إرادة العبد

إرادة العبد | مرابط

الكاتب: إبراهيم السكران

400 مشاهدة

تم النشر منذ سنة

السؤال:
هل الإنسان عنده إرادة حرة، أم تابعة، أم مخلوقة؟

الإجابة:
الحمد لله وبعد: قال الله: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}، فأثبت للعبد مشيئة، وإرادة وقدرة. وقال سبحانه: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}، فأخضع مشيئة العبد لمشيئة الله فصارت "إرادة العبد خاضعة لإرادة الله".

وقال سبحانه {واللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}، فأثبت أن إرادة العبد وقدرته وعمله مخلوق لله، فصارت إرادة العبد: خاضعة لمشيئة الله، ومخلوقة لله.

حسنًا، هل لإرادة العبد وقدرته تأثير؟ فالجواب أن التأثير لفظ مجمل، إن أريد "التأثير المستقل" عن الله فباطل، وإن أريد "التأثير السببي" فهذا حق، والتأثير السببي يكون بقدرة تامة وإرادة جازمة للعبد، مع مشيئة الله بتوفيق العبد التي مدارها على الإعانة وحبس المانع المعارض عنه.

وهذا جواب بقدر ما في سؤال السائل، وإلا فإن أبواب العلم تتفاوت في شدة ترابط مسائلها المدرجة فيها، ومن أكثر أبواب العلم في تواشج مسائلها ببعضها، وانبناء بعضها على بعض "باب القدر"، فلا يجد الباحث برد اليقين حتى يعرف أصوله الناظمة، ثم كيف انبنت فروعه عليها، وكيف انفلقت مقالات الطوائف في الباب بالسبب الجامع لها كلها وهو: أخذ بعض نصوص القدر، وترك بعض نصوصه الأخرى، إما لهوى أو لعجز عن التمييز والفرز. ثم ما يترتب على ذلك من الدخول في دوامة تأويلات لمعاني شرعية أخرى لدفع الشنعة بلوازم القول الفاسد، فكل طائفة تفسرها على مقتضى أصولها، ثم اشتقاق ألفاظ حادثة لحل الإشكالات التي نشأت عليهم؛ فتزيد الأمر تعقيدًا بما فيها من الإجمال، فيتصل نقاش هذه المسائل في الباب من هذا المدخل.

الاشتراك

وأما ينبوع الشبهات في الباب فهو "الاشتراك" في الألفاظ كالاشتراك مثلًا في لفظ "التأثير" في مسألة قدرة العبد، واشتراك الإرادة الإلهية، ونحو ذلك.

وأما مدار الباب وجوهره ومعقده فهو: فهم المراتب الأربع للقدر (العلم، الكتابة، المشيئة، الخلق)، فمن فهمها حقًا سيجد في نفسه استغراب كثير من الأسئلة المطروحة في الباب، لكن أكثر الناس يسألون عن الفرع المعين بمعزل عن أصله، ويستثقلون فهم الكلي، حتى يكون إشكالهم الفرعي طريقًا في كثير من الحالات إلى استيعاب الكلي، فإذا استوعبوه وجدوا في نفوسهم الاستخفاف بجنس أسئلتهم السابقة.

ومن أصول باب القدر الناظمة له والتمييزات التي تحل أسئلته: التمييز بين الإرادة الكونية والشرعية المستلزمة للرضا والمحبة، والتمييز بين استطاعة التمكن السابقة للفعل، واستطاعة الإيجاب المقارنة للفعل، والتمييز بين الشر المطلق، والشر الإضافي، والتمييز بين الفعل، والمفعول الإلهي، والتمييز بين حسن الفعل، وقبحه المعلوم بالعقل، وبين استحقاق العقوبة عليه المفتقر للحجة الرسالية، وإثبات الحكمة وأنها قد تعود للخالق أو للعبد على وجه الإنعام، وأن استكمال الرب بفعله ليس احتياجًا لغيره.

ثم فهم كيفية تسلسل هذه المحدثات باستيعاب تلازماتها، مثل احتياج الطوائف لتأويل بعض المعاني لتخرج من ورطة لوازم مذهبها في باب القدر، كتأويل الجهمية والأشعرية للظلم بأنه التصرف في ملك الغير بغير إذنه ليتخلصوا من كون عقوبة المجبر ظلمًا.

وكثير من أسئلة الباب طرحها أوائل الجهمية والمعتزلة، ثم خاض فيها متكلمو فقهاء المذاهب، فاضطر محققو مذهب السلف للتنصيص على آحاد مذهب السلف في مثل هذه الفروع الكلامية، لأنه قد لا يتبين لكثير من الناس الصلة بين الكلي والجزئي قبل إيقافه عليه، ولذلك ما أكثر ما تجد من يعتمر جمل السلف العامة، ثم تدخل عليه تفاصيل العقائد الكلامية دون استشعاره، حتى يتم إيقافه على تناقض الجزئي الكلامي مع الكلي السلفي. والله أعلم.

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#الإرادة
اقرأ أيضا
ماذا لو | مرابط
تعزيز اليقين فكر مقالات

ماذا لو


عندما نسمع الآيات التي تتكلم عن القدر والأحاديث مثل واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك فلنعلم أنها تذكرنا بحقيقة أن هذه الأقدار إنما قدرها الله الذي نعلم عن علمه وحكمته ولطفه ورحمته وعدله فلنسلم له أنفسنا بطمأنينة

بقلم: إياد قنيبي
2254
هل اتجه عمر رضي الله عنه إلى تقليل رواية الحديث | مرابط
أباطيل وشبهات تعزيز اليقين مقالات

هل اتجه عمر رضي الله عنه إلى تقليل رواية الحديث


يناقش الكاتب محمد أبو شهبة بعض الشبهات المثارة حول السنة النبوية قديما وحديثا والتي روج بعضها المستشرقون وتلقفها بعدهم أحفادهم من منكري السنة والعلمانيين وأعداء الملة والدين وفي هذا المقال يناقش دعوى أن سيدنا عمر رضي الله عنه اتجه إلى تقليل رواية الأحاديث والاكتفاء بالقرآن الكريم فقط

بقلم: محمد أبو شهبة
2994
هل مجتمعنا خير من مجتمع رسول الله | مرابط
فكر مقالات

هل مجتمعنا خير من مجتمع رسول الله


أعرف أحد المنتسبين للثقافة إذا طرح أي فكرة في مقالاته لا بد أن يذيلها بمقولة مع الالتزام طبعا بضوابط الشريعة ولا يمل من تكرار هذه الجملة بشكل يطمئن القارئ لكنه في المجالس الفكرية المحدودة يعلن صراحة بأنه كما يقول: يارجل لا حل لنا إلا بالعلمانية وتحويل الدين إلى خيار شخصي محترم فقط كل المجتمعات المعاصرة لم تتقدم إلا بالعلمانية الدين شيء رائع ونبيل ولكنه يجب أن يبقى ممارسة ذاتية

بقلم: إبراهيم السكران
1080
بيان سنن الله في الكون | مرابط
تاريخ تفريغات

بيان سنن الله في الكون


هذا البيان الذي جاء من عند الله تعالى ببيان سننه وببيان المعادلة الواضحة بين الحق والباطل وبيان الفرق الشاسع بين أهل الجنة وأهل النار بيان أي: إيضاح يحتاج الناس إليه فهو علم من علم الله تعالى وهو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك هذا بيان للناس.

بقلم: محمد الحسن الددو الشنقيطي
297
تحديد المنهجية في انتقاء الكتب | مرابط
تفريغات

تحديد المنهجية في انتقاء الكتب


ما هو السبيل إلى الانتفاع بالكتب وهي كثيرة لأنك إذا دخلت في الكتب على غير منهج تفارق عليك أمرك فأفضل وسيلة بعدما تأخذ قدرا من العلم وهذا كلام موجه إلى من انتهى من الفرض العيني ويريد أن يتخصص يعني كلامنا ليس للذين يطلبون الفرض العيني فأفضل وسيلة أن تأتي لكل فن من الفنون بأفضل كتاب وأشده تحريرا وتبدأ تخدم هذا الكتاب وتقرؤه بتمعن فافترض مثلا أنك تبنيت كتابا فقهيا فتأخذ -على سبيل المثال- نيل الأوطار أو سبل السلام -وله متن أيضا- على أساس أنه من أقصر الكتب وأفضلها

بقلم: أبو إسحق الحويني
585
البخاري غير معصوم لكن كل ما في كتابه صحيح | مرابط
تعزيز اليقين مقالات

البخاري غير معصوم لكن كل ما في كتابه صحيح


إن عدم العصمة لا يقتضي حتمية وجود الخطأ في كل ما يروي غير المعصوم وإنما يقتضي احتمال وجود الخطأ وإذا كان الأمر كذلك فإن على من يدعي وجود الخطأ ألا تكون حجته مرتكزة على مجرد عدم عصمة الكاتب أو الراوي لأن صيغة حجته ستكون عندئذ كما يلي: الكاتب غير معصوم إذن احتمال الخطأ فيه وارد إذن هو مخطيء وهي كما ترى حجة فاسدة وذلك أن احتمال الخطأ هو بالضرورة العقلية احتمال للصواب وإذن فعلى من يدعي وجود الخطأ أن يأتي بحجة مستقلة تثبت وجوده ولا يعتمد على مجرد احتمال وجوده

بقلم: جعفر شيخ إدريس
472