دور محمد علي الجزء الثالث

دور محمد علي الجزء الثالث | مرابط

الكاتب: محمد قطب

1715 مشاهدة

تم النشر منذ سنة

الهزيمة الداخلية 

 

لا الهزمة العسكرية وحدها تصنع هذا في الأمة ذات العقيدة، ولا التخلف العلمي والحضاري والمادي وحده يصنع ذلك، ولا حتى اجتماع الهزيمة والتخلف معا يمكن أن يؤدي إلى كل ذلك الانهيار..
 
إنما هي الهزيمة الداخلية، الناجمة من التخلف العقدي
"ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين"
 
إن اشتراط الإيمان في الآية الكريمة لا يجئ عبثًا! فالإيمان الصحيح وحده هو الذي يحول دون الوهن والحزن في حالة الهزيمة أمام الأعداء، ويحول دون النتائج التي تترتب على الوهن والحزن، وهي الاستسلام للأعداء، والكف عن مقاومتهم والكف عن محاولة منازلتهم من جديد..
 
والاستعلاء قرين الإيمان.
 
الاستعلاء على الجاهلية والنظر إليها على أنها جاهلية ولو كانت تملك ما تملك من أدوات النصر العسكري ومن أدوات التمكن المادي في الأرض.
 
والآية الكريمة ترد المؤمنين إلى الميزان الحقيقي والمعيار الحقيقي.. فحين تكون القضية هي قضية الكفر والإيمان، فالمؤمنون هم الأعلون ولو أصابتهم هزيمة مؤقتة أو ضعف مادي مؤقت، لأن الإيمان بذاته أعلى من الكفر، أعلى منه نفسيا وروحيا وعقليا وأخلاقيا وإنسانيا بمقدار ما يعو الحق على الباطل، والمنهج الصحيح على المنهج الفاسد، والرؤية الصحيحة على الرؤية الخاطئة، والسلوك المستقيم على السلوك المعوج.
 
"أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أم من يمشي سويا على صراط مسقيم"

 

هذا من الوجهة النفسية والشعورية والوجدانية التي تمنع الذوبان في العدو، أو الهزيمة الروحية أمامه.

 

ومن الوجهة العملية حين يستيقن المؤمنون بأنهم هم الأعلون بالعقيدة الصحيحة والمنهج الصحيح -ولو أصابتهم هزيمة مؤقتة أو ضعف مادي مؤقت- فإن هذا اليقين ذاته هو الذي يعينهم على أن يقوموا من كبوتهم، ويسترجعوا قوتهم، ويتأهبوا لمنازلة الأعداء من جديد:  
 
"الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل"

 

الإيمان الصادق

 

الإيمان الصادق إذن، بمفهومه الإسلامي الصحيح، لا بالمفهوم الإرجائي ولا المفهوم الصوفي، ولا المتفلت من التكاليف الربانية، هو الذي يعصم الأمة من الهزيمة الروحية أمام الأعداء، وإسلام القياد لهم، والرضى بالتبعية لهم... فهل كان هذا الإيمان موجودا بصورته تلك حين اقتحم الصليبيون بلاد الإسلام، وطغوا فيها وأكثروا الفساد؟
 
كلا بلا شك..
 
ولو كان موجودا بصورته تلك، ألتي نزل بها من عند الله، وعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، لما حل بالمسلمين ما حل بهم مهما يكن حالهم من ضعف القوة العسكرية والتخلف في الناحية العلمية والمادية والتنظيمية.. إنما كان الإيمان كفيلا بأن يبعث الأمة لتزيل عنها ضعفها، وتستدرك تخلفها، وتقوم لمناجزة الأعداء من جديد..
 
حقيقة كان هناك إيمان من لون ما..
 
هو الذي جعل الأمة تقاوم الغزو الصليبي، وتجاهده مجاهدة إسلامية، أي تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وتنظر إليه على أنه غزو من قبل الكفار لبلاد الإسلام تنبغي مجاهدته وإزالته؛ وتقاوم ما وسعتها المقاومة عملية تنحية الشريعة الإسلامية وإحلال القوانين الوضعية محلها، على أساس أن هذا كفر يخرج الأمة من الملة إلى رضيت به.
 
كما جاهدت الأمة الإسلامية في مصر حملة نابليون الصليبية، ومنعته من إحلال قانونه محل الشريعة الإسلامية، كما جاهد المسلمون في الشمال الإفريقي ضد الغزو الصليبي الفرنسي، وفي الهند ضد الغزو الصليبي الإنجليزي، وفي أندونيسيا ضد الغزو الصليبي البرتغالي ثم الهولندي.. وباختصار: في كل مكان واجهت فيه الأمة الإسلامية غزو أوربا الصليبية لبلادها.
 
ولكن هذا الإيمان كان قد اعتراه ما بيناه من قبل من الفكر الإرجائي، والاتجاه الصوفي، والتفلت من التكاليف، فضلا عن تحوله عند العامة إلى مجموعة من الخرافات ومجموعة من التقاليد.. لذلك لم يصمد طويلا للغزو، رغم بسالة المقاومة التي أبداها في جهاده.. فلما انهار كان انهياره عنيفًا غير معهود من قبل.. وانهارت معه الأمة وأسلمت نفسها للتيار.

 


 

المصدر:

  1. محمد قطب، واقعنا المعاصر، ص191
 
 

 

 

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#محمد-علي
اقرأ أيضا
نماذج التسليم للأمر الشرعي | مرابط
تعزيز اليقين

نماذج التسليم للأمر الشرعي


التسليم للأمر الشرعي من أعلى مقامات العبودية فلا يستقيم إسلام المسلم إلا على جسر الاستسلام لله والتسليم لأمره ولا يتوقف ذلك على معرفة الحكمة من الأمر والنهي ونذكر هنا مجموعة من النماذج والمشاهدات والأحداث التي ظهر فيها مقام التسليم بصورة ناصعة تشف عما يعتمل في قلوب الرعيل الأول من الإيمان واليقين والإذعان لرب العالمين

بقلم: محمود خطاب
603
معركة النسيان والتذكر | مرابط
مقالات

معركة النسيان والتذكر


وداء النسيان هذا هو الذي قد يجعل الإنسان إذا نزل به البلاء انهمك في أسباب الدنيا وغفل عن الفرار إلى الله سبحانه وشكاية البث والحزن إليه! ومن ذلك أننا نؤمن بالجنة والنار لكن من آمن بذلك حق الإيمان كأنه رأي عين لم يعص الله سبحانه لكننا نعصي وذلك لأننا ننسى كما اشتكى حنظلة للنبي صلى الله عليه وسلم: عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات ونسينا كثيرا

بقلم: كريم حلمي
35
المال في نظر الإسلام | مرابط
تفريغات اقتباسات وقطوف

المال في نظر الإسلام


إن كثيرا من الدعاة اليوم لا يفهمون هذه القضية فهم يظنون أن المسلمين ينبغي أن يتركوا المال ويكونوا فقراء بينما نجد أقواما آخرين يتركونهم ويذهبون إلى الدنيا والأمر ليس كذلك ولا كذلك فالأمر كما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم وليس هناك من خير إلا وقد دل الرسول صلى الله عليه وسلم أمته عليه

بقلم: عمر سليمان الأشقر
307
عصر انتكاس الفطر | مرابط
النسوية الجندرية

عصر انتكاس الفطر


تخيل لو حقق قوم لوط تقدما تكنولوجيا كبيرا وحازوا العلوم الدنيوية كلها هل كان ذلك يشفع لهم عند الله؟ هل يمكن أن يوصفوا بأن حضارتهم أفضل وأكثر تقدما؟ قطعا لا! لن يمكنك أن تصفهم بهذا الوصف بعد أن غرقوا في ظلمات اللوطية وبعد أن انتكست فطرتهم وانقلبت رأسا على عقب فارتضوا اللواط..

بقلم: محمود خطاب
173
المؤسسة السياسية الغربية | مرابط
اقتباسات وقطوف

المؤسسة السياسية الغربية


أما الوجه السياسي للحضارة الغربية فهو وجه كالح بكل معنى الكلمة فالمؤسسة السياسية الغربية مؤسسة إمبريالية استعمارية تمتص ثروات الأمم الأخرى وليس لديها أية حواجز أخلاقية أمام مصالحاه فهي ديمقراطية شفافة في السياسة الداخلية -غالبا- ديكتاتورية معتمة في السياسة الخارجية دائما

بقلم: إبراهيم السكران
160
السلفية السائلة: مفهوم السلفية في مسارب ما بعد السلفية ج1 | مرابط
مناقشات

السلفية السائلة: مفهوم السلفية في مسارب ما بعد السلفية ج1


حين بدأت بمطالعة كتاب ما بعد السلفية كنت حريصا على أن تتخلق في نفسي انطباعاتي الذاتية عن الكتاب بعيدا عن ضغط تأثير انطباعات الآخرين خصوصا وأنا أعلم أن الكتاب سيكون كتابا جدليا بامتياز وسيحدث جدلا في المشهد الفكري والشرعي بشكل عام وفي الداخل السلفي بخاصة والذي ستتشكل فيه بؤر ممانعة ذاتية طبعية من النقد والمراجعة فبعض النفوس قد لا تحتمل النقد وبعضها قد تحتمله ولكن لا تحتمل أن يكون معلنا وأجدني -بحمد الله- كما أجد غيري ميالا إلى استيعاب الممارسة النقدية واسع الصدر لها بل داعيا ومرحبا بها كونها...

بقلم: عبد الله العجيري
693