فضيلة شهر شعبان

فضيلة شهر شعبان | مرابط

الكاتب: عبد الله بن ناصر السلمي

131 مشاهدة

تم النشر منذ 9 أشهر

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد على آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وبعد:

فمن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يهتم بشهر شعبان ما لا يهتم بغيره؛ ولهذا روى النسائي والإمام أحمد من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه أنه قال: (يا رسول الله! رأيتك تكثر من صيام شعبان أكثر من صيامك شهر رجب، فقال: صلى الله عليه وسلم: ذاك شهر بين رجب ورمضان وهو شهر تغفل الناس عنه، وهو شهر أحب أن أصوم فيه، وهو شهر ترفع فيه الأعمال، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم).

 

فدل اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بصيام شعبان على أنه أفضل من صيام رجب؛ ولهذا قال أهل العلم: أفضل الصيام بعد رمضان شهران، أولهما: شهر الله المحرم كما ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم)، وثانيهما شهر شعبان، وذلك لقول عائشة رضي الله عنها و ابن عباس: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر صيامًا من شهر بعد رمضان من شهر شعبان، كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلًا)، وقد جاء في حديث أم سلمة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان كله).

 

وقد اختلف العلماء هل يستحب صيام شعبان كله أم يصام فيه بعض الأيام حتى لا يشبه رمضان؟ فذهب عبد الله بن المبارك و سفيان وروي عن أحمد أنه لا ينبغي أن يصام شهر شعبان كاملًا. وأما ما جاء في قول عائشة: (كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلًا)، فإن عبد الله بن المبارك أشار إلى أن العرب تقول: كان فلان يصوم شهرًا كاملًا، ويريدون من ذلك بعض الأيام؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان كله كان يصوم شعبان إلا قليلًا.

 

وأما ما جاء عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان كله)، فإن أهل العلم يقولون: إنه محمول على أن أم سلمة روت بما تظن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم، أو أن أم سلمة رضي الله عنها إنما أخذت بلغة العرب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان كله وتقصد إلا يومًا أو يومين. وإذا ثبت هذا فإن استحباب صيام شعبان متأكد تأكيدًا شديدًا سواء صام المسلم أوله أو وسطه، ما دام أنه يقصد صيام شعبان.

 

إذا انتصف شعبان

أما ما جاء في الحديث الذي رواه العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)، فهذا الحديث حاول الإمام ابن حبان أن يصححه، وأن يجمع بينه وبين الأحاديث الأخرى، وكذلك حاول الشيخ الألباني، فقالوا: إن المقصود أن من كان يصوم أول شعبان ثم جاء منتصف شعبان وهو يصوم فلا حرج عليه أن يصوم؛ لأنه غير مخاطب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم (كان يصوم شعبان كله كان يصوم شعبان إلا قليلًا)، وأما من ابتدأ الصيام فإنه لا ينبغي إذا انتصف شعبان أن يبتدئ الصيام، وهذا بناء على تصحيحهم لحديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة.

 

والصحيح -والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم- أن هذا الحديث ضعيف وإن كان ظاهره الصحة، فإن العلاء من رجال مسلم، لكن الإمام أحمد و ابن رجب و الأثرم والطحاوي وغيرهم أشاروا إلى أن الحديث منكر، وأن الأحاديث الصحيحة تخالفه؛ فإنه قد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقدموا رمضان بصيام يوم ولا يومين، إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه).

 

ووجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى أنه لا يُتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، لكنه لو أراد أن يتقدم بأكثر من ذلك جاز له ذلك، كما أشار إلى ذلك الإمام الأثرم وغيره، وقد حاول بعضهم أن يقول: إن الحديث منسوخ. والصحيح أن الحديث ضعيف، وإذا ثبت هذا فإننا نقول للناس: يشرع لكم أن تصوموا شعبان، سواء ابتدأتم صيامه من أوله أو من وسطه أو من ثلثه أو من الثلث الأخير شريطة أن لا يكون ذلك قبل رمضان بيوم أو يومين؛ لأجل أن لا يدخل من رمضان ما ليس فيه، وإذا ثبت هذا فإن شعبان فيه فضيلة وهي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصومه.

 

ليلة النصف من شعبان

السؤال الذي يُطرح كثيرًا: هل في ليلة النصف من شعبان فضيلة؟

أشار أبو العباس ابن تيمية رحمه الله في كتابه العظيم اقتضاء الصراط المستقيم إلى اختلاف أهل العلم في فضل ليلة النصف من شعبان؛ وذلك بناء على الأحاديث والآثار المروية في ذلك، فبعض أهل العلم صححها من المتأخرين والمتقدمين وكان مكحول رضي الله عنه ورحمه يبالغ في ذلك، ويراها فضيلة، بل إن بعضهم كان يرى أن أجر ليلة النصف من شعبان مثل أجر ليلة القدر، كما ذكر ذلك عبد الرزاق عن ابن أبي مليكة أنه حُدث أن زيادًا المنقري النميري كان يقول: إن أجر صيام ليلة النصف من شعبان مثل صيام ليلة القدر، فقال ابن أبي مليكة: لو أني سمعت زيادًا يقول ذلك وبيدي عصا لضربته. مما يدل على أن هذه مبالغة.

 

ولقد ذكر ابن وضاح في كتابه العظيم البدع عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم رضي الله عنه أنه قال: لم ندرك أحدًا من علمائنا ولا فقهائنا يذكرون في ليلة النصف من شعبان فضيلة أو عملًا، ولم أدرك أحدًا يقول بقول مكحول، وقال ابن أبي زيد: لم يكن فقهاؤنا يهتمون بها، يعني: من باب العبادة. وقد قال أبو العباس ابن تيمية كلامًا فصلًا في هذا فقال: أما فضلها فقد اختلف فيه، والصحيح مذهب أحمد وغيره أن لها فضلًا. لكن هذا الفضل لا يجوز الاحتفال فيه، ولا تخصيصه بعبادة صيام أو قيام أو غيرها من العبادات، فكونها لها فضل لا يلزم أن يكون لها عبادة تخصها.
 

وقد جاءت أحاديث تدل على فضلها، من ذلك ما جاء عن أبي بكر رضي الله عنه كما عند البزار وغيره، وقد روى ابن ماجه من حديث أبي بكر رضي الله عنه الذي يرويه القاسم بن محمد عن عمه أو أبيه عن أبي بكر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله ليطلع ليلة النصف من شعبان فيغفر لكل عبد إلا لمشرك أو مشاحن)، وهذا الحديث وإن كان في سنده ضعف، وفيه عبد الملك بن عبد الملك، وقد أشار الإمام البخاري إلى أنه فيه نظر، وأشار الإمام البزار إلى أن فيه ضعفًا، قال: ولما رأيت أهل العلم يتداولونه ويذكرونه ويحتملونه ذكرته، فهذا يدل على أن هذا محتمل.

 

ومما يدل على ذلك أن هذه اللفظة (إلا لمشرك أو مشاحن) جاءت من طرق غير طريق أبي بكر فمن ذلك حديث أبي موسى يرويه ابن ماجه وغيره من طريق مكحول عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فيغفر لكل عبد إلا لمشرك أو مشاحن)، وإن كان في الحديث انقطاع؛ وذلك لأن مكحولًا لم يسمع من مالك بن يخامر، ولكن الحديث يدل على أن له أصلًا، وقد جاء من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وفي سنده أيضًا ابن لهيعة.

 

وأحاديث ليلة النصف من شعبان جاءت عن ثمانية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منها:

الحديث الأول: حديث عائشة وفي سنده ضعف؛ لأن في سنده الحجاج بن أرطأة، وكذلك يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عروة كما أشار إلى ذلك غير واحد من أهل العلم كـالترمذي و البخاري.

الحديث الثاني: حديث أبي موسى وفي سنده أيضًا ضعف، فإن في سنده الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب لم يسمع من أبي موسى وكذلك فيه ابن لهيعة.

الحديث الثالث: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وفي سنده ضعف. وكذلك حديث أبي بكر وقد مر معنا، وحديث معاذ بن جبل وقد مر معنا، وكذلك حديث أبي ثعلبة وقد مر معنا، وحديث علي بن أبي طالب، وغير ذلك من الأحاديث الواردة.

 

وعلى هذا فإننا نقول: إن ليلة النصف من شعبان فيها فضل بينها الحديث على أن الله يغفر فيها لعباده، لكن ليس فيها ما يدل على تخصيصها بعبادة كما أشار إلى ذلك أبو العباس ابن تيمية في كتابه الفذ اقتضاء الصراط المستقيم، وعليه فالاحتفال ليلة النصف من شعبان لا يجوز، وتخصيصها بعبادة لا يجوز؛ لأن كل عبادة خصصت بزمن أو مكان أو أشخاص فإنها من البدع الإضافية التي يشير إليها أهل العلم، والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#شهر-شعبان
اقرأ أيضا
بكاء النبي صلى الله عليه وسلم | مرابط
تفريغات

بكاء النبي صلى الله عليه وسلم


عيون حمراء تختلف عن العيون الحمراء التي تسهر على الذنوب والمحرمات فهناك عيون حمراء تتعاطى المخدرات عيون حمراء تسهر في المعاكسات عيون حمراء بكت لفراق عشيقها أو محبوبها أو فراق صديقها عيون حمراء لكنها لم تبك لله عز وجل فلن نتكلم عن هذا كله في هذه الليلة لكن سوف نتكلم هذه الليلة عن عيون حمراء بكت لكنها بكت لله عز وجل بكت لكن ليس لأجل الدنيا سوف نتكلم عن أغلى بكاء على وجه هذه الأرض وأغلى من دمعت عينه فهي أغلى الدموع وأغلى البكاء إنه بكاء النبي عليه الصلاة والسلام

بقلم: نبيل العوضي
101
منهجية الرسول في التعريف بالله عز وجل | مرابط
تفريغات

منهجية الرسول في التعريف بالله عز وجل


إذا ضل الإنسان في معرفة الموازين والقوى فإنه يختل حينئذ من جهة التوكل المحبة الخوف الرجاء وما ينتج عن ذلك من بذل العبودية لله سبحانه وتعالى بعبادة الجوارح السجود لغير الله سؤال غير الله التضرع لغير الله كحال ذلك الأعرابي الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستشفع بالله عليه لأنه عرف شيئا وجهل أشياء فكفر بالله سبحانه وتعالى ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام كان يعرف الله عز وجل للناس بتعريف مخلوقات الله عز وجل إليهم

بقلم: عبد العزيز الطريفي
65
شدة عناية الصحابة بتدبر القرآن | مرابط
اقتباسات وقطوف

شدة عناية الصحابة بتدبر القرآن


كان القرآن هو شغل الصحابة وشاغلهم الأول ولا يدانيه شيء آخر أو اهتمام آخر في الحياة وهذا مقتطف جميل لشيخ الإسلام ابن تيمية يتحدث عن هذه القيمة الكبيرة والفارق الكبير بين الصحابة ومن جاء بعدهم في الاهتمام والعناية بكلام الله تعالى

بقلم: شيخ الإسلام ابن تيمية
1711
عين جالوت والقضاء على القوى العظمى الجزء الأول | مرابط
تاريخ مقالات

عين جالوت والقضاء على القوى العظمى الجزء الأول


معركة عين جالوت كانت فاصلة جدا ليس في تاريخ الإسلام فقط بل في تاريخ العالم الإنساني بأكمله فشر التتار لم يقتصر على العالم الإسلامي وإنما وصل اجتياحهم إلى قلب أوروبا وأبادوا بلادا ومدنا كثيرة وأهلكوا الحرث والنسل ودمروا كل شيء وقف في طريقهم وكانت هذه الموقعة فاصلة لأن لها ما بعدها فإما أن يستكمل التتار احتلالهم للعالم بأسره عبر اجتياح مصر ومنها إلى إفريقيا بعد أن وصلوا إلى مناطق متقدمة في أوروبا وإما أن يتصدى لهم المسلمون وينتهي شرهم وهذا مقال هام يحدثنا عن المعركة وكل تفاصيلها بقلم راغب الس...

بقلم: راغب السرجاني
1773
أي الناس أنت | مرابط
تفريغات

أي الناس أنت


تقسيم آخر للناس باعتبار الحسنات والسيئات ونسبتها إلى الله عز وجل الناس -أيضا- يتفاوتون يقول شيخ الإسلام: فشرهم الذي إذا أساء أضاف ذلك إلى القدر واعتذر بأن القدر سبق ذلك وأنه لا خروج له عن القدر فركب الحجة على ربه في ظلمه لنفسه وإن أحسن أضاف ذلك لنفسه ونسي نعمة الله في تيسيره لليسرى فإذا عصى قال: شيء مقدر ومكتوب ولماذا تلومونني على ما قدر الله علي من المعصية

بقلم: محمد صالح المنجد
133
طبيعة التصرفات النبوية | مرابط
تعزيز اليقين

طبيعة التصرفات النبوية


الأصل في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته أنها حجة وأنها تشكل بمجموعها مفهوم السنة النبوية وأنها منبع يصدر عنه في تقرير الأحكام وبيان التشريعات وقد نبه الإمام ابن عبد البر إلى طبيعة الإطلاق في الإطلاقات الشرعية الآمرة بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم واتباع أمره فقال: وقد أمر الله جل وعز بطاعته واتباعه أمرا مطلقا مجملا لم يقيد بشيء كما أمرنا باتباع كتاب الله

بقلم: عبد الله بن صالح العجيري
105