المستبد الليبرالي

المستبد الليبرالي | مرابط

الكاتب: إبراهيم السكران

1775 مشاهدة

تم النشر منذ سنة

الحمد لله وبعد، أن يكون (مستبدًا) وبنفس الوقت (ليبراليًا) كأنها عبارة مركبة مبنية على التناقض الداخلي، أليس كذلك؟

نعم، هو كذلك، لكن هذا ما كشفته الدراسة الجديدة المدهشة في معرض الكتاب الحالي 1434 هـ بعنوان (الليبراليون الجدد) للباحث السعودي أحمد بن عبد العزيز القايدي، ويقع هذا البحث الصادم في 200 صفحة تقريبًا، في هذه الدراسة المكثفة ترسانة من الشواهد والمعطيات التي تبرهن أن عموم (الليبراليين الجدد) يقفون مع النظم الديكتاتورية المستبدة لفرض الحرية الليبرالية! ويرفضون ويرتابون بالديمقراطية في البلدان الإسلامية لأنها لن تأتي بالحرية الليبرالية بسبب الرفض الشعبي لها!.

 

التعاون مع الأنظمة الديكتاتورية

 

هل تعلم مثلًا أن الكاتب الليبرالي "العفيف الأخضر" كتب مقالًا بعنوان (كونوا حزب الملك لإنقاذ المغرب) يحاول فيه إقناع النخب السياسية المغربية بالتحالف مع الديكتاتور ملك المغرب للوقوف ضد الإرادة الشعبية ذات التوجه الديني؟! ويصف شاكر النابلسي الصلف الاستئصالي الديكتاتوري لنظام الرئيس السابق بورقيبة بأنه: (استراتيجية ليبرالية ناجحة يجب استلهامها)! ولما أراد الشعب التونسي محاكمة الرئيس ابن علي كتب الليبرالي "العفيف الأخضر " رسالة للقضاة يقول (ليكن شعاركم الشارع ينبح)! هذه بعض الشواهد التي عرضها المؤلف، وثمة غيرها في الكتاب.

 

حرب على الشريعة ودعوة إلى الإباحية والرذيلة

 

وأكثر فصول الكتاب ألمًا وحزنًا هي تلك الفصول التي عرض المؤلف فيها أفكار ومقولات (الليبراليين الجدد) المصرحة ببجاحة ضد أحكام القرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم باعتبارها شرائع بدائية قديمة انتهى زمنها، (شرّف الله القرآن والسنة عن ذلك)!

 

بل يصل التطرف الليبرالي أقصاه حيث ينقل المؤلف نصوص واقتباسات لـ(الليبراليين الجدد) يدعون فيها لإصلاح التعليم عبر إشاعة نظريات داروين وفرويد والثقافة الجنسية! بل ساق المؤلف عددًا من النصوص لليبراليين الجدد ليس فيها أدنى حياء من ذكر الفواحش –أكرمكم الله- والتصريح بأنها من الحرية، كما يقول أحد الليبراليين الجدد مثلًا "المالك لفرجه يستمتع به على هواه، بضابط واحد وحيد: التعاقد الحر بين الراشدين"، ويقول أحد الليبراليين الجدد في تمثيل لا يخفي الحدود المتطرفة "أريد أن تصبح المرأة المسلمة مثل المرأة الأوروبية والأمريكية والروسية".

 

وهناك توتر وانفعال عجيب لدى الليبراليين الجدد حين يتناولون ظاهرة عودة المسلمات إلى حجاب الرأس، حتى إن إحدى الكاتبات الليبراليات النشطات تقول "كلما رأيت رؤوس المحجبات التي أصبحت تملأ شوارع مدننا؛ تذكرت الأكفان البيضاء"، ومن الطريف، بل المضحك، حقًا، ما نقله المؤلف عن عدد من (الليبراليين الجدد) في إيمانهم بإصلاح العالم العربي عبر الموسيقى! كما يقول أحدهم نصًا: "ضرورة تشجيع التعليم والإعلام لكل المناشط التي تشجع غرائز الحياة، مثل: تنظيم الحفلات والمهرجانات الموسيقية السنوية، والإكثار من المسلسلات الخاصة بنجوم الغناء والموسيقى"، ويقول آخر: "تدريس الموسيقى والفنون التشكيلية من رسم ونحت وخلافه في كافة المراحل" ونحو هذه الشواهد، حتى أن المؤلف بدا مستغربًا في الصورة النهائية التي يراد للمنشآت التعليمية أن تكون عليه؟ هل يراد لها أن تكون مدارس علمية أم نوادي ليلية؟!

 

التخابر لصالح أمريكا

 

وفي فصل بعنوان (التخابر لصالح أمريكا) استعرض المؤلف شواهد حاسمة تثبت تورط الليبراليين الجدد في علاقات عمالة مكشوفة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ورفع التقارير لمسؤوليها لإرشاد أمريكا لأحسن الطرق في الهيمنة الغربية على المنطقة!، وكل ما سبق قد يكون بعض المراقبين على اطلاع على بعضه، لكن القارئ السعودي قد يتفاجأ فعلًا بفصل ساخن عقده المؤلف وطرح فيه على الطاولة معطيات يرى من خلالها أن هناك تعاوناً بين (الليبراليين الجدد) وبين (التنويريين السعوديين) حيث يقول المؤلف: "يؤكد الليبراليون الجدد على أهمية التعاون مع الاتجاه التنويري" ثم استعرض المؤلف أسماء شخصيات سعودية تنسب للاتجاه التنويري بحسب رؤية المؤلف، ويثمن الليبراليون الجدد الدور الذي قامت به هذه الشخصيات.

 

حفاوة بالتيار الليبرالي السعودي

 

وفي رصد للمؤلف لا يخلو من طرافة وجدّة لاحظ أن الليبراليين الجدد في العالم العربي شديدي الحفاوة والاهتمام بالليبرالية السعودية، حتى أن أحد الليبراليين الجدد كتب كما يقول: "تسعة كتب كلها خاصة بالشأن السعودي"! فما تفسير هذا الاهتمام الليبرالي العربي بالليبرالية السعودية؟ طرح المؤلف –بحسب رؤيته- سببين لذلك. وفي أواخر الكتاب بدأت درجة حرارة المعطيات تزداد توهجًا، حيث استعرض المؤلف عدة قرارات رسمية محلية لها علاقة بالليبراليين الجدد، لا أرى من المناسب عرضها في هذه القراءة لحساسيتها المعروفة.

 

في تقديري أن هذا الكتاب سيكون له دوي وصدى سعودي بسبب ملامسته لعدد من خطوط التماس المحلية، الفكرية والسياسية، وخصوصًا أن المؤلف اهتم كثيرًا بالتوثيق والبرهنة، وستكون أمام المؤلف قراءات ونقد من شتى الاتجاهات، حتى الإسلامية منها.

 

والحقيقة أنني لما كنت أقرأ الشواهد التي عرضها المؤلف في ترحيب الليبراليين الجدد بالمستبد الذي ينصر الليبرالية، ونفورهم من الديمقراطية، مكثت أتساءل عن السبب؟ وظهر لي أن الليبراليين الجدد يشعرون في قرارة أنفسهم بأنهم منبوذون شعبيًا، ولذلك فالديمقراطية تعني صعود قرارات شعبية تخالف توجهاتهم، ولذلك تحولوا من الديمقراطية إلى فكرة (المستبد الليبرالي) لأنهم آمنوا أن النظم الديكتاتورية المستبدة هي التي ستنصر أفكارهم التغريبية وتفرضها بالقوة على الشعوب المسلمة.

 


 

المصدر:

  1. https://ar.islamway.net/article/57279/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%8A%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A
تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#إبراهيم-السكران #مراجعات-كتب
اقرأ أيضا
كيف تقرأ كتابا ج3 | مرابط
تفريغات

كيف تقرأ كتابا ج3


من الأمور التي تشد أو تحبب القراءة للشخص أن يحس بالمردود وإذا كان المردود سريعا كان تحبيب القراءة أو حبه للقراءة أكثر فمثلا: لو أن الإنسان قرأ مسألة فقهية ثم تعرض لها فإنه يستأنس جدا لأنه يعرف الجواب مثلا: لو قرأت عن الحج ثم ذهبت إلى الحج سيكون إحساسك بفائدة القراءة كبيرا لو قرأت كتابا في صفة الوضوء أو صفة الصلاة وأنت تطبق ذلك يوميا ستشعر بحب للقراءة لأن الثمرة مرئية ومشاهدة وسريعة

بقلم: محمد صالح المنجد
136
باطل مشرق | مرابط
فكر مقالات

باطل مشرق


وهذه الرقعة المتراحبة من حدود الصين إلى المغرب الأقصى والتي تسكنها أمم ورثت اسم الإسلام فنسبت إليه ووصفت به تعيش اليوم في بريق متلالئ من هذا الباطل المشرق فمنذ أكثر من مائتي سنة ضربها الغازي الصليبي المستعمر ضربة رابية حتى خرت عاجزة ثم ظل يضربها حتى همدت أو كادت وفي خلال ذلك كان الغازي يستحييها بحياة غريبة عنها حتى يأتي يوم تتبدل فيه من حياة كانت إلى حياة سوف تكون وكذلك يقضي قضاء ساحقا على أسباب الحياة الأولى الحياة التي كانت تعرف بالحياة الإسلامية

بقلم: محمود شاكر
1277
المدارس العالمية وتعلم اللغات | مرابط
فكر لسانيات

المدارس العالمية وتعلم اللغات


لي تجربة مع ولدي كان العمل يعطيني بدلا للتعليم يدخله أغلى مدرسة دولية لكنني فضلت لغة دينه وأمته ثم لما اطمأننت عليها دفعته قبل الجامعة بعام أو عامين لتعلم الإنجليزية فأتقنها وها هو الآن يدرس بها فلا هو ضيع لغته ودينه ولا هو تأخر عن غيره من أهل اللغة التي يدرسونها منذ نعومة أظفارهم على حساب لغة قرآنهم وأمتهم.

بقلم: د.خالد حمدي
39
الابتلاء بالسفهاء | مرابط
مقالات

الابتلاء بالسفهاء


الجامع المشترك بين أولئك السفهاء هو: اتباعهم للخواطر النفسية الغضبية الشيطانية دون مراجعة ومحاسبة عميقة توقفهم أمام المحكمات وتكفهم عن سوء الظن ووتحجبهم عن الاستعجال في الحكم على المسلمين وتذكرهم بخطورة موقف السؤال بين يدي الله تعالى عن حقوق المسلمين.

بقلم: أحمد يوسف السيد
53
عوائق بر الوالدين | مرابط
تفريغات

عوائق بر الوالدين


إن الله تبارك وتعالى إذا يسر للإنسان البر ورأى دلائله فما عليه إلا أن يشكر فإن الله تأذن بالمزيد لمن شكر إذا وجدت سرور الوالدين بك ورضاهما بما كان منك فاحمد الله عز وجل على نعمته واسأله المزيد من فضله نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا البر برحمته

بقلم: محمد مختار الشنقيطي
85
باب الشهوة: تعس عبد الدرهم | مرابط
اقتباسات وقطوف

باب الشهوة: تعس عبد الدرهم


والشهوة تفتح باب الشر والسهو والخوف فيبقى القلب مغمورا فيما يهواه ويخشاه غافلا عن الله رائدا غير الله ساهيا عن ذكره قد اشتغل بغير الله قد انفرط أمره قد ران حب الدنيا على قلبه كما روي في صحيح البخاري وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش إن أعطي رضي وإن منع سخط

بقلم: شيخ الإسلام ابن تيمية
115