مناظرات مع رستم قائد الفرس

مناظرات مع رستم قائد الفرس | مرابط

الكاتب: ابن كثير

2075 مشاهدة

تم النشر منذ سنتين

قال سيف عن شيوخه: ولما تواجه الجيشان بعث رستم إلى سعد أن يبعث إليه برجل عاقل عالم بما أسأله عنه. فبعث إليه المغيرة بن شعبة، رضي الله عنه، فلما قدم عليه جعل رستم يقول له: إنكم جيراننا وكنا نحسن إليكم ونكف الأذى عنكم، فارجعوا إلى بلادكم ولا نمنع تجاركم من الدخول إلى بلادنا.

فقال له المغيرة: إنا ليس طلبنا الدنيا، وإنما همنا وطلبنا الآخرة، وقد بعث الله إلينا رسولا قال له: إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني، فأنا منتقم بهم منهم، وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به، وهو دين الحق لا يرغب عنه أحد إلا ذل، ولا يعتصم به إلا عز.

فقال له رستم: فما هو؟

فقال: أما عموده الذي لا يصلح شيء منه إلا به، فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والإقرار بما جاء من عند الله.

فقال: ما أحسن هذا ! وأي شيء أيضا؟

قال: وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله.

قال: وحسن أيضا، وأي شيء أيضا؟

قال: والناس بنو آدم، فهم إخوة لأب وأم.

قال: وحسن أيضا

ثم قال رستم: أرأيت إن دخلنا في دينكم، أترجعون عن بلادنا؟

قال: إي والله، ثم لا نقرب بلادكم إلا في تجارة أو حاجة.

قال: وحسن أيضا.

قال: ولما خرج المغيرة من عنده ذاكر رستم رؤساء قومه في الإسلام، فأنفوا من ذلك وأبوا أن يدخلوا فيه، قبحهم الله وأخزاهم، وقد فعل.

 

قالوا: ثم بعث إليه سعد رسولا آخر بطلبه، وهو ربعي بن عامر، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة والزرابي الحرير، وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة، والزينة العظيمة، وعليه تاجه، وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب، ودخل ربعي بثياب صفيقة وسيف وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضة على رأسه.
 
 فقالوا له: ضع سلاحك.
 فقال: إني لم آتكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت.
 فقال رستم: ائذنوا له.
 فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها.
 فقالوا له: ما جاء بكم؟
 فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله.
 قالوا: وما موعود الله؟
 قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي.
 فقال رستم: قد سمعت مقالتكم، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا؟
 قال: نعم، كم أحب إليكم؟ أيوما أو يومين؟
 قال: لا، بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا.
 فقال: ما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك وأمرهم، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل.
 فقال: أسيدهم أنت؟ قال: لا، ولكن المسلمون كالجسد الواحد يجير أدناهم على أعلاهم.
 فاجتمع رستم برؤساء قومه، فقال: هل رأيتم قط أعز وأرجح من كلام هذا الرجل؟
 فقالوا: معاذ الله أن تميل إلى شيء من هذا وتدع دينك لهذا الكلب! أما ترى إلى ثيابه؟!
 فقال: ويلكم لا تنظروا إلى الثياب، وانظروا إلى الرأي والكلام والسيرة، إن العرب يستخفون بالثياب والمأكل، ويصونون الأحساب.

 

ثم بعثوا يطلبون في اليوم الثاني رجلا، فبعث إليهم حذيفة بن محصن، فتكلم نحو ما قال ربعي.

وفي اليوم الثالث المغيرة بن شعبة، فتكلم بكلام حسن طويل، قال فيه رستم للمغيرة: إنما مثلكم في دخولكم أرضنا كمثل الذباب رأى العسل، فقال: من يوصلني إليه وله درهمان؟ فلما سقط عليه غرق فيه، فجعل يطلب الخلاص فلا يجده، وجعل يقول: من يخلصني وله أربعة دراهم؟

ومثلكم كمثل ثعلب ضعيف دخل جحرا في كرم، فلما رآه صاحب الكرم ضعيفا رحمه فتركه، فلما سمن أفسد شيئا كثيرا فجاء بجيشه، واستعان عليه بغلمانه، فذهب ليخرج فلم يستطع لسمنه، فضربه حتى قتله، فهكذا تخرجون من بلادنا. ثم استشاط غضبا، وأقسم بالشمس لأقتلنكم غدا.

فقال المغيرة: ستعلم.

ثم قال رستم للمغيرة: قد أمرت لكم بكسوة، ولأميركم بألف دينار وكسوة ومركوب وتنصرفون عنا.

فقال المغيرة: أبعد أن أوهنا ملككم وضعفنا عزكم؟ ! ولنا مدة نحو بلادكم، ونأخذ الجزية منكم عن يد وأنتم صاغرون، وستصيرون لنا عبيدا على رغمكم. فلما قال ذلك استشاط غضبا.

 


 

المصدر:

  1. ابن كثير، البداية والنهاية، ج10، ص621
تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#ابن-كثير
اقرأ أيضا
خير أمة | مرابط
اقتباسات وقطوف

خير أمة


خص الله الأمة الإسلامية بكثير من الخصائص والمميزات فهم خير أمة أخرجت للناس أتباع النبي الخاتم الذي لن يأتي بعده نبي آخر ولهذا عصمهم الله من الاجتماع على الضلال وجعلهم شهداء على الناس وخصهم بالرواية والإسناد وحفظ الذكر الذي نزله وغير ذلك وهذا مقتطف لشيخ الإسلام ابن تيمية يتحدث عن الأمر

بقلم: شيخ الإسلام ابن تيمية
1857
رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية إلى والدته | مرابط
اقتباسات وقطوف

رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية إلى والدته


تعلمون أن مقامنا الساعة في هذه البلاد إنما هو لأمور ضرورية متى أهملناها فسد علينا أمر الدين والدنيا ولسنا - والله - مختارين للبعد عنكم ولو حملتنا الطيور لسرنا إليكم ولكن الغائب عذره معه وأنتم لو اطلعتم على باطن الأمور فإنكم - ولله الحمد - ما تختارون الساعة إلا ذلك ولم نعزم على المقام والاستيطان شهرا واحدا بل كل يوم نستخير الله لنا ولكم وادعوا لنا بالخيرة

بقلم: شيخ الإسلام ابن تيمية
314
جوهر العولمة | مرابط
اقتباسات وقطوف

جوهر العولمة


جوهر العولمة هو عملية تنميط العالم بحيث يصبح العالم بأسره وحدات متشابهة هي في جوهرها وحدات اقتصادية تم ترشيدها أي إخضاعها لقوانين مادية عامة مثل قوانين العرض والطلب والإنسان الذي يتحرك في هذه الوحدات هو إنسان اقتصادي جسماني لا يتسم بأي خصوصية

بقلم: عبد الوهاب المسيري
588
هل الإسلام دين هش لنخشى عليه من الشبهات؟ | مرابط
أباطيل وشبهات

هل الإسلام دين هش لنخشى عليه من الشبهات؟


فعامة الناس والشباب معهم إيمان مجمل قد تزعزعه رياح الشبهات إذا لم يتيسر له متخصص أو مطلع يزيل أشباحها عنه ولذلك يفترض أن يكون السؤال معكوسا فالسؤال ليس: لماذا نخاف على غير المتخصصين من الشبهات؟ بل السؤال: لماذا نخاطر بإيمان غير المتخصصين والمطلعين من أجل شعارات الثقافة الغالبة؟

بقلم: إبراهيم السكران
379
ما ذنب من لم يقتنع بالإسلام | مرابط
أباطيل وشبهات

ما ذنب من لم يقتنع بالإسلام


يخرج علينا بعض المشككين بتساؤل جديد وهو: ماذا إذا لم يقتنع الشخص بالإسلام ما ذنبه في ذلك لماذا يحاسب على هذا أو حتى يلام على قناعاته العقلية لماذا يدخل النار والحقيقة أن هذا التساؤل فيه خلط وأباطيل كثيرة وفي هذا المقال الموجز والمختصر رد على التساؤل وتوضيح ما به من خطأ

بقلم: موقع هداية الملحدين
1194
سماع كتب السنة واكتساب اللغة | مرابط
لسانيات

سماع كتب السنة واكتساب اللغة


من أعظم ما يعين على اكتساب اللغة سماع الكلام الفصيح المعرب وما ضعفت لغتنا وكثر لحننا إلا عندما قل سماعنا له. وقد كان العربي لا يلحن لأنه لا يسمع اللحن فلما خالط الأعاجم دب إليه اللحن وسقط الاحتجاج بكلامه ولذلك احتج علماء اللغة بشعراء الحاضرة إلى منتصف القرن الثاني لأنهم اختلطوا بالأعاجم أما شعراء البادية فاحتجوا بشعرهم إلى منتصف الرابع.

بقلم: ياسر المطيري
300