أبرز آراء النسوية الراديكالية: إلغاء دور الأب في الأسرة

أبرز آراء النسوية الراديكالية: إلغاء دور الأب في الأسرة | مرابط

الكاتب: مثنى أمين الكردستاني

1336 مشاهدة

تم النشر منذ سنة

النظام الأبوي على مدار التاريخ..
الأبوية تعني: حكم الأب المطلق داخل الأسرة، وتركز القرار كله في يده، وهذا مفهوم خاص بالغرب وراجع إلى إرث الحضارة الرومانية ومن بعده الأسرة اليهودية التي كرست المفهوم وأكدته، وانتقل جيلًا عبر جيل حتى بدأ يزول مع الحداثة، وبعد مراجعة ونقد ذاتي للقيم الغربية من رؤى مغايرة.

الأبوية والديانة المسيحية

والديانة المسيحية -التي كانت من المفترض لها أن تقوم بدور ضبط هذا المفهوم وتصحيح ممارسته- زادت من ترسيخ المفهوم وإصباغ الشرعية عليه بعد التحريفات التي حصلت فيها عبر الكثير من الطرق، منها: التأكيد على مفهوم الإله الأب والابن (أي الذكر) وتسمية وتشبيه المولى (عز وجل) بالأب وإطلاق كلمة الأبناء على عبيد الله، وهكذا يتبادر إلى الذهن أن الأب سلطته مطلقة كما أن الرب الأب سلطته مطلقة.. ومن خلال عدم الاحتفاء بالنساء في الإنجيل بتدوينه البشري وعدم تسجيل مجاهدات المرأة وحتى عدم حضور يذكر للسيدة مريم العذراء، ومن خلال الصياغة والتفسير المنحازين (1) الذين يعكسان قوة نظام الأسرة الأبوية في ذلك الزمان ورسوخه، ويعكسان تهميش المرأة وعدم حضورها في الساحة...إلخ، حيث "إن هذه المجتمعات اليونانية والرومانية لم تتسم بالانتشار الأقصى للرق فحسب، بل باستبعاد بالغ القسوة للمرأة، والمرأة اليونانية تحبس في الحريم ولا تساهم بشيء في الحياة الاقتصادية والسياسية أو الثقافية للمدينة باستثناء الحالات النادرة جدًا المتعلقة ببقايا الترف والمحظيات، وفي روما ليس للعبد كما ليس للمرأة أي كيان في القانون الروماني"(2)

البطريركية

قلنا إن السلطة الأبوية (البطريركية Patriarchy) مرتبطة بواقع تأسيس زمن اليونان والرومان، حيث كانت الأسرة في ذلك الزمان لا تحتوي الوالدين أبناءهما فقط وإنما الرجال عدد من الأزواج والسراري والأولاد من الزوجات والجواري وزوجات الأولاد والأحفاد والعبيد.. ويرأس هذا كله أب مسيطر متنفذ ومن صلاحياته:

1- يحق له أن يتخلص من المولود المعاق أو المشوه أو الأنثى أو غير المرغوب فيه بالغطس أو الخنق أو رميه للوحوش..إلخ

2- رب الأسرة هو الذي يملك فقط والبقية كلهم من أولاد وزوجات وعبيد وخيول وأثاث... كلها تعتبر من أملاكه، وهو حر في التصرف فيها، وله أن يحرم الأبناء أو بعضهم أو يفضل بعضهم على بعض، أو يزوجهم، ويطلقهم ويفصل بين الابن وزوجته، ويحاكم زوجته بأية تهمة، ويحكم عليها، وينزل العقاب بنفسه أو عبيده ولو كان موتًا، وكذا الأبناء يملك حق حياتهم وموتهم، وبيعهم في الأسواق كالرقيق...إلخ.

3- الزوجة طائشة في نظرهم، وتعامل كالطفلة أو كالقاصر، ولا تقرب الخمر ولا محله وإذا فعلت ضربت حتى الموت. 

النظام الأبوي واليهودية

4- المرأة بعد الزواج تدخل في دين زوجها وتترك دينها وعشيرتها وكل شيء سابق لزواجها وتحمل اسم زوجها وعشيرته ودينه (3) والأسرة اليهودية أيضًا تشكلت على الهيئة نفسها، فالأب الرئيس يسمى "روش" أي الرأس، وهو يختار وريثه كما يشاء، ويصرف كما يريد ويمكنه بيع بناته جواريا كما ورد في سفر الخروج "إذا باع رجل ابنته أمة لا تخرج كما يخرج العبيد" ويمكنه قتل أولاده وتقديمهم قرابين للرب، والرجل اسمه "بعل Baal" أي سيد في اللغة العبرية (4) والمرأة تخاطبه "سيدي" والطاعة عليها مطلقة، والحقوق معدومة، بل هي شيء بجانب الأشياء الأخرى، عبيد، أبقار، أنعام، خيول..إلخ

وإذا تركت منزل الزوجية لا تأخذ معها شيئًا لا أولادها ولا شيئًا من المتاع، وكل اموالها وممتلكاتها تنتقل للزوج بعد الزواج، وهي تخرج منها صفر اليدين، وفي المسيحية أضافوا عليها أشياء أخرى منها أنه لا يحق لها أن تتزوج بعد ذلك أبدًا، فلا مصير لها إلا التشرد أو القبول بأن تكون خادمة مطيعة لمعذبها، والمتسلط على رقبتها، والمستولي على أموالها، وهذه الوضعية كانت باقية إلى القرن الماضي في بلاد المسيحية في أوروبا وأمريكا (5)

الذمة المالية للمرأة في ألمانيا

فمثلًا بخصوص الذمة المالية المستقلة للمرأة في ألمانيا، فإنها لم تحصل عليها إلا منذ منتصف القرن العشرين (6) وهكذا عاشت المجتمعات الغربية تعاني أشد المعاناة من النظام الأبوي المتغطرس الذي يحرم المرأة من حقوقها الإنسانية، ويحرم الأولاد من المبادرة والاستقلال والحرية ويكبت طاقات الفكر والإبداع..إلخ.

عصر النهضة

ومع عصر النهضة والتمرد على هذه المخلفات الحضارية قام الغربيون بشن حملة واسعة على هذا النظام، وانتقدوا سيطرة الأب داخل الأسرة، وكان الإنجليزي (روبرت منلمر) في القرن السابع عشر أول من استخدم نموذج الأسرة الأبوية في تحليله لنظام الحكم، ثم شاع بعد ذلك المفهوم خاصة في الكتابات الماركسية، كما أنه يعد مفهومًا محوريًا وإطارًا تحليليًا في نقد الأنثوية لسيطرة الرجل في الأسرة والمجتمع والدولة (7)

"ويرتبط استخدام مفهوم الأبوية (كأداة تحليل في العلوم الاجتماعية) في الغرب بتيارين رئيسين: تيار العلمانية والذي يرى في الدين الدعامة الأساسية لتبرير الممارسة الأبوية للرجل، وإضفاء الشرعية عليها، حيث إن الرب ذاته سلطوي وأبوي، كما استخدمه التيار الماركسي في نقد هيراريكية المجتمع والدولة، ورأى أنها كلها أبنية أبوية؛ الدولة، الاقتصاد، الأسرة.. أي أن الأبوية كمفهوم يرتبط في الاستخدام المعاصر برفض الدين (العلمانية) ونقض الدولة (الماركسية)" (8).

الحركة النسوية والنظام الأبوي

ولا شك أن الأنثوية نشأت تحت تأثير هذين التيارين بالدرجة الأولى، ولذلك فقد استخدمت مفهوم (الأبوية) كإطار تحليلي لقضية المرأة ووضعها، ولا تكاد تجد كتابا في قضية المرأة والحركة النسوية إلا وقد تكررت فيه الكلمة مئات المرات.

وخطورة تبنى الحركة النسوية شعار معاداة الأبوية بالمعنى الذي سقناه لا غبار عليه، حيث من الواضح أنه نظام جاهلي وظالم، وربما هذا من محاسن الأنثوية، ولكن الخطورة كامنة في أمور أخرى، وهي:

1- الأنثوية لم تقف في حد مهاجمة النظام الأبوي الجاهلي، بل تعدى ذلك إلى الهجوم على الأسرة ونظامها وأصل تكوينها والتشكيك في جدواها

2- تعدى ذلك إلى رفض أي سيطرة للأب داخل الأسرة على الزوجة أو الأبناء، واعتبار ذلك من الأبوية وفي هذا الإطار رحبت بالأسرة المدارة من قبل الأم وحدها (Mother-Only Family) واعتبرت تأنيث الأسرة أمرًا إيجابيًا في صالح المرأة سواء كان سبب تأنيث الأسرة لجوء المرأة لرفض العلاقة مع الرجال (الزواج) واستخدام (الإنجاب الصناعي) للحصول على الأولاد، أو كان سبب التأنيث هجرة الرجال، أو ترمل المرأة أو حصولها على الطلاق أو غير ذلك، وفي هذا السياق أيضًا رحبت بالأسرة الشاذة السحاقية.

3- تأثرًا بالحركة العلمانية والماركسية جعلت الأنثوية أيضًا هذا المفهوم إطارا تحليليًا شاملًا فتحدثت عن الأبوية في الدين وأنه ظهر لتبرير الأبوية وترسيخها واعتبرت الدولة أيضًا امتدادا للأبوية.

4- رفضت الأسرة الممتدة (قبل رفض الأسرة النووية) باعتبارها شكلًا من أشكال الأبوية بالرغم مما تتيحه هذه الأسرة للمرأة من عون وسند، ومصدر لتحمل بعض أعبائها ومسؤولياتها البيتية والاجتماعية "في ترتيب أمور البيت ورعاية الأطفال وغير ذلك مما يتيح للمرأة الوقت للخروج للمشاركات الاجتماعية والسياسية والعمل العام"(9)

ساهمت هذه الأدبيات المعادية للأبوية على خلق حالة من النفرة والعداء للأب والحساسية بقبول أي توجيه من توجيهاته، والتمرد عليه، كما ساهمت في صياغة القوانين الغربية القاسية جدًا في منع الأبوين من تأديب أولادهما، وهذا انتهاك لحق الأبوين وحرمان لهما من حقهما في تنشئة الأولاد(10)


الإشارات المرجعية:

  1. صياغة الإنجيل الموجود حاليا لا شك في أنه بشري كتب بعد وفاة المسيح عليه السلام بفترة طويلة جدًا، ولهذا فلا غرابة أن يحدث أي شيء من مثل أن تراعي الصياغة أو تعبر عن قيم كانت سائدة في تلك المجتمعات وذلك الزمان
  2. كما يقول غارودي (في سبيل ارتقاء المرأة)، ص26
  3. حمل اسم الزوج باق إلى هذه اللحظة وإن كان البعض الآن يفضلون تركه وفي بعض الدول الإسلامية وكتقليد غربي جاهلي وأعمى انتشت هذه العادة السيئة في بعض الأوساط المتغربة كنوع من هوس التقليد، وبعض الغربيين وجدوا حلًا آخر وذلك بأن تذكر المرأة اسم عائلتها مع اسم عائلة زوجها على التوالي
  4. أما في اللغة العربية وفي الاستخدام القرآني تحديدًا فالكلمة تدل على التكافؤ الجنسي وحسن تصرفها مع بعض في الحقوق الجنسية، وهي كلمة تطلق على الذكر والأنثى بلا فرق
  5. لتفاصيل هذا الأمر ينظر إلى كتاب (الفيلسوف المسيحي والمرأة) للدكتور إمام عبد الفتاح إمام، ص28-31، وكتاب الفيلسوف الإنجليزي (جون ستيوارت مل) بعنوان (استعباد النساء) ص16-17
  6. يقول الدكتور مراد هوفمان صاحب كتاب(الإسلام كبديل): المرأة المسلمة تتمتع بمزايا الاستقلال الاقتصادي الذي يصون أموالها وممتلكاتها منذ ألف وأربعمائية عام، بينما لم يتح ذلك للمرأة الألمانية إلا بعد منتصف القرن العشرين بفضل تدخل المحكمة الدستورية الألمانية التي حررت الزوجة من إطلاق يد الزوج في إدارة أموالها وممتلكاتها" ص202
  7. هبة رؤوف (المرأة والعمل السياسي)، ص203
  8. هشام الشرابي، النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي.
  9. ولا شك أن الأسرة الممتدة أيضًا وبالشكل الموجود في بعض المناطق تخلق بعض العوائق والإشكالات ليست للمرأة فقط وإنما لعموم الأسرة، ولكن هذه الإشكالات لا ترقى إلى ضرورة الحفاظ على هذا الكيان الحيوي وترشيده، حتى يمارس مهامه الحضارية في التنشئة الفكرية والسياسية والاجتماعية، وحماية الغرد من تغول السلطة وقسوة المجتمع وتعقد الحياة وطغيان المادية، وتوفر ملاذ وملجأ للأسرة النووية الصغيرة والحديثة عندما تحتاج لدعم أو حماية أو ترشيد أو مواساة أو إصلاح.. إلخ، والأسرة الممتدة التي نحرص عليها لا علاقة لها أبدًا بالأسرة الممتدة الأبوية الغربية
  10. صحيح أن هناك قسوة وعنف في الأسرة الغربية وحالات كثيرة تعرض الأولاد إلى الإهمال والقسوة والظلم، ولكن هذا كله لا يبرر القوانين القاسية التي تصدر ضد الآباء لصالح الأبناء

المصدر:
مثنى أمين الكردستاني، حركات تحرير المرأة من المساواة إلى الجندر، ص187

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#النسوية #الأسرة #الأب
اقرأ أيضا
بين الشعائر والطقوس! | مرابط
فكر

بين الشعائر والطقوس!


من أكثر الدول رعاية للطقوس والمراسم الدقيقة بريطانيا..ومن شاهد مراسم وفاة ملكتهم مؤخرا لاحظ بذلك بقوة.. هنا..لن تسمع اعتراضات المنهزمين نفسيا أمام الغرب والعلمانيين..لن تسمع عبارات: لماذا الاهتمام بالقشور وهذه الحركات الرمزية؟! بل على العكس..سترى منهم إعجابا وتسبيحا بعراقتهم واهتمامهم بثقافتهم وتقاليدهم!

بقلم: الدكتور أيمن خليل البلوي
77
دعوى مظلومية المرأة | مرابط
أباطيل وشبهات فكر مقالات المرأة

دعوى مظلومية المرأة


اطلعت على بعض المقاطع المعدة بأسلوب درامي مؤثر يرسم صورة الأنثى كمظلومة تحت مظلة الإسلام وقد نجحت مثل هذه الرسائل في استمالة ضعيفات الإيمان إلى ظلمات الشك ثم الإلحاد وكثيرا ما يدخل المشككون في الإسلام من باب المرأة يستثيرون بذلك عواطف المسلمات اللاتي لم يعرفن دينهن حق المعرفة وفي الحقيقة فإن خطابهم التشكيكي هذا لا يعدو أن يكون غشا و تدليسا

بقلم: أحمد يوسف السيد
2151
الحداثة الداروينية | مرابط
اقتباسات وقطوف

الحداثة الداروينية


والحداثة الداروينية لها أثرها علي نسيج المجتمع وعلي منظوماته الحاكمة ولنذكر بعض الظواهر الاجتماعية السلبية المختلفة: تآكل الأسرة تراجع التواصل بين الناس الأمراض النفسية تزايد الإحساس بالاغتراب والوحدة والغربة ظهور الإنسان ذي البعد الواحد هيمنة النماذج الكمية والبيروقراطية علي الإنسان تزايد العنف والجريمة يعد قطاع السجون هو أسرع القطاعات توسعا في الاقتصاد الأمريكي

بقلم: عبد الوهاب المسيري
178
محاورة دينية اجتماعية الجزء الثالث | مرابط
مناظرات مقالات الإلحاد

محاورة دينية اجتماعية الجزء الثالث


محاورة بين رجلين كانا متصاحبين مسلمين يدينان الدين الحق ويشتغلان في طلب العلم فغاب أحدهما عن صاحبه مدة طويلة ثم التقيا فإذا هذا الغائب قد تغيرت أحواله وتبدلت أخلاقه فسأله صاحبه عن ذلك فإذا هو قد تغلبت عليه دعاية الملحدين الذين يدعون لنبذ الدين ورفض ما جاء به المرسلون فحاوره صاحبه لعله يرجع فأعيته الحيلة في ذلك وعرف أن ذلك علة عظيمة ومرض يفتقر إلى استئصال الداء ومعالجته بأنفع الدواء وعرف أن ذلك متوقف على معرفة الأسباب التي حولته والطرق التي أوصلته إلى هذه الحالة المخيفة وإلى فحصها وتمحيصها و

بقلم: عبد الرحمن بن ناصر السعدي
1081
لماذا لا يثق الليبراليون بالليبراليات: الجزء الثالث | مرابط
فكر مقالات الليبرالية

لماذا لا يثق الليبراليون بالليبراليات: الجزء الثالث


يستطيع الليبرالي أن يعيش ازدواجية عنيفة بين شخصيته التي يظهر بها أمام أضواء الإعلام وفي سطور مؤلفاته أو مقالاته وشخصيته الحقيقية التي تظهر عندما تنطفئ هذه الأضواء وعندما يعم الظلام ويجف مداد القلم هنا تظهر هذه الازدواجية لترى الانحلال الأخلاقي والنظرة الشهوانية الجنسية للمرأة التي تقبع داخله بينما ينادي ليل نهار بحرية المرأة والتعامل معها على أنها إنسان له حقوق وكرامة قبل كل شيء وفي هذا المقال سترى الكثير من الشهادات بألسنة الليبراليين أنفسهم لتدرك وهم الليبرالية

بقلم: إبراهيم السكران
2266
الجنس الثالث | مرابط
المرأة

الجنس الثالث


وفي الوقت الذي يتجرع فيه الغرب آثار خروج المرأة على فطرتها ووظيفتها كان بعض كتابنا ومفكرينا ينادون بأن نأخذ في ذلك الطريق الذي انتهى بالغرب إلى ما هو فيه من مشاكل اجتماعية واقتصادية هزت دعائم مجتمعه هزا عنيفا أفقده استقراره واتزانه وعرض سلامته وكيانه لأشد الأخطار

بقلم: محمد محمد حسين
45