من علامات الساعة: ضياع أمانة الدين ج1

من علامات الساعة: ضياع أمانة الدين ج1 | مرابط

الكاتب: أبو إسحق الحويني

323 مشاهدة

تم النشر منذ سنة

 

إن الأمانة اسم عام لكل تكليف كلفناه ربنا تبارك وتعالى أو الرسول عليه الصلاة والسلام.. كما في قول الله عز وجل: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72] فالأمانة هي كلمة: لا إله إلا الله بتكاليفها، هذه هي التي أشفقت السماوات والأرض والجبال عن حملها..

وفي حديث حذيفة قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال).

الجذر الذي هو الأصل، أي: أن تعظيم حرمات الله عز وجل إنما يكون محله القلب، وهذا يصدقه قول ابن عمر وقول حذيفة أيضًا: (تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن) فهذا الإيمان هو الأمانة، وعادة لا ينشط الرجل إلى فعل ما أمره الله عز وجل إلا والإيمان رائده، فالذي يفرط في أوامر الله عز وجل خائن، إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، ليس المقصود بالأمانة أن يعطى رجل آخر مبلغًا من المال فيأكله.. لا، هذا لون من ألوان الخيانة، لكن أعظم الخيانة أن يخون الرجل ما أمره الله عز وجل بحفظه لاسيما العقد الأول الذي أنت وقعت عليه، ووقعه كل إنسان على وجه الأرض، فخانه أكثر الناس.. قال تبارك وتعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:172] هذا هو التوقيع، شهدوا لله عز وجل بالوحدانية، أعظم الأمانة خيانة توحيدك، فكل البشرية جميعًا شهدوا على أنفسهم ووقعوا هذا العقد، قالوا: بلى شهدنا، فقال الله عز وجل لهم: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:172]، أي: إنما أشهدتكم حتى لا يقول قائل: إني غافل عن هذا.

هل أحد منا يذكر هذه المراجعة؟ لا أحد على الإطلاق يذكر هذه المراجعة؛ لأن الله عز وجل إنما فعل ذلك ونحن في عالم الأرواح، كما في الحديث الصحيح الذي يفسر هذه الآية أن الله تبارك وتعالى مسح ظهر آدم فاستخرج من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيام، ثم خاطبهم في عالم الأرواح -في عالم الغيب- جعل لهم أرواحًا وخاطبهم.. ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا أنك ربنا، قال: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:172] فلما لم يذكر العباد هذا الميثاق أرسل الله عز وجل الرسل تذكر العباد بهذا الميثاق إذ جزاء العقاب والثواب إنما هو مرهون ببعثة الرسول. قال تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] وأخطأ من زعم أن هذا الميثاق حجة على كل العباد، ولا يعذر بالجهل بسبب هذا، أن الكل أقر في عالم الغيب أن الله عز وجل هو ربهم.. لا. بل العذاب والثواب كله مرهون ببعثة الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم بوصول البيان والبلاغ، قال تبارك وتعالى: لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام:19] فمن بلغته النذارة انقطعت حجته، وانقطع عذره، أما إذا بعث الرسول عليه الصلاة والسلام ومع ذلك لم يصل كلامه إلى إنسان معين، فهذا الرجل يعذر بجهله حتى تقوم عليه الحجة الرسالية التي يكفر تاركها.. فأجل الأمانة التوحيد.. لذلك حفاظك على توحيدك أمانة، وتفريط الإنسان في معرفة التوحيد خيانة لهذه الأمانة.

 

من ضياع الأمانة: ضياع الأحكام والفرائض

كلمة: (إذا ضيعت الأمانة) لفظ عام يشمل دين الله تبارك وتعالى كله، يعني: إذا ضيع دين الله عز وجل فانتظر الساعة، وقد ورد في أحاديث كثيرة أن من علامات الساعة ضياع الصلاة، وضياع الحكم، فأنت ترى أن ثلث الأمة لا يصلي مثلًا وربما أكثر من الثلث، والصلاة فرض عين على كل إنسان ومع ذلك هؤلاء لا يصلون.

حتى أن صلة بن زفر راجع حذيفة بن اليمان في هذا الصنف من الناس.. يقول حذيفة (إنه في آخر الزمان يكون قوم لا يدرون ما الصلاة ولا الزكاة ولا الحج)، ولا يدرون شيئًا من أوامر الله عز وجل، إنما يقولون: لا إله إلا الله، -هذه الكلمة كما لو كانت كلمة تراثية أو شيء موضوع في متحف- ما معنى لا إله إلا الله؟ قالوا: لا ندري إنما أدركنا آباءنا يقولوها فنحن نقولها.. يعني: هم ورثوا لا إله إلا الله فهم يقولونها كما قالها أسلافهم، لكن لا يدرون شيئًا عن مقتضياتها.

وبكل أسف فهذا هو الفرق بين الوارث والعامل، الذي ورث الكتاب ليس كالذي تلقى الكتاب وناضل من أجله، هناك فرق.. فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ [الأعراف:169] هناك فرق بين من قاتل على تنزيل آيات الكتاب، وبين من ورث الكتاب، فرق كبير جدًا.. الذين ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون: سيغفر لنا، فانظر الربا مثلًا المعصية الوحيدة التي ذكر الله عز وجل فيها الحرب: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ [البقرة:279]، ومع ذلك فهناك أحد المفتين جاءه رجل فقال: والله أنا مضطر أن أقترض بالربا ولا أجد أحدًا يقرضني إلا بالربا، فهل تجد لي مناصًا وخلاصًا من إثم الربا؟ قال: نعم. هو يعطيك مثلًا المائة بمائة وعشرة، أنت تقول: هذا ربا، لكن تتخلص من الربا، قل: لله علي أن أعطيه عن كل مائة عشرة، فصار نذرًا واجب الوفاء -فهذا لعب بالشرع-، يقول له: أنت العب واجعله نذرًا، وقل: لله علي أن أعطيه عن كل مائة عشرة، فصار النذر في حقك فرضًا، إذًا: أنت في هذه الحالة تؤدي ما افترضته على نفسك وليس هذا من الربا بسبيل.

لو كان هذا من الصحابة الذين تلقوا الكتاب هل ممكن يهون عليه أن يفعل هذا؟ أبدًا. لا يمكن، وأنت اعتبر بسيرة أبي ذر رضي الله عنه في الصحيحين لما بعث النبي عليه الصلاة والسلام فأرسل أبو ذر أخاه يسأل عن هذا الرسول وما صفته؟ وماذا يقول؟ وما رسالته؟ ونحو ذلك، فذهب وسمع وبعد ذلك رجع إلى أبي ذر وقال: وجدته يأمر بمكارم الأخلاق، ويدعو لعبادة الله، قال له: ما شفيتني، ثم ركب أبو ذر راحلته ورحل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام.. ودخل مكة وإذا أهلها أشد حربًا على النبي عليه الصلاة والسلام وعلى أصحابه، فـأبو ذر رأى الأوضاع سيئة وأنهم يضطهدون أتباع النبي صلى الله عليه وسلم فأحب أن يتخلص من العنت والمشقة، فأراد أن يسأل عن النبي عليه الصلاة والسلام دون مشاكل، قال: فتضعفت رجلًا منهم قال: أسأله لأنه لن يعمل شيئًا حتى لو غضب مني، فهو ضعيف لا يستطيع أن يدخل معي في مبارزة ولا قتال، أتعرفون! هذا الضعيف وضعوه فخًا، أي واحد يدخل مكة ويسأله عن النبي عليه الصلاة والسلام يشير إشارة فقط فيأتي كل كفار قريش فيضربونه.

فـأبو ذر يقول: فتضعفت رجلًا منهم؛ لأن الضعيف مأمون الغائلة غالبًا، قال: فقلت له: أين ذلك الصابئ الذي يدعو إلى كذا وكذا؟ فقال ذلك الرجل: الصابئ الصابئ.. قال: فانقلب علي القوم بكل مدرة وعظم، هذا جاء بلحي بعير، والثاني جاء بعظمة حمار، قال: وانهالوا علي جميعًا، فما تركوني إلا وقد جعلوني نصبًا أحمر، والنصب التمثال إذا سكب عليه دم، أي: أن الدماء سالت منه بسبب الضرب الذي هم ضربوه، قال: فمشيت إلى زمزم، وليس له إلا ماء زمزم يشرب منها، هو طعام وشراب، قال: حتى تكسرت عكن بطني ولم أجد على كبدي سخفة جوع، صار ذو كرش، وزال أثر الجوع تمامًا من على كبده.

فالمهم عندما خرج مر عليه علي بن أبي طالب وكل منهم ينظر إلى الآخر ولا يكلم الآخر، ثم في اليوم الثاني جاء علي بن أبي طالب فجعل يقول له: أما آن للغريب أن يعرف مثواه، يعرض عليه الكلام، حتى أمن لـعلي بن أبي طالب فسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: اتبعني.. امش خلفي، فإذا خفت عليك جلست كأنني أصلح نعلي. يعني: إذا قعدت كأني أصلح نعلي فاستمر في المشي كأنك لا تعرفني.

وبعد ذلك أخذه علي بن أبي طالب ومضى خلفه حتى ذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأسلم أبو ذر وسمع آيات القرآن، فأخذته الحمية ورجع مرة أخرى إلى المسجد الحرام وقال: والله لأصرخن بها بينهم، وصرخ بها بينهم في المسجد الحرام، فانهالوا عليه مثل المرة الأولى، وما خلصه إلا العباس مثلما خلصه في المرة الأولى، وقال: ويلكم! ألا تعلمون أنه من غفار وأن طريق تجارتكم يمر من غفار.. فأنتم إذا قتلتموه وقفت لكم غفار بالمرصاد، وقطعوا عليكم الطريق، وأخذوا التجارة منكم. فلما ذكر لهم ذلك سكتوا وكفوا عنه.

فمثل أبي ذر هل من الممكن أن تهون عليه آية من آيات الكتاب فيحرفها لمأرب شخصي أو لعرض من أعراض الدنيا؟ هذا مستحيل، لذلك الفرق بين الذي أنزل عليه الكتاب والذي تلقاه وورثه كبير جدًا، وأنت اعتبر في الدنيا بالرجل المكافح الذي جمع ماله حال شبابه، وكان قبل ليس له مال، بدأ من الصفر وجعل يجتهد في جمع المال، ولا يمكن أن هذا الرجل ينفق المال بسفه، كل مسألة ومشروع يريده يعمل له دراسة جدوى؟ هل هو أفضل أم الفلوس أفضل، ودائمًا تجده حكيمًا في التصرف والنفقة، حتى جمع ألوفًا وملايين ثم مات، وورث ابنه هذا المال، فلو أنفق المال كله في ضحوة من نهار ما ذرف عليه دمعة واحدة، ولو المال كله احترق لا يبكي عليه.. لماذا؟ لأنه ما جمع هذا المال، ولا تعب عليه.

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.
اقرأ أيضا
شبح الحروب الصليبية الجزء الثالث | مرابط
تاريخ مقالات

شبح الحروب الصليبية الجزء الثالث


إن العالم الغربي اليوم لا يزال تائها تماما في إجلال الإنتاج الماضي وفي الاعتقاد أن الرفاهية الرفاهية وحدها إنما هي الهدف الذي يستحق أن يكدح الإنسان إليه إن مادية الغرب وجحوده للتوجيه الديني في التفكير يزدادان كل يوم قوة ولا ينقصان كما يظن بعض المتتبعين لهذه القضية من المسلمين المتفائلين

بقلم: محمد أسد
1584
العبر من الحروب الصليبية الجزء الثاني | مرابط
تفريغات

العبر من الحروب الصليبية الجزء الثاني


عندما نختار أن نأخذ مرحلة الحروب الصليبية بالذات فإن ذلك له دلالته الخاصة من جهة أنها تحكي أو تشابه الواقع الذي نعيشه الآن والمرحلة التي تحياها هذه الأمة في ظل هذه الهجمة الخبيثة الماكرة التي يستجمع الغرب فيها قواه مرة أخرى فما أشبه الليلة بالبارحة إن المؤرخين يقولون: التاريخ يعيد نفسه ونحن نقول: سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا هذه هي سنة الله تعالى في الأمم وبالذات في الأمة الإسلامية كل حياتها كر وفر وكل مواقفها إقبال وإدبار

بقلم: سفر الحوالي
303
من ثمرات التوحيد | مرابط
مقالات

من ثمرات التوحيد


قال بعض الشيوخ: إنه ليكون لي إلى الله حاجة وأدعو فيفتح لي من لذيذ معرفته وحلاوة مناجاته ما لا أحب معه أن يعجل قضاء حاجتي خشية أن تنصرف نفسي عن ذلك لأن النفس لا تريد إلا حظها فإذا قضي انصرفت

بقلم: ابن مفلح
288
شبهات حول الحجاب: الحجاب يمنع المرأة من التعبير عن نفسها | مرابط
أباطيل وشبهات المرأة

شبهات حول الحجاب: الحجاب يمنع المرأة من التعبير عن نفسها


يقول بعض المنكرين والرافضين للحجاب: إن الحجاب هو عدو حرية المرأة وانطلاقها لتعبر عن نفسها إنه يجعل المرأة كخيمة متنقلة ويأسر جمالها ويمنعه من أن يعبر عن حيوية هذا الإنسان المبدع والحقيقة أن هذه شبهة حادثة في عصرنا وإليكم الرد عليها والجواب الكافي المبين لما تنطوي عليه من أباطيل وأخطاء

بقلم: سامي عامري
542
الذين يعيشون خارج العصر | مرابط
تفريغات ثقافة

الذين يعيشون خارج العصر


قد أكون أنا وقد تكون أنت من الذين يعيشون على هامش العصر أو على أبوابه أو داخل ساحاته دون أن يلجوا إلى قاعاته ودون أن يدركوا طبيعة تحدياته وعطاءاته ولذا فإن من المهم أن نستبين صفات الذين يعيشون خارج العصر مع بعض المقارنة مع صفات الذين يعيشون زمانهم بجدارة ووعي حتى نعرف على أي أرض نقف وإلى أي فريق ننحاز وهنا نوجز صفات الذين يعيشون خارج الواقع في ست نقاط

بقلم: د عبد الكريم بكار
100
تصور الجنة باستخدام الذكاء الاصطناعي | مرابط
فكر

تصور الجنة باستخدام الذكاء الاصطناعي


الجنة والنار والبعث والصراط والحساب وأحوال القيامة تستمد هيبتها من غيبيتها وعصيها على التخيل والتصور ومن قداسة النص القرآني الذي يصفها وعظمة الخالق الذي خلقها وأقسم بها وجعل تصورها فوق أي عقل.. لذلك كانت واجبة التعظيم كتعظيم الأنبياء وأشد.. وتأمل فكرة الإيمان بالغيب تجد أنها تتعارض مع فكرة قياس مجالات الغيب ماديا.. فقوامها الرئيسي ليس محض التصديق فقط بل تصديق ماهيتها التي جاء بها النص الديني بلا أي طلب حسي ونزع مادي حداثي..

بقلم: محمد وفيق زين العابدين
48