آثار قضية تحرير المرأة في المجال التعليمي

آثار قضية تحرير المرأة في المجال التعليمي | مرابط

الكاتب: د إيمان بنت محمد العسيري

128 مشاهدة

تم النشر منذ 9 أشهر

اتخذ التعليم في بعض البلدان محضنًا من محاضن التربية وتأسيس الأجيال على قضية تحرير المرأة عبر المناهج التي رسخوا فيها أن التطور لايكون بغير المساواة المطلقة بين الجنسين وليس في العدل المميز.

ورسخ التعليم أن الغرب هو النموذج الأرقى ليس بمجرد التقنية فقط بل في القيم والأفكار التي منها التحرر ولوازمه.

 

وفي بعض البلدان جعلوا الشخصيات التي جهرت بالتحرر ردحا من الزمن وعارضت قيم الهوية الإسلامية، جعلوها نماذج تحتذى وخير مثال على تطور الفرد داخل مجتمعه وبلوغه حد الشهرة العالمية، وأكثروا عنهم الكلام ليغرسوا في عقول الجيل الصاعد نماذج تتوافق مع التي يريدون لأفراد المجتمع أن ينشؤوا عليها.

 

ولقد قام على التعليم في بعض البلدان المتشبعين بمبادئ التحرر متعلقين بالفكر الغربي بعمومه، فقاموا بتغيير المناهج واستحداث أخرى، وعملوا على تقليص المواد الدينية، فجعلوا التعليم مختلط بين الجنسين، وفرضوا ذلك بقوة السلطة في
بلدان كثيرة كما حدث في تركيا وتونس ومصر، وتدرجوا في بلدان أخرى من المراحل الدنيا إلى المراحل العليا.

 

كما عملوا على تقليص مقاعد الدراسة الشرعية التخصصية في الجامعات، وتقليص الفرص الوظيفية للمتخصصين فيها، مقابل تهيئة فرص عمل مميزة للتخصصات الأخرى؛ لينفروا الناس منها حيث لا مستقبل وظيفي مميز ينتظرهم إن هم دخلوها.

 

ولأن مناهج التعليم تعد سريعة النفاذ في عقول متلقيها؛ فإنهم لم يهملوها إنما جعلوها من الوسائل الداعمة لقضية تحرير المرأة منذ المراحل الأولى حتى المرحلة الجامعية. ويحثون القائمين عليها بضرورة أن يشمل التعليم ذلك، حيث "يجب أن يستهدف التعليم التنمية الكاملة لشخصية الإنسان، وتعزيز احترام حقوق الإنسان، والحريات الأساسية"(1)، كما أن الدعوة لتحرير المرأة ممثلة في هيئة الأمم المتحدة والمواثيق الدولية تحرص على ".. وضع سياسات في مجال التعليم تتناول -في جملة أمور- تغيير الاتجاهات التي تعزز  تقسم العمل على أساس نوع الجنس؛ بغية تعزيز مفهوم تقاسم المسؤوليات الأسرية في العمل وفي المنزل»(2).

 

ولأجل ذلك قاموا بإنشاء أقسام خاصة في الجامعات تتولى نشر ثقافة تحرير المرأة والاعتناء بما يتعلق بها من دراسات وخطط؛ فلكي يتم ".. تخريج داعيات يحملن فلسفة الحركة ويتولين نشرها، قامت الحركة بالعمل على استحداث أقسام متخصصة في الجامعات تحت مسمى "دراسات المرأة" women studies في العديد من الجامعات حول العالم وإن كانت التسمية مختلفة من مكان لآخر، ولكن الأساسيات واحدة وهي "الأيديولوجية النسوية". وفي الولايات المتحدة وحدها 42 جامعة لديها أقسام متخصصة في دراسات المرأة وفي الإمكان القول أن معظم المناهج في هذه الأقسام معتمدة على أعمال مكتوبة عن طريق المرأة وحول المرأة وموجّهة للمرأة، وتكرّسه لمفاهيم الكراهية للرجل Anti male وأن من المتعارف عليه أن معظم من يُدرّس في فصول "الدراسات النسوية" ليس علمًا بقدر ما هو فلسفة فكرية لجماعة نسوية(3)

 

كما عملوا على إتاحة مقاعد وظيفية للمرأة تقوم من خلاله مجموعة من المعنيات بشؤون المرأة المتحررة، يقمن بتدريس مناهجهن وعرض قضاياهن للدارسين، والإشراف الإداري على سير المادة التعليمية كما يردن لها أن تكون. "ومن الأمور المعروفة على نطاق واسع، تغلغل المنتميات للحركة النسوية في الوظائف الإدارية في الجامعات الأمريكية والتحكم في التوظيف والقبول والمنح لصالح أنصار الحركة، صدر مقال في صحيفة واشنطن بوست في العدد 25/جون/2002م، يتحدث عن دراسة أجراها باحثون من جامعتي هارفرد وميتشقن. تناولت الدراسة ظاهرة بدأت في الثمانينات وهي في ازدياد مهم وملحوظ، وتتمل في أن ثلثي الخريجين من الجامعات الأمريكية الآن هم من النساء، وأن 96 رئيس جمعية إصلاحية هم من النساء وذلك من أصل 141 جمعية.

 

ويذكر الباحثون أن النفوذ المتنامي للحركة النسوية انعكس على القبول في الجامعات، فقلت فرص القبول أمام الرجال، في حين أن النساء توفر لهن منح دراسية داخل الجامعات أكثر من الرجال، ويركز الباحثون على أن الفرص المتنامية للمرأة ولّدت مشاكل عظيمة للرجل في تعليمه وأن الرجال يمثلون 51% من النسبة السكانية للولايات المتحدة في سن التعليم الجامعي، مما انعكست آثاره وأبعاده على الحياة الاقتصادية والاجتماعية (4)

 

وكان عمل المرأة المتحررة في هذا الجانب مهيئًا الفرصة لاستحداث مناهج أخرى أو تغيير مفردات مناهج موجودة لتعبر فيها عن رأيها إزاء قضية المرأة "ومن الأمور المعروفة أيضا استخدام العديد من أعضاء الحركة النسوية مواقعهن في الجامعات لتغيير مفردات المناهج، وتوظيفها لصالح الفلسمة النسوية بما يقتضيه التغير، لاسيما العلوم الإنسانية، وكذلك استحداث مقررات جديدة بتعليم الفلسفة النسوية وقضاياها وربطها بالعصرية والتقدم، وهناك أكثر من 20 مقرر في جامعات الولايات المتحدة الأمريكية من هذا النوع. حتى أن أقساما أخرى كالعلوم السياسية وغيرها أُدخِل في مناهجها مفاهيم ومطالب الحركة النسوية. ومن الملاحظ أن كل قسم من هذه الأقسام لا يمارس دوره المعتاد كقسم أكاديمي يطرح المقررات ويمنح الدرجة، وإنما يعمل كمنظمة كاملة من إقامة المؤتمرات، واللقاءات، وتقديم المنح الدراسية، وابتعاث الأساتذة الزائرون، وتقديم الدعم للجمعيات النسوية وإصدار الدوريات المتخصصة، والتمثيل في الهيئات والحكومات علاوة على إصدار المجلات، وتأسيس موافع الإنترنت ومعظم خريجات هذه الأفسام يتوجهن للتدريس في المدارس الثانوية والمتوسطة ويمارسن دورهن في نشر الأيدلوجية النسوية من خلال التعليم» (5)

 

ولا يعني هذا إغفال المراحل التعليمية الأخرى، فقد تم "التركيز على دراسات توطين النسوية في التعليم العام، وإعداد المعلمات، والهدف منها مساعدة التربويين في تنمية وتطبيق ثقافة النوع في جميع المواقف التدريبية. بالإضافة إلى الاهتمام بقواعد المعلومات ومراكز الأبحاث والمكتبات التي ترعى ثقافة النوع وتؤسس لها. وقد أُسس في فرنسا منظمة تدعى بالأرشيف النسوية ومهمتها حفظ جميع الوثائق الورقية والسمعية والبصرية التي لها علاقة بالحركة النسوية منذ بداية القرن العشرين، وتوثيق كل ما يتعلق بالقيادات التي خدمت الحركة عن طريق توثيق سيرهن الذاتية وإنجازاتهن"(6)

 


 

الإشارات المرجعية:

  1. الإعلام العالمي لحقوق الإنسان عام1948، الفقرة 2، المادة 26
  2. تقرير المؤتمر العالمي لاستعراض وتقييم منجزات عقد الأمم المتحدة للمرأة: المساواة والتنمية والسلم، نيروبي، 1985م.
  3. الحركة النسوية الغربية وآثارها في ظل الانفتاح العالمي، ورقة عمل مقدمة في المؤتمر العالمي التاسع للندوة العلمية للشباب الإسلامي
  4. المرجع السابق
  5. الحركة النسوية الغربية وآثارها في ظل الانفتاح العالمي، ورقة عمل مقدمة في المؤتمر التاسع للندوة العلمية للشباب الإسلامي
  6. المرجع السابق

 

المصدر:

د. إيمان بنت محمد العسيري، قضية تحرير المرأة في الغرب، ص377

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#النسوية #تحرير-المرأة
اقرأ أيضا
شبح الحروب الصليبية الجزء الثاني | مرابط
تاريخ مقالات

شبح الحروب الصليبية الجزء الثاني


إذا أردنا أن نقف على الأسباب الحقيقية للعداء البغيض الذي تحمله أوروبا ويحمله الغرب تجاه الإسلام علينا أن نرجع عدة خطوات إلى الخلف إلى الماضي الذي شكل معالم المدنية الأوروبية وتشربه الرجل الأبيض وتوارثه مع مرور الوقت سنقف هنا أمام الحروب الصليبية لندرك أثرها على الهوية الأوروبية فيما يخص الإسلام كما يقول الكاتب: إن الشر الذي بعثه الصليبيون لم يقتصر على صليل السلاح ولكنه كان قبل كل شيء وفي مقدمة كل شيء شرا ثقافيا لقد نشأ تسميم العقل الأوروبي عما شوهه قادة الأوروبيين من تعاليم الإسلام ومثله ال...

بقلم: محمد أسد
1640
أهمية الوقت عند طالب العلم | مرابط
تفريغات

أهمية الوقت عند طالب العلم


كذلك طالب العلم من أهم ما يهتم به هو الوقت وقت طالب العلم ثمين جدا لا يضيعه في الخصومات ولا يضيعه في التفاهات والسفاهات ونحو ذلك تجد طالب علم ليل نهار على الفيسوك يتكلم هنا ويكتب هنا ويروح هنا ويجيئ هنا وليس واجبا عليه ولا حتى يكتب شيئا مفيدا

بقلم: أبو علياء محمد سعد
147
ضعف العقل وإدراك الحكمة الإلهية | مرابط
تفريغات

ضعف العقل وإدراك الحكمة الإلهية


إن عقل الإنسان هو كحال الإناء منه ما يمكن أن يضعه في الإناء ويستوعبه ومنه ما لا يستوعبه الإنسان وما لا يستوعبه الإنسان ككثير من الحكم الإلهية في خلق الله سبحانه وتعالى للكون وكذلك العلل التي لا يدركها الإنسان فعقل الإنسان إذا أراد الإنسان أن يعرف قدره فلينظر إلى حجمه من الكون حتى يدرك مقدار العقل الذي يمكن للإنسان أن يستوعب الحكم الإلهية من خلق المخلوقات وإجراء المجرات وسير هذه الكواكب والأفلاك وما جعل الله عز وجل فيها من سنن إلهية قدرية تحير الألباب.

بقلم: عبد العزيز الطريفي
42
القوامة وظلم الزوجة | مرابط
أباطيل وشبهات النسوية المرأة

القوامة وظلم الزوجة


إن نظرة بسيطة تتفحص عالمنا -الذي ما فتيء ينادي ويصرخ بالمساواة العمياء بين الرجل والمرأة- لتكشف لنا عن حقيقة تميز الرجل في مختلف بلدان الداعين إلى المساواة لذلك أسأل القارئ الكريم: كم نسبة الوزيرات إلى الوزراء في دول العالم الذي ينادي بالمساواة بين الجنسين وكم نسبة الملوك والرؤساء من النساء في تلك البلاد وكم نسبة نساء الدولة والبرلمان وقادة الأخزاب إلى الرجال في هذه الدولة

بقلم: منقذ محمود السقار
1677
نشوء دولة التتار ج2 | مرابط
تفريغات

نشوء دولة التتار ج2


في هذه المحاضرة ألخص ما حدث في هذه الفترة من أحداث وأسأل الله عز وجل أن يمكننا من استعراض كل الأمور بإيجاز نتحدث اليوم عن ظهور قوة جديدة على سطح الأرض في القرن السابع الهجري هذه القوة أدت إلى تغييرات هائلة في العالم بصفة عامة وفي العالم الإسلامي بصفة خاصة قوة بشعة أكلت الأخضر واليابس ولم يكن لها هدف في حياتها إلا التدمير والإبادة

بقلم: د راغب السرجاني
318
الابتلاء بالشدة والضر | مرابط
اقتباسات وقطوف

الابتلاء بالشدة والضر


فمن تمام نعمة الله على عباده المؤمنين أن ينزل بهم الشدة والضر وما يلجئهم إلى توحيده فيدعونه مخلصين له الدين ويرجونه لا يرجون أحدا سواه وتتعلق قلوبهم به لا بغيره فيحصل له من التوكل عليه والإنابة إليه وحلاوة الإيمان

بقلم: شيخ الإسلام ابن تيمية
163