دوران الإنسان حول نفسه

دوران الإنسان حول نفسه | مرابط

الكاتب: د. طارق عنقاوي

27 مشاهدة

تم النشر منذ 3 أسابيع

من سمات العصر عند كثير من الناس دوران الإنسان حول نفسه، وتعليق نجاحه على شهرته أو بروز ذاته بين مجتمعه، والشعور بأنه في معركة لتحقيق ذاته، وكأن الذات شيء متردد بين الوجود والعدم، ويجب خوض الصراع لإثباته عن طريق التمرد على المحيط والتفرد في الشكل والأفكار ومسار الحياة!

في هذه المعركة المصطنعة مع الوهم يخرج كثير من الناس محطما لم يحقق شيئا يذكر يلبي احتياجات نفسه الفطرية، وربما قاده ذلك لمزيد من السخط على السائد والتمرد على المجتمع، فيتحول لمزيد من الشذوذ أو الجريمة أو الانحراف الفكري.. بدلا من العودة لأساس الرؤية الفاسدة للنفس والوجود، والتي تأسست بعيدا عن الفطرة والطبيعة الإنسانية والوحي الذي جاء بصيانة ذلك وتكميله

تغيب في هذه الرؤية البائسة رؤية النفس في موقع العبودية، وتنسمها عبير راحة الطاعة والقرب من خالقها، وتطلعها لسعة الآخرة، وإدراكها لكون الدنيا معبر ووسيلة، وكون البيئة المحيطة مزرعة تستثمر للآخرة، وكون الناس نسيجا هو جزء واحد منه، إذا تكامل معه أدى لمصالح جماعية تنعكس عليه بالعافيه، وإذا مزقه بضرب قيم الأسرة والجماعة المتكاملة لصالح ذاته الأنانية، فسيمرض ويمرض معه

هذا الشقاء ينتج عن التربية البعيدة عن الوحي والمستسلمة للوعي المصنوع في مزابل أفكار الليبرالية الغربية، والإعلام الذي يروج لمفاهيمها وأنماط حياتها المليئة بالمكياج والخاوية من صدق المشاعر، ويأتي في هذا السياق ركام الأوراق المختلط بموضات تطوير الذات (تمريض الذات) من كتب تنمية بشرية وروايات تنطلق من رؤى وأنماط العالم الغربي المثقل بالمعاناة النفسية

وبين هذا وذاك، يشمخ المسلم مستشعرا النعمة، مستيقنا بالحق متجها بعزم لاستصلاح فساد الخلق، وهو يعلم أن الظلام المتراكم لا يقوي على مقاومة شعلة نور منفردة، فكيف بنور الوحي العظيم، فأين من يحمل المشاعل؟ بل أين من يحمل هم نفسه التي سينفرد بها حقا في رحلة الآخرة التي بدأت بولادته وستأخذ مسار اللاعودة في لحظة وفاته.. هناك سيجبر على فردانية ينفرد فيها حتى عن العمل، فقد انتهى وقت الحصاد، وأدرك اللاهث خلف الوهم أن معركته لم تكن مع الآخرين لتحقيق ذاته، بل كانت مع ذاته وهو لا يشعر، وهاهي النتيجة النهائية، وقد رفعت الأقلام وجفت صحف العمل، فاللهم هداك ونصرك!

في هذا المصير، سيعلم من انتصر أنه فهم ذاته حقا ففهم واجبه وأدى مهمته وإن سرى وحيدا لا يشعر به أحد، وسيعلم المنهزم أنه عاش الوهم وصارع السراب حتى أتاه اليقين لينتزعه من بين ضجيج الشهرة والاستعراضات الفارغة إلى هدوء صندوق العمل! 

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#العبودية #الإنسان
اقرأ أيضا
المعاصي في سجن الشيطان | مرابط
اقتباسات وقطوف

المعاصي في سجن الشيطان


ومن عقوبات الذنوب أن العاصي دائما في أسر شيطانه وسجن شهواته وقيود هواه فهو أسير مسجون مقيد ولا أسير أسوأ حالا من أسير أسره أعدى عدو له ولا سجن أضيق من سجن الهوى ولا قيد أصعب من قيد الشهوة فكيف يسير إلى الله والدار الآخرة قلب مأسور مسجون مقيد وكيف يخطو خطوة واحدة

بقلم: ابن القيم
305
العقيدة الصحيحة وما يضادها من العقائد الفاسدة ج1 | مرابط
تفريغات

العقيدة الصحيحة وما يضادها من العقائد الفاسدة ج1


إنني لا أريد أن أحدثكم عن المرارة والأسى التي كانت تخيم على الذين لم يعرفوا هدي السماء من الفلاسفة والمفكرين ولكني أحدثكم عن الذين ينتسبون إلى الإسلام ولكنهم انحرفوا في مسارهم شيئا ما فلما شارفت شمس العمر على المغيب ناحوا على أنفسهم وأعلنوا للناس من حولهم أنهم لم يصلوا إلى اليقين الذي جروا وراءه طويلا

بقلم: عمر الأشقر
316
الصين الشيوعية والتركستان المسلمة ج1 | مرابط
توثيقات

الصين الشيوعية والتركستان المسلمة ج1


دولة التركستان الشرقية من الدول الإسلامية المحتلة التي ابتلعتها الصين الشيوعية في سنة 1949م في ظل غفلة المسلمين عن قضاياهم الماسة ونتيجة لفرقة المسلمين وتشتتهم وهي أرض إسلامية خالصة ولقد فصلنا في تاريخها في مقال سابق بعنوان قصة الإسلام في الصين كما ذكرنا الثروات الهائلة التي تمتلكها هذه الدولة الإسلامية الكبرى والإمكانيات الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية والدينية التي تتمتع بها وهذا في مقال آخر بعنوان كنوز التركستان الشرقية وفي مقالنا هذا نرى ماذا فعلت الصين الشيوعية في العقود الثلاثة الأ...

بقلم: راغب السرجاني
322
عن آخر رجل يدخل الجنة | مرابط
مقالات

عن آخر رجل يدخل الجنة


إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغل المرجل ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا وإنه لأهونهم عذابا

بقلم: عبد الله القرني
40
فتح الأندلس يغير خريطة الحضارة والثقافة في العالم | مرابط
تاريخ مقالات

فتح الأندلس يغير خريطة الحضارة والثقافة في العالم


إن فتح الأندلس من الأحداث العظيمة التي حملت للعالم الكثير من المظاهر الاجتماعية والسلوكية والعلمية فقد نشطت حركة العلوم بشكل عام في الأندلس وانتقلت منها إلى أوروبا وتعلم الأوروبيون السلوك الإسلامي القويم من المسلمين في الأندلس وحتى ملامح النظافة الشخصية والرقي المدني والتنظيم الاجتماعي كل هذا انتقل إلى أوروبا بعد فتح الأندلس وفي هذا المقال يستعرض الكاتب راغب السرجاني بعض هذه الظواهر التي أفادت العالم بعد فتح الأندلس

بقلم: راغب السرجاني
1701
شبهة هل الإسكندر الأكبر هو ذو القرنين الذي مدحه القرآن | مرابط
أباطيل وشبهات

شبهة هل الإسكندر الأكبر هو ذو القرنين الذي مدحه القرآن


تقول الشبهة: يمدح القرآن الإسكندر الأكبر ذو القرنين كعبد صالح يؤمن بالله بينما على الجانب الآخر نجد أن جميع مؤرخى الإغريق يجمعون على أنه كان من عبدة الأوثان فكيف يصح ذلك وهذه الشبهة تعتبر مدخلا للتشكيك في القرآن وإثارة الأباطيل حوله من بوابة التاريخ وبين يديكم الرد على هذه الفرية

بقلم: محمد عمارة
482