دور محمد علي الجزء الثالث

دور محمد علي الجزء الثالث | مرابط

الكاتب: محمد قطب

1941 مشاهدة

تم النشر منذ سنتين

الهزيمة الداخلية 

 

لا الهزمة العسكرية وحدها تصنع هذا في الأمة ذات العقيدة، ولا التخلف العلمي والحضاري والمادي وحده يصنع ذلك، ولا حتى اجتماع الهزيمة والتخلف معا يمكن أن يؤدي إلى كل ذلك الانهيار..
 
إنما هي الهزيمة الداخلية، الناجمة من التخلف العقدي
"ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين"
 
إن اشتراط الإيمان في الآية الكريمة لا يجئ عبثًا! فالإيمان الصحيح وحده هو الذي يحول دون الوهن والحزن في حالة الهزيمة أمام الأعداء، ويحول دون النتائج التي تترتب على الوهن والحزن، وهي الاستسلام للأعداء، والكف عن مقاومتهم والكف عن محاولة منازلتهم من جديد..
 
والاستعلاء قرين الإيمان.
 
الاستعلاء على الجاهلية والنظر إليها على أنها جاهلية ولو كانت تملك ما تملك من أدوات النصر العسكري ومن أدوات التمكن المادي في الأرض.
 
والآية الكريمة ترد المؤمنين إلى الميزان الحقيقي والمعيار الحقيقي.. فحين تكون القضية هي قضية الكفر والإيمان، فالمؤمنون هم الأعلون ولو أصابتهم هزيمة مؤقتة أو ضعف مادي مؤقت، لأن الإيمان بذاته أعلى من الكفر، أعلى منه نفسيا وروحيا وعقليا وأخلاقيا وإنسانيا بمقدار ما يعو الحق على الباطل، والمنهج الصحيح على المنهج الفاسد، والرؤية الصحيحة على الرؤية الخاطئة، والسلوك المستقيم على السلوك المعوج.
 
"أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أم من يمشي سويا على صراط مسقيم"

 

هذا من الوجهة النفسية والشعورية والوجدانية التي تمنع الذوبان في العدو، أو الهزيمة الروحية أمامه.

 

ومن الوجهة العملية حين يستيقن المؤمنون بأنهم هم الأعلون بالعقيدة الصحيحة والمنهج الصحيح -ولو أصابتهم هزيمة مؤقتة أو ضعف مادي مؤقت- فإن هذا اليقين ذاته هو الذي يعينهم على أن يقوموا من كبوتهم، ويسترجعوا قوتهم، ويتأهبوا لمنازلة الأعداء من جديد:  
 
"الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل"

 

الإيمان الصادق

 

الإيمان الصادق إذن، بمفهومه الإسلامي الصحيح، لا بالمفهوم الإرجائي ولا المفهوم الصوفي، ولا المتفلت من التكاليف الربانية، هو الذي يعصم الأمة من الهزيمة الروحية أمام الأعداء، وإسلام القياد لهم، والرضى بالتبعية لهم... فهل كان هذا الإيمان موجودا بصورته تلك حين اقتحم الصليبيون بلاد الإسلام، وطغوا فيها وأكثروا الفساد؟
 
كلا بلا شك..
 
ولو كان موجودا بصورته تلك، ألتي نزل بها من عند الله، وعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، لما حل بالمسلمين ما حل بهم مهما يكن حالهم من ضعف القوة العسكرية والتخلف في الناحية العلمية والمادية والتنظيمية.. إنما كان الإيمان كفيلا بأن يبعث الأمة لتزيل عنها ضعفها، وتستدرك تخلفها، وتقوم لمناجزة الأعداء من جديد..
 
حقيقة كان هناك إيمان من لون ما..
 
هو الذي جعل الأمة تقاوم الغزو الصليبي، وتجاهده مجاهدة إسلامية، أي تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وتنظر إليه على أنه غزو من قبل الكفار لبلاد الإسلام تنبغي مجاهدته وإزالته؛ وتقاوم ما وسعتها المقاومة عملية تنحية الشريعة الإسلامية وإحلال القوانين الوضعية محلها، على أساس أن هذا كفر يخرج الأمة من الملة إلى رضيت به.
 
كما جاهدت الأمة الإسلامية في مصر حملة نابليون الصليبية، ومنعته من إحلال قانونه محل الشريعة الإسلامية، كما جاهد المسلمون في الشمال الإفريقي ضد الغزو الصليبي الفرنسي، وفي الهند ضد الغزو الصليبي الإنجليزي، وفي أندونيسيا ضد الغزو الصليبي البرتغالي ثم الهولندي.. وباختصار: في كل مكان واجهت فيه الأمة الإسلامية غزو أوربا الصليبية لبلادها.
 
ولكن هذا الإيمان كان قد اعتراه ما بيناه من قبل من الفكر الإرجائي، والاتجاه الصوفي، والتفلت من التكاليف، فضلا عن تحوله عند العامة إلى مجموعة من الخرافات ومجموعة من التقاليد.. لذلك لم يصمد طويلا للغزو، رغم بسالة المقاومة التي أبداها في جهاده.. فلما انهار كان انهياره عنيفًا غير معهود من قبل.. وانهارت معه الأمة وأسلمت نفسها للتيار.

 


 

المصدر:

  1. محمد قطب، واقعنا المعاصر، ص191
 
 

 

 

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#محمد-علي
اقرأ أيضا
مخالفة المرجئة لمنهج السلف: إخراج العمل عن الإيمان | مرابط
أباطيل وشبهات تعزيز اليقين تفريغات مناقشات

مخالفة المرجئة لمنهج السلف: إخراج العمل عن الإيمان


ومنهج أهل السنة والجماعة في قضايا الإيمان والتوحيد أن الإيمان قول وعمل واعتقاد وهذا خلافا للمرجئة فالإيمان بإجماع أهل السنة والجماعة: تصديق بالجنان وقول باللسان وعمل بالجوارح والأركان والإيمان قول وعمل القول باللسان فإذن قول القلب وعمل القلب وعمل اللسان وعمل الجوارح الإيمان حقيقة مركبة من هذه الأشياء الأربعة وفي هذا المقال بيان لحقيقة الإيمان وخلاف المرجئة فيه

بقلم: محمد صالح المنجد
1145
سقوط الجانب الأخلاقي في الغرب | مرابط
اقتباسات وقطوف

سقوط الجانب الأخلاقي في الغرب


مقتطف من كتاب العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة لعبد الوهاب المسيري يذكر فيه أصل الإشكالية الأخلاقية في الغرب وكيف قادت النسبية المتزايدة إلى انهيار كل شيء تقريبا فالإنسان في النهاية يحتاج إلى وجود متجاوز يحتاج إلى إله فوق كل شيء وليس مثله شيء ولما تلاشت هذه الفكرة أصبح الإله الجديد هو الجسد

بقلم: عبد الوهاب المسيري
1912
العلم.. بين الإيجاز وكثرة البيان | مرابط
اقتباسات وقطوف

العلم.. بين الإيجاز وكثرة البيان


وانظر إلى أكابر الصحابة وعلمائهم كأبي بكر وعمر وعلي ومعاذ وابن مسعود وزيد بن ثابت كيف كانوا كلامهم أقل من كلام ابن عباس وهم أعلم منه وكذلك كلام التابعين أكثر من كلام الصحابة والصحابة أعلم منهم وكذلك تابعوا التابعين كلامهم أكثر من كلام التابعين والتابعون أعلم منهم. فليس العلم بكثرة الرواية ولا بكثرة المقال ولكنه نور يقذف في القلب يفهم به العبد الحق ويميز به بينه وبين الباطل ويعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقاصد.

بقلم: ابن رجب الحنبلي
199
أفضل الصدقة | مرابط
اقتباسات وقطوف

أفضل الصدقة


مقتطف سريع من كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري للعلامة ابن حجر العسقلاني يفسر فيه معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما الصدقة ما كان عن ظهر غنى فيذكر لنا الأقوال التي وردتنا عن سلفنا وعن الصحابة والتابعين في هذا الحديث

بقلم: ابن حجر العسقلاني
1882
كيف تعرف صدق النبوة ج2 | مرابط
تعزيز اليقين

كيف تعرف صدق النبوة ج2


كثيرا ما يردد العلماء أن مدعي النبوة إما أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين أي أن كل ما يخطر في بالك من الصادقين فإن النبي الصادق أصدقهم وكل ما يخطر في بالك من الكذابين فإن المتنبئ الكذاب أكذبهم وهذا يقتضي عظم التنافر والفرق بينهما حيث الأول في أعلى ما قد يتصوره الإنسان من الصدق والآخر في أسفل دركات الكذب ومن التبس عليه حالهما حري به أن يلتبس عليه صدق أو كذب من دونهما

بقلم: صفحة براهين النبوة
942
إبراهيم عليه السلام يحاجج النمرود | مرابط
اقتباسات وقطوف

إبراهيم عليه السلام يحاجج النمرود


لم يكن إبراهيم بذلك الرجل يناقش الضعفاء والعامة ويترك الأقوياء والكبراء وإنما كان يثبت الحق عند الجميع لم يكن ليخاف في الله لومة لائم ولذلك لما وصلت القضية إلى النمرود قام إبراهيم لله بالحجة بين يديه فأمره ونهاه وقام لله بالحجة على هذا الطاغية

بقلم: محمد المنجد
546