فكتب إليه عمر: لو قتلته لأقدْتُك به، إنه لا يُقتل أحد بسَبّ أحد إلا من سبّ النبي صلى الله عليه وسلم، فاسبُبْه إن شئت أو خل سبيله. ولما كتب إليه وال آخر: إن أهل الذمة قد أسرعوا في الإسلام وكسروا الجزية كتب إليه عمر: إن الله قد بعث محمدًا داعيا، ولم يبعثه جابيا، فإذا أتاك كتابي هذا فإن كان أهل الذمة أسرعوا في الإسلام وكسروا الجزية فاطْوِ كتابك وأَقْبِل.
 
ولما دخل المسجد ليلًا عثر في رجل نائم فقال الرجل بجرأة وغضب: أمجنون أنت!؟ فقال الخليفة الحليم الوقور بكل سهولة: (لا)، فهمَّ الجندي بالرجل ليعاقبه، فزجره عمر قائلًا: مَهْ، إنما سألني أمجنون أنت فقلت: لا. (انظر أيضًا طبقات ابن سعد 5/369، 384، 402).
 
والأمثلة بحمد الله في تاريخ الأمة لا تحصى، تجدها في كل وقت يُطبَّق فيه شرع الله،كما ينبغي أن يطبق، بماتبين به لكل ذي إنصاف أن مجرد مقارنة الإسلام بغيره مما يصدق عليه قول الأول:
إذا أنت فضلت امرأ ذا براعة
على ناقص كان المديح من النقص
أفلا يجد المروجون لمواقف ساسة الغرب الديمقراطي في تاريخ أمتهم شيئًا من مواقف النُّبْل المشرفة التي لم يُرِد بها مَن وقفها أيَّ دعاية انتخابية؟
 

مشاكل الديمقراطية

و الديمقراطية كغيرها من التيارات الأرضية لما كانت تعاني إشكالات مزمنة حار أطباؤها في علاجها، حتى تبرع بعض أنصارها - في المشرق الإسلامي - بحل نادر لها، وفق التصوير الآتي: علاج مشاكل الديمقراطية هو بالمزيد من الديمقراطية! فأضحى العلاج كعلاج صاحب الخمر الذي نُصِح بتركه، فأجاب بقوله:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء
وداوني بالتي كانت هي الداء
ولا يُعهَد في عرف العقلاء أن المشاكل تُحل بمزيد من المشاكل إلا وفق هذا المفهوم الأعوج الذي يُمثِّل حقيقة التيه التي تعانيها هذه التيارات الأرضية.
 
ومعلوم أن تطبيق أي مبدأ أو نظام كفيل ببيان حسنه من سوئه، والمعاناة التي يُغض الطرف عنها من آثار تطبيق الديمقراطية هي من أوضح الأدلة على بيان ما فيها من عوار آخذٍ في الازدياد بمضي الوقت، إلى أن يصل أنصارها يومًا ما إلى ما وصل إليه أنصار الاشتراكية الذين أقسموا جهد أيمانهم أن تيارهم سيعُمُّ الأرض كلها، وستجد البشرية فيه ما يحقق العدالة المطلقة التي تنشدها.
 
 


 

المصدر:

مقالات موقع الدرر السنية

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#الديمقراطية
اقرأ أيضا
نسف شبهات عدنان إبراهيم حول الصحابي بسر بن أبي أرطأة ج2 | مرابط
أباطيل وشبهات

نسف شبهات عدنان إبراهيم حول الصحابي بسر بن أبي أرطأة ج2


أثار عدنان إبراهيم في إحدى حلقاته الكثير من الشبهات حول الصحابي بسر بن أبي أرطأة وزعم أنه قتل طفلين ثم جنت أمهما من هول المنظر ثم ادعى بأنه باع نساء المسلمين سبايا في أسواق النخاسة فكانت المسلمة العفيفة تكشف عن ساقها ليرى ليستطيع الناظرون تثمينها وكل ذلك لأنهن كن في معسكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه فما حقيقة هذه الشبهات هذا ما يناقشه المقال

بقلم: أبو عمر الباحث
1229
لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدتا | مرابط
اقتباسات وقطوف

لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدتا


مقتطف لابن قيم الجوزية رحمه الله من كتاب مفتاح دار السعادة يعلق فيه على قول الله تبارك وتعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ولماذا عبر سبحانه بالآلهة وليس الأرباب وكيف أن هذا الفساد يعود إلى عبادة غير الله تعالى أي أنه في معنى الألوهية

بقلم: ابن قيم الجوزية
1579
سلسلة كيف تصبح عالما: الدرس الثاني ج1 | مرابط
تفريغات

سلسلة كيف تصبح عالما: الدرس الثاني ج1


ما حال أمتنا في العلوم الحياتية ما حال أمتنا في علوم الطب والهندسة لا شك أن أمتنا تعاني حالة من التردي في العلوم الحياتية وليس هذا كلاما عاطفيا إنما هناك ظواهر ومشاهدات واستقراءات نريد أن نتحدث عنها اليوم فأي مشكلة لها حل وأول وسائل الحل أن تعرف الواقع ليست هذه دعوة للإحباط ولا دعوة للتشاؤم فعندما يأتي إلينا مريض يعالج من مرض كذا أو كذا لابد أن تعرف واقع المريض: هل عنده أمراض أخرى عمره كم سنة ما هي ظروفه هل عمل عمليات قبل ذلك أم لا أخذ أدوية أو لم يأخذ

بقلم: د راغب السرجاني
246
الكوارث والذنوب | مرابط
فكر

الكوارث والذنوب


فإن كثيرا من الناس يجهل تنوع أسباب البلاء والمصائب وحكم الخالق في ذلك ويجهل تبعا لذلك تنوع آثار النوازل والمصائب الشرعية والقدرية على من حلت بهم فثمت أمور مهمة يجب إدراكها وإذا تحقق في الإنسان العلم بها عرف أن لا تلازم بين نزول المصائب واختصاص من نزلت به بتعاظم ذنوبه على غيره ممن لم تنزل به مصيبة

بقلم: عبد العزيز الطريفي
677
تفسير سورة العصر 1 | مرابط
تفريغات

تفسير سورة العصر 1


سورة العصر سورة عظيمة فيها من النصح وفيها من التوجيه وفيها من بيان الأحكام وفيها من دلالة الإنسان وإيقاظ عقله وقلبه وتنبيهه أيضا إلى رشده ما يستيقظ منه الغافل لو تدبر وتأمل هذه السورة التي يقول فيه الإمام الشافعي رحمه الله: لو ما أنزل على أمة محمد إلا هذه السورة لكفتهم يعني: سورة العصر وهذه السورة فيها من المعاني العظيمة التي يتوقف الإنسان عندها حائرا مما تضمنته مع قصرها فهي من قصار سور القرآن ولكنها عظيمة المعاني

بقلم: عبد العزيز الطريفي
147
المسألة فيها خلاف الجزء الثاني | مرابط
فكر مقالات

المسألة فيها خلاف الجزء الثاني


كان الناس قبل عقود -بل سنوات- قليلة إذا تباحثوا في مسألة ما قال أحدهم: ما الدليل واليوم وبعد أن سمع فتوى فلان وفلان قال لك: المسألة فيها خلاف فرد التنازع إلى الخلاف لا إلى الدليل من كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وبدلا من أن يجعل القرآن والسنة حاكمين عند الاختلاف جعل الاختلاف حاكما عليهما ومرد ذلك إلى الجهل والهوى والتساهل والتهاون في اتباع الشرع والأخذ بالدليل

بقلم: علوي بن عبد القادر السقاف
1118