ابن تيمية وحياته الحافلة بالعطاء الجزء الأول

ابن تيمية وحياته الحافلة بالعطاء الجزء الأول | مرابط

الكاتب: أبو إسحق الحويني

371 مشاهدة

تم النشر منذ سنة

 

توقد ذهن ابن تيمية في مرحلة الشباب

ولد شيخ الإسلام رحمه الله يوم الإثنين العاشر من ربيع الأول، سنة (661هـ)، والتحق بطلاب العلم آنذاك في حفظ القرآن الكريم، فحفظه قبل أن يتم تسع سنوات، وبدأت تظهر عليه مخايل الذكاء والحرص من الصغر، حتى جاء رجل من دمشق ثم ذهب إلى حلب وجعل يمدحه ويثني عليه.

واستكثر أحد علماء حلب هذا الوصف على طالب صغير، فجاء إلى دمشق ليعاين الأمر بنفسه، فجلس عند حائك -خيَّاط- قال له: هل سمعت عن فتىً يقال له أحمد بن عبد الحليم ، يقولون: هو أعجوبة في الحفظ؟

قال: نعم، هو يمر إلى الكتَّاب من هذا الطريق.

فجلس الرجل ينتظره، فلما أقبل أحمد بن عبد الحليم -وهو صبي صغير- أشار الحائك إليه، قال: هذا هو.

فناداه العالم وقال له -وقد رأى في يده لوحًا-: أين تذهب؟ قال: إلى الكتَّاب.

قال: أعطني اللوح، فأعطاه اللوح فكتب فيه ثلاثة عشر حديثًا، وقال له: اقرأها. فما زاد ابن تيمية على أن نظر فيها، فأخذ الرجل منه اللوح ومسحها، ثم قال له: هل حفظت شيئًا؟

قال: نعم، حفظتها، قال: قل، فقرأها كما هي! فقال: لو عاش هذا الغلام لا يكون هناك مثله.

وعاش ابن تيمية وفعلًا صدقت فراسة الرجل.

شيخ الإسلام ابن تيمية حنبلي المذهب، دأبه في طلب العلم تعاهد نيته ليقوى قلبه. طالب العلم الذكي هو الذي يتعاهد نيته وقلبه في حال الطلب، فيكبر علمه وتكبر نيته مع العلم، لكن كثيرًا من الذين يأخذون العلم يطلبونه بمعزل عن تعاهد النية، فيكبر علمه ولا تكبر نيته، لذلك تجد علمه أوسع من نيته وأكبر من إخلاصه مع كتابه، فعندما يأتي إلى قلبه يجد أن العلم صار أكبر وأوسع فلا يستطيع أن يطوع قلبه لعلمه، فلابد أن يتعاهد قلبه مع علمه، كلما كبر العلم كبرت النية والإخلاص معه، فينتفع به، فهذا ما حصل لـشيخ الإسلام رحمه الله.

 

بداية ظهور إمامة ابن تيمية

الكل منذهل ومندهش منه، لكن لم تظهر إمامته، لأن تعظيم الإمامة يظهر عند محك الخلاف.

بدأت تظهر إمامة شيخ الإسلام سنة (698هـ)، ومع وجود إمامته بدأت محنته!

لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود

ويوضح هذا البيت الجميل قول القائل أيضًا:

يقابلني السفيه بكل فتـح فأكره أن أكون له مجيبًا

يزيد سفاهةً فأزيد حلمًا كعود زاده الإحراق طيبًا

هذا البخور إذا كان موضوعًا أمامك هل له رائحة؟ هل له عرف؟ ليس له عرف، أحرقه تشم رائحة زكية، تظهر الإمامة مع الخلاف، والخلاف يكشف كل زيف، كثير من الناس يدعون الإمامة كذبًا، تعال نعرف إذا كنت كاذبًا أم لا.

كما قال ابن المعتز:

سوف تعلم إذا انجلى الغبـار أفرس تحتك أم حمار

دعنا من التهويل حتى ينتهي الغبار، لا تقل: أنا أركب فرسًا مضمرًا عربيًا، قد يكون تحتك جحش.

 

تأليف ابن تيمية للحموية

بدأ الخلاف بالكتاب المشهور لشيخ الإسلام ابن تيمية: الفتوى الحموية الكبرى، قرر فيها مذهب السلف في الصفات، وأننا نمرها كما جاءت بغير تأويل ولا تفويض، وهناك فرقٌ بين التفويض والتأويل، لأنه حصل لبس في الاصطلاحات، فبعضهم يقول: كان الصحابة يفوضون معاني الصفات! لا. من قال: إنهم كانوا يفوضون؟!! فالتفويض معناه: تمرير النص بلا فهم للمعنى؛ فمعناه أنه الصحابة كانوا جهلة، حملوا صفات الله ولا يعلمون عنها شيئًا: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة:1] سميع ماذا يعني؟ أو تقول: سميع وتسكت؟ الألفاظ قوالب المعاني، ولا يوجد لفظ بلا معنى، فما معنى: إن الله سميع؟ يقول: سميع فقط، هو فوَّض المعنى على ظاهر النص، لكن ترك التأويل هو في خلاف ذلك نقول: نمرها كما جاءت، نعم، لكن نثبت له سمعًا يسمع، كيف يسمع؟! لا ندري، فهذا هو الفرق، أنا تركت تأويل كنه الصفة وأثبت شيئًا يليق بالله تبارك وتعالى، لكن التفويض: لا. ليس هناك إثبات معنى، وإنما هو إثبات اللفظ عارٍ عن المعنى، وما قال بهذا أحد من العلماء قط.

فشيخ الإسلام ابن تيمية جاءته رسالة من مدينة حماة -ولذلك سميت الفتوى الحموية- فكتب هذا الكتاب المدهش من حفظه ما بين الظهر إلى العصر، ونقل أقوال العلماء من كتبهم، ارجع إلى كتب العلماء تجده كما نقل بالحرف.

لا تندهش! فهناك ما هو أعظم من ذلك، ليس لـابن تيمية ولكن لتلميذ ابن تيمية النبيه، وارث علم ابن تيمية حقًا، وهو الإمام ابن القيم ، مؤلف زاد المعاد في هدي خير العباد ألفَّه من حفظه وهو مسافر إلى الحج، وما معه كتاب، واعتذر في مقدمة الكتاب بأن الخاطر مشغول وهو على سفر كتب ابن القيم خمسة مجلدات عند استراحته ونزوله في الطريق.

فكتب شيخ الإسلام ابن تيمية الفتوى الحموية الكبرى، فقامت قيامة الأشاعرة والماتريدية وكل مبتدع، وبدأت المحن من هنا، فناظرهم وانتصر عليهم، ولم يستطيعوا أن يأتوا بحرف يخالف مقال السلف:

وكلٌ يدعي وصلًا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك

إذا كان الأشعري يقول:أنا سلفي .. والماتريدي يقول: أنا سلفي .. والجبري يقول: أنا سلفي .. حتى الشيعي، كل ينتمي للسلف القدامى، فكلهم يدعي وصلًا بليلى، لكن عند المحك يظهر المدعي.

ألبوا عليه الأمير، فأمر العلماء أن يعقدوا مجلسًا للوزراء، وجاء ممثل لكل مذهب من المذاهب الأربعة .. ممثل عن المذهب المالكي، وممثل عن المذهب الحنفي، وممثل عن المذهب الشافعي، وممثل عن المذهب الحنبلي، وبدءوا يناظرونه ويناظرهم، فانفض المجلس ولم يعثروا عليه حرفًا، إلا في بعض الألفاظ التي أطلقها، قالوا له: غيرها لكذا، ثم قال لهم بعد عدة مجالس: أنا أمهل كل من خالفني سنة أن يأتي بحرف عن أحد العلماء في القرون الثلاثة الأولى يخالف ما ذكرته، كان مدهش النقل! يقول الإمام الذهبي رحمه الله: له اليد الطولى في النقل، لدرجة أن الكل يتعجب من قوة استحضاره، حتى قال الإمام الذهبي -وهو العالم الكبير المشهور المحدث-: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث.

إذا قال لك ابن تيمية: أنا لا أعلم هذا الحديث، فابك عليه، ولن تجد له أصلًا، مع أن ابن تيمية لا يصنفه العلماء محدثًا بل يصنفونه فقيهًا، وهو في الحديث في هذه المرتبة.

 

ابن تيمية ونبوغه في علم التفسير

أما علم التفسير فلا يعلم رجلٌ فتح عليه مثل ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ، يقول الذهبي رحمه الله: كان له مجلس تفسير كل جمعة، لكن أنا أقول لك: كيف يبدأ درس شيخ الإسلام ؟ يصلي الفجر ثم يجلس على هيئته يذكر الله عز وجل إلى شروق الشمس، ثم يقوم فيصلي الضحى ثماني ركعات، ثم يجلس لدرس التفسير إلى قبيل الزوال، فيأتي بما لا يخطر على البال من المعاني الجميلة، حتى وصل به الحال أن فسر آية واحدة في سورة محمد أربع سنوات، من أين أتى بهذا الكلام؟!!!

وكان كلامه لصدقه وإخلاصه يؤثر في القلوب، لا يستطيع رجل أن ينام وابن تيمية يتكلم من حرارة كلامه وصدقه، وإذا ألقى الله عز وجل محبة رجل في قلوب الناس لا مغير لها، وهذا ما حدث لشيخ الإسلام ابن تيمية ، غلب الناس على حبه حتى المخالفين له.

ابن مخلوف المالكي الذي أفتى بإهدار دم ابن تيمية ؛ حتى سماه الشوكاني في البدر الطالع: ذاك شيطان الإنس. وقال: أهدر دم ابن تيمية ! الحمد لله أنه لم يستجب له في إهدار دم هذا الإمام الذي لم يسمع الزمان بمثله!

 

تأليف ابن تيمية للواسطية

هذا قاضٍ من قضاة واسط جاء إلى ابن تيمية وقال له: اكتب لي عقيدةً ولأهل بيتي أضعها بيني وبين الله حجة، فاعتذر ابن تيمية ، فألح عليه، فكتب له شيخ الإسلام ابن تيمية العقيدة الواسطية في مجلس واحدٍ أيضًا بين الظهر والعصر، فقامت القيامة على هذه العقيدة أيضًا؛ لأن فيها نفس مقررات العقيدة الحموية السابقة واجتمع القضاة الأربعة، وصاروا إليه، فناظرهم وانتصر عليهم، كما تقول كتب التاريخ.

وظل زمانًا طويلًا يدخل السجن ويخرج منه، حتى إنه لما رحل إلى مصر -وشرفت مصر بقدومه- ظل فيها سبع سنوات، منها عدة أشهر طليقًا والباقي في السجن.

 

ابن تيمية وجهاده للتتار

العلماء والقضاة تنكروا للرجل بعد واقعة شقحب، التي كان من المفروض أن يدين أهل الإسلام بالولاء له بعدها، فعندما توجه التتار نحو مصر بعد أن غزوا العالم كله وفتحوه، حتى إن هولاكو كان إذا أرسل رسوله ومعه رقعة وكتب فيها: أنا سآتي، فترتعد فرائص كل من في البلد؛ لأن هولاكو كان معروفًا بسفك الدماء والإفساد في الأرض، فبدأ ابن تيمية يدعو الناس للجهاد ويحثهم عليه، ووجد السلطان خائفًا فطمأنه، وقال: إننا لمنصورون هذه المرة، فقال السلطان: قل: إن شاء الله، قال له: تحقيقًا لا تعليقًا، ثم يقسم بالله: إننا لمنصورون عليهم هذه المرة.

قال ابن القيم رحمه الله في الوابل الصيب، حتى قال السلطان لبعض الحجاب: أرني خط الموت، أين خط الموت، فوقف عليه السلطان -الحاجب هو الذي يحكي حكاية- يقول: وأنا أعلم أنه مقتول، ثم يركب ابن تيمية الفرس ويدخل في المغول ويقسم بالله: إننا لمنصورون هذه المرة، وذهب إلى غازان قائد التتار، فقال له: نحن مسلمون، لماذا تخافون منا؟ الرجل يدعي أنه مسلم وعنده قاضٍ ومؤذن ورجل يؤم المسلمين شيخ الإسلام ابن تيمية علم أنه سيغرر بالناس، فدخل عليهم شيخ الإسلام ومعه أعيان البلد.

يقول أحد العلماء الذين حضروا الموقف: كان ابن تيمية يكلم غازان بكلامٍ شديد، وأنا أجمع ثيابي حتى لا يصيبني دم ابن تيمية ، وكنا نقول: إنه لن يخرج حيًا إنه سيقتله؛ من شدة الكلام الذي وجهه له.

ومما قال له: أنت تزعم أنك مسلم؟ أبوك كان كافرًا وجدك كان كافرًا فوفيا وغدرت، وكان غازان يتلطف معه، ويمسك على كتفه، ثم قال له: ادع لي يا مولانا!

هنا يتبين العالم الذكي، وهنا تتضح الدعوة الناضجة قال: نعم، اللهم إن كان عبدك هذا خرج لتكون كلمتك هي العليا فانصره، وإن كان خرج رياءً وبطرًا فاقتله، قالوا: فكان يدعو عليه وهو يؤمن، وخرج إلى الشام مظفرًا وقد قال له العلماء والدعاة: لا نتبعك بعد الآن، سوف نقتل جميعًا بسببك، قال: وأنا لا أتبعكم، قالوا: وتخلف شيخ الإسلام وتركناه وذهبنا راجعين إلى البلد، ورجع هو بعد خمسة أيام بصحبة ثلاثمائة راكب، شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الذي حصل له سنة (702) وبعدها كان المفروض أن يبجلوه، بعدما عرفوا قدره، لكن أهل البدعة الذين ناصبوا النبي صلى الله عليه وسلم العداء في هديه لا يستحون من عباد الله.

 

محنة ابن تيمية في فتوى الطلاق

دخل شيخ الإسلام ابن تيمية مصر سنة (705هـ) فأدخلوه السجن، خافوا منه أن ينشر العلم في البلد، فظهرت فتيا الطلاق، وهذه من العجائب!

الآن في مصر والشام وفي سائر البلاد العربية وأغلب البلاد الأعجمية يأخذون بفتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في الطلاق، ولكن أغلبهم لا يأخذ بها لأنها الحق، ولأنها وجه التشريع للناس، ولكن لأنها التيسير.

أهل المذاهب الأربعة يقولون: إذا قال رجلٌ لامرأته بنفس واحد: أنت طالق ثلاثًا، فإنها تبين منه، سواء كان في حالة غضب أو لا، ولا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره، فقام شيخ الإسلام ابن تيمية في القرن السادس فقال: إن الرسول عليه الصلاة والسلام وأبا بكر و وصدرًا من خلافة عمر كانوا يجعلون طلاق الثلاث بلفظٍ واحد طلقة واحدةً، فلما تتابع الناس على لفظ الطلاق واستهزءوا به، والكل يقول: عليَّ الطلاق وإذا امرأته طالق، أراد عمر أن يردعهم ويزجرهم، فقال: إن الناس قد تتابعوا في أمر كان لهم فيه سعة، أفلا ترون أن أضيقه عليهم عقوبةً لهم؟

فوافقوه، فصارت الفتوى كذلك، وهذه فتوى الأئمة الأربعة والجماهير: أن من قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا بلفظ واحد أنها قد طلقت ثلاثًا وبانت منه.

فجاء شيخ الإسلام ابن تيمية وقرر المسألة وأتى بأشياء، ولكن عندما تقرؤها تقلب كفيك عجبًا من دقة استنباطه للنصوص ودفاعه عن الأحاديث، المهم انتصر شيخ الإسلام في هذه المسألة، فقامت قيامة الدنيا، وقالوا: هذا الرجل يلعب بأنكحة المسلمين، فمعنى: أن رجلًا يقول لامرأته: أنت طالق ثلاثًا ونحسبها طلقة واحدة وهو يردها لزوجها، إذا:ً ابن تيمية أباح الزنا، ولم يبق إلا أن يقولوا: ابن تيمية يجيز الزنا، كيف يجيز الزنا؟!! يقولون: لأجل لفظ الثلاث بالطلاق مرة واحدة فالمرأة لم تبن منه بينونة كبرى، ومع ذلك مضت الأيام والسنون وإذا فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية يتبنونها في القضاء وفي المحاكم وفي لجان الفتوى، ليس لأنه الحق لكن لأنه التيسير، فنحن لو أخذنا بفتوى العلماء الأربعة يبقى (999) من ألف، فأخذوا بها، وعندما دخل شيخ الإسلام ابن تيمية السجن أنكر عليهم أول ما دخل ولم يمكنهم من ممارسة اللهو واللعب، حتى تحول السجن إلى حلقة علم، ومن الغرائب: أن المسجون الذي كان يأتيه الفك بالخروج لا يريد أن يخرج، والذي خارج يتمنى دخول السجن لوجود هذا العالم المبارك، أعداؤه عندما نظروا إلى هذا الرجل انذهلوا، وألبوا عليه فطلبوا نقله إلى سجن الإسكندرية، فنقل إلى سجن الإسكندرية حتى جاء السلطان محمد الناصر وسأل ابن تيمية عن مسألة فأحبه وهو رجل بطل مغوار قائد شجاع يُكسب، عندما تكسب القادة العسكريين تتحطم أمامك الأبواب نتعلم من ابن تيمية على الأقل تقييد القلوب، فسأل عن ابن تيمية فقالوا: هو في سجن الإسكندرية فأرسل إليه وجعل الحكام يعتذرون له ويقول: اجعلني في حل، قال: أنت في حل، وكل من عاداني، ولا يعلم أنني على الحق في حل، انظر إلى السماحة!

وما تركوا ممكنًا في إيذائه إلا فعلوه، حتى وصلوا إلى أنهم ذهبوا إليه في المسجد وضربوه، فأتى أناس من أتباع ابن تيمية وأحلافه وقالوا له: نحن أتينا إليك؟ قال: لم؟ قال: ننتصر ممن ضربك، قال: إن كان الأمر لي والحق لي فقد أحللتهم، قالوا: لا بد أن نفعل، قالوا: إذًا افعلوا ولا تأتوني بعد ذلك، فكفوا، فقال: أنا أحل كل من عاداني إلا من كان عدوًا لله ورسوله، ثم استمر عدة سنوات.

 

محنة ابن تيمية في منع شد الرحال إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم

جاءت المحنة الكبرى وهي منع شيخ الإسلام شد الرحال إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام، عندما جاءه رجل وسأله: ما تقول السادة العلماء في شد الرحال إلى قبور الأنبياء والصالحين، ومنهم قبر نبينا صلى الله عليه وسلم، هل هذا جائز، أم لا؟

فكتب كتابًا ذهب فيه إلى عدم الجواز، وقال: إنه لا يجوز لأحدٍ أن يشد رحاله إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقامت القيامة عليه وقالوا: هذا يكره النبي صلى الله عليه وسلم، يمنع زيارة قبر النبي! طيب أيكون هذا مسلمًا! فحرفوا فتوى شيخ الإسلام وقالوا: إنه يقول: لا يستحب أن تذهب إلى المدينة، هل قالها؟ وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من أربعة مواضع في غير هذا الكتاب على هؤلاء: هل سمع له أحد؟ هل رجع أحد وتحقق من صدق كلامه؟

الجواب: لا. واستمروا في التأليب عليه، حتى حبس هذه المرة في دمشق؛ لأنه مكث في مصر سبع سنوات ثم انتقل سنة (712) إلى دمشق، فكان يكتب الفتاوى في الأوراق، وكان آنذاك مكرمًا فسمح للناس بزيارته وإدخال كل الأوراق والكتب، ولا يحجب عن الناس، كالإقامة الجبرية فسمحوا للناس أن يدخلوا إليه، لكنه لا يخرج، وكان الأعيان والعلماء يستفتونه من باب ويأتيه الآخرون من باب آخر، فكان منشغلًا إما بالتصريح وإما بالفتوى وإما بحل المشاكل بين الناس، إلى أن شدد المخالفون عليه فأبقوه في السجن ليستريح، ومنعوا الدخول إليه والاستفتاء منه، ومن العجب أن العلماء كانوا موجودين بالمئات، ومع ذلك لم يكونوا يأتمنون أحدًا على الفتوى كمثل شيخ الإسلام ابن تيمية ، وهو مسجون: وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ [الحج:18] وقد أكرمه الله تبارك وتعالى، فما له من مهين، إلى أن أخذوا منه الأوراق والأقلام، ومنعوا أحدًا أن يدخل عليه، فبدأ المرض يشتد على جسد ابن تيمية رحمه الله، وظل مريضًا نحو شهر كامل، ثم وافاه الأجل رحمه الله ليلة الإثنين في (26 من ذي القعدة سنة 728هـ) بعد حياة حافلة، فهذا مجمل حياة شيخ الإسلام ابن تيمية .

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#ابن-تيمية #الحويني
اقرأ أيضا
مناظرة شيخ الإسلام ابن تيمية للأحمدية ج4 | مرابط
مناظرات

مناظرة شيخ الإسلام ابن تيمية للأحمدية ج4


أما بعد.. فقد كتبت ما حضرني ذكره في المشهد الكبير بقصر الإمارة والميدان بحضرة الخلق من الأمراء والكتاب والعلماء والفقراء العامة وغيرهم في أمر البطائحية يوم السبت تاسع جمادى الأولى سنة خمس أي بعد السبعمائة لتشوف الهمم إلى معرفة ذلك وحرص الناس على الاطلاع عليه. فإن من كان غائبا عن ذلك قد يسمع بعض أطراف الواقعة ومن شهدها فقد رأى وسمع ما رأى وسمع

بقلم: شيخ الإسلام ابن تيمية
178
من أدلة وجود الله: القيم المطلقة | مرابط
تعزيز اليقين

من أدلة وجود الله: القيم المطلقة


إن هذا الإطلاق في القيم ينفي عنها الخضوع للرغبة الذاتية فهي ليست من تلك المسائل التي يدلي فيها كل إنسان برأيه أو تتواضع فئة من الناس على تقريرها أو تنتجها الثقافات المختلفة وفق ما يلائمها بل هي معان موضوعية لا تتقيد بالرأي الذاتي بمعنى أنها لا تنشأ من آراء الناس بل تكون هي الحاكمة على آرائهم.

بقلم: مجموعة كتاب
46
الهروب عن النص إليه | مرابط
فكر مقالات

الهروب عن النص إليه


إن أردت الظفر بالمعنى والحجة الأكثر حضورا لدى خصوم النص الشرعي في كافة قضاياهم التي يصادمون بها النصوص والأحكام الشرعية فهي - بجدارة - الحجة والبيان القائل: هي مخالفة لفهم معين للنص الشرعي وليست مخالفة لذات النص الشرعي وقد تصاغ بأشكال فنية مختلفة لكن مفعولها إنما يتحرك حين يستشعر أن ثمة تخطيا أو تعديا لنص شرعي ما

بقلم: فهد بن صالح العجلان
406
من حياة عمر بن عبد العزيز ج3 | مرابط
تفريغات

من حياة عمر بن عبد العزيز ج3


وتأتي وفاة عمر الذي كان أعظم ما قاده إلى الله ذكر الموت اشتد عليه المرض وأدخل عليه الأطباء ووضعوا له العلاج المناسب والشفاء بيد رب العالمين فقال: والله لو كان دوائي في أن أرفع يدي اليمني إلى أذني ما فعلت والله ما أنا بحريص على الدنيا فقد مللتها ولكني أسأل الله أن يسلم

بقلم: خالد الراشد
287
صلاح القلوب بالشكر لله على نعمائه | مرابط
اقتباسات وقطوف

صلاح القلوب بالشكر لله على نعمائه


فإن صلاح القلوب بالشكر لله على نعمائه والصبر على بلائه وانتظار الفرج من الله إذا ألمت الملمات واللجوء إلى الله عند جميع المزعجات والمقلقات فأقل الأحوال عند هذا المؤمن أن تتقابل عنده المصائب والمحاب والأفراح والأتراح وقد تصل الحال بخواص المؤمنين إلى أن أفراحهم ومسراتهم عند المصيبات تزيد على ما يحصل فيها من الحزن والكدر الذي جبلت عليه النفوس

بقلم: عبد الرحمن بن ناصر السعدي
160
الليبرالية السعودية والتأسيس المأزوم ج4 | مرابط
أبحاث الليبرالية

الليبرالية السعودية والتأسيس المأزوم ج4


المراقب الواعي إذا تجول في مخرجات التيار الليبرالي ووقف على أبرز محطاته وسلط الأضواء على مرتكزاته المعرفية تصيبه الدهشة بسبب ما يراه من الفقر الشديد في مؤهلات النمو الصحي وبسبب ما يلحظه من الهشاشة الكبيرة في مرتكزات شرعية وجوده في الساحة الفكرية وسيكتشف أن الليبرالية السعودية تعاني من أزمة فكرية ومنهجية عميقة أزمة في المصطلح وأزمة في الخلفيات الفلسفية وأزمة في السلوكيات اليومية وأزمة في الالتزام بالقيم وأزمة في الاتساق مع المبادئ وأزمة في الاطراد وأزمة في التوافق بين أسس الليبرالية وبين قطع...

بقلم: سلطان العميري
1198