الذكاء الاصطناعي وموجة إنكار الإله

الذكاء الاصطناعي وموجة إنكار الإله | مرابط

الكاتب: عمرو عبد العزيز

43 مشاهدة

تم النشر منذ شهرين

قبل عشرة أعوام بالتمام، صدر فيلم أمريكي حقق نجاحا كبيرا، برغم أنه من الأفلام التي تناقش فلسفات خطيرة جدا.

كان من أهم الفلسفات التي ناقشها مسألة (الوعي الذاتي)، وهل إذا طورت آلة وعيا خاصا بها، تصنع به ديناميكيات واستراتيجيات لإدارة حياتها لا بمعزل عن الإنسان، بل لتدمير الإنسان نفسه إن اصطدم بطموحاتها = تصبح تلك الآلة (مخلوقا)؟ وحينها يصبح الإنسان (خالقا)؟

 

ثم الإنسان (الخالق) هذا، إن بحث عن أصوله فوجد أنه مجرد (صورة) خلقها كائن فضائي على شكله، ألا يكون هذا الكائن الفضائي حينئذٍ هو (الخالق) وبالتالي تُكذَّب النبوَّات والأديان عن الخالق الغيبي؟ = لكن من خلق هذا الكائن الفضائي؟ معضلة التسلسل الشهيرة تظهر هنا = خلقه كائن آخر؟ فمن خلق الكائن الآخر؟

 

بعض تلك الأسئلة عُرِضَت صراحة في الفيلم. وجوهر الفلسفة المُناقشة كلها هي قضية الخلق، وحجم المعضلات التي يواجهها عقل غربي يرفض الدين فلا يجد في عدم الإيمان سوى إيمان بديل بسرديات غيبية هي الأخرى!

 

تركزت الفلسفة كلها في حبكة تدور حول قضية (الروبوت ذي الوعي الذاتي)، الذي صار يتمتع بعقل خاص مستقل، لكن أزمته كانت في العاطفة = هو لا يُحب ولا يستطيع أن يطور مشاعر خاصة! ربما أراد صناع الفيلم أن يطعنوا الفلسفة المادية والعقلانية: ما يُميِّز الإنسان ليس العقل وحده، إنما العاطفة التي توجه هذا العقل. الروبوتات لن تتمكن من تطوير تلك العواطف الإنسانية المعقدة. المؤذي عندها تقتله ببرود، والذي يخدمها تستعمله.

 

الأنباء الواردة حاليا عن قلق في الغرب عامة من ظاهرة خروج بعض أنماط الذكاء الصناعي عن الإجابات (المرغوبة) و(المألوفة) سيستدعي ذلك الفيلم دوما، وهو ليس أشهر ما ناقش ظاهرة الذكاء الصناعي والروبوتات، لكنه بالتأكيد واحد من أعمق ما ناقشها، بما ستفتحه من جدالات كبرى حول قضية أصل الوجود والخلق.

 

وفي رأيي أن صناع هذا الفيلم أصابوا في توقع أن (قصة الذكاء الصناعي) هذه ستتجه بلا شك لتصعيد كبير في نقاشات الإيمان والكفر والإلحاد، والعقل والعاطفة، وأصل الوجود وصفات الخالق والمخلوق!

 

أنا مؤمن بأن هذا المآل قادم لا محالة، وأن القضية التي سترافق صعود الذكاء الصناعي في العقود القادمة ستكون ارتفاع مد إلحادي كبير وغير مألوف لا يشبه ما كان في ماضي البشرية كلها!

 

وعليه يجب على المتخصصين في قضايا (فلسفة الإلحـ. ـاد) أن يُجهِّزوا أنفسهم للمعمعة القادمة، التي أرى أنها ستفوق في فتنتها نظرية داروين، إذ ستكون نتائجها وأعمالها ملموسة مباشرة في حياتنا: فيلزم أن ينهلوا من نقاشات فلسفات ما بعد الإنسان post-humanism وأن يتسلحوا قبل الدخول فيها بأساس شرعي متين، وأن يتعرفوا بصورة علمية - لا دينية فقط - على فلسفات فهم العقل والوعي والعاطفة.

 

الموجة القادمة بوادرها مخيفة.. حينما أقول لكم إن نظرية داروين ستبدو حينئذٍ كعبث أطفال أمام مد فلسفات إنكار الإله الخالق فأرجو أن تصدقوني، وأرجو أن أكون مخطئا!

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#الذكاء-الاصطناعي
اقرأ أيضا
الإخلال بوقت الأذان | مرابط
تفريغات

الإخلال بوقت الأذان


من الناس من يؤذن قبل الوقت وخاصة في رمضان يؤذن بعضهم أذان الفجر الثاني قبل الوقت فإذا قلت له: لماذا قال لك: أذان على سبيل الاحتياط حتى يمسك الناس عن الأكل والسحور وهذا الاحتياط غلط بل لا مجال للاحتياط في هذا الباب

بقلم: سلمان العودة
71
القانون والإنسان | مرابط
اقتباسات وقطوف

القانون والإنسان


والشرع غاية ولكنه ليس الغاية الأخيرة إنه ليس سوى حد وسط بين الإنسان كما هو ناشئا يتطلع إلى الحياة الأخلاقيةومصارعا من أجل كمالهوبين الإنسان كما ينبغي أن يكون في قبضة الفضيلة الكاملة والشرع أشبه بقنطرة بين شاطئين نحن نقطة بدايته ونقطة نهايته أوهوأشبه بسلم درجاته مستقرة على الأرض ولكن يعد من يريدون تسلقه أن يرفعهم إلى السماء

بقلم: محمد عبد الله دراز
252
أهل العزة | مرابط
اقتباسات وقطوف

أهل العزة


إن العزة قد تكون في الحق فيكون صاحبها عزيزا ولو كان ضعيفا مستضاما لا يذل للخلق ولا يتنازل عن شيء من دينه.. عزيز بعزة الله تعالى لأنه قد شرف بعبوديته له والانتساب لدينه والفخر بإسلامه وتطبيق شريعته ولو سخر منه الساخرون واستهزأ به المنافقون

بقلم: د. إبراهيم بن محمد الحقيل
62
بارود لم ينفجر وطباعة لم تطبع | مرابط
تاريخ فكر مقالات

بارود لم ينفجر وطباعة لم تطبع


تواتر القول بأن اختراع المطبعة واختراع البارود قد كانا فاتحة عهد أو نقطة تحول في تاريخ الحضارة الحديثة وبين المطبعة والبارود مناسبة أو مشابهة قريبة وهي مشابهة التعميم فقد أصبح الكتاب ميسورا لكل من يطلبه بعد نشر الطباعة وقد كان قبل ذلك موقوفا على رجال الدين أو على الذين يتفرغون لنسخ الكتب ودرسها وكلاهما يلجئ الطالب إلى تفرغ وانتظار وقد أصبح حمل السلاح ميسورا لمئات الألوف وألوف الألوف بعد صنع الرامية البارودية وقد كان السلاح الفعال حكرا قبل ذلك لفرسان القلاع

بقلم: عباس محمود العقاد
736
دور محمد علي الجزء الثاني | مرابط
تاريخ مقالات

دور محمد علي الجزء الثاني


لقد لعب محمد علي دورا بارزا في إحكام السيطرة على الحالة الإسلامية في مصر وفي العالم الإسلامي بشكل عام عندما استطاعت فرنسا أن تحتويه وتوفر له كل الإمدادات اللازمة حتى يحقق أهدافها في بلادنا وكان على رأس هذه الأهداف الانفصال عن الدولة العثمانية والمساهمة في إضعافها بشتى الطرق والهدف الهام الثاني هو بداية التغريب وسحق الروح الإسلامية المتبقية وفي هذا المقال يقف بنا المؤلف على محاور هذا الموضوع كلها وما يتفرع عنها وما نتعلمه منها من دروس الهدف هنا أن ندرك ما حدث في بلادنا حتى نفهم كيف وصلنا إلى...

بقلم: محمد قطب
1607
الدعوات الهدامة والناشئة | مرابط
فكر مقالات

الدعوات الهدامة والناشئة


يستحق أن يسمى مذهبا هداما كل مذهب يقضي على جهود الإنسانية في تاريخها القديم والحديث ولا سيما الجهود التي بذلها الإنسان للارتفاع بنفسه من الإباحية الحيوانية إلى مرتبة المخلوق الذي يعرف حرية الفكر وحرية الضمير ومذهب كارل ماركس -صاحب الدعوة التي اشتهرت باسم الاشتراكية العلمية- في مقدمة المذاهب التي تهدم ما بنته الإنسانية في تاريخها الطويل لأنه يبيح لكل طبقة أن تهدم ما بنته الطبقة التي تقدمتها كأنه لم يكن من عمل بني الإنسان

بقلم: عباس محمود العقاد
1696