الأسس الفكرية لليبرالية: الفردية ج1

الأسس الفكرية لليبرالية: الفردية ج1 | مرابط

الكاتب: د عبد الرحيم بن صمايل السلمي

2487 مشاهدة

تم النشر منذ سنتين

الحرية والفردية

"الفردية هي السمة الأساسية الأولى لعصر النهضة، فها هو عصر النهضة يأتي كرد فعل لفكر القرون الوسطى، ويتحرر الفرد من الانضباط الكاثوليكي الطويل" (1)

وقد ارتبطت الحرية بالفردية ارتباطا وثيقًا، فأصبحت الفرديّة تعني استقلال الفرد وحريته، وفي ذلك يقول جون ديوي "كانت فكرة الحرية مرتبطة في تقاليد مذهب الأحرار -عند كل من الأمريكيين والإنجليز بفكرة الفردية؛ أي: بالفرد نفسه من حيث هو فرد، وكان هذا الارتباط وثيقًا وكثير الورود على الألسنة، حتى خاله الناس أمرًا ذاتيًا أصليًا"(2)

وقد جاءت هذه الفردية بمفهومين مختلفين:

أحدهما: الفردية بمعنى الأنانية وحب الذات، وهذا المعنى هو الذي غلب على الفكر الليبرالي منذ عصر النهضة وإلى القرن العشرين، وهذا هو الاتجاه التقليدي في الأدبيات الليبرالية.

والثاني: الفردية بمعنى استقلال الفرد من خلال العمل المتواصل والاعتماد على النفس، هذا هو الاتجاه البراجماتي، وهو مفهوم حديث للفردية.. ومن خلال هذين المفهومين يتبين حقيقة الفردية في الفكر الليبرالي، وهو الأساس الذي تعود إليه الليبرالية، ومن خلاله يتضح معناها.

أولًا الفردية التقليدية:

يربط الليبراليون الفردية بالطبيعة البشرية، فحالة الطبيعة الأولى هي الصورة الحقيقية للإنسان، فيرى هوبز أن الطبيعة الإنسانية شريرة أنانية، تؤكد على الذات وتسعى لتحقيقها وحمايتها، ولكن جون لوك يختلف معه في أن الإنسان شرير، ويوافقه في تأكيده لذاته (3)

وقد كان هوبز أكثر أصالة في تصوره الليبرالي لحقيقة الإنسان من جون لوك (4)، مع أن لوك وصل لذات النتيجة بطريقة أخر ىحيث قرر الملكية الخاصة بصورة أنانية محضة.

فقد قرر لوك أن الله تعالى أعطى الأرض لبني آدم مشاعا بينهم، وجعل العمل هو المبرر الوحيد للملكية (5)، ولكن لوك وقع في تناقض خطير، حيث اعتمد في قوله بأن الله أعطى الأرض لبني آدم مشاعًا بينهم على أساس ديني خبري، ثم زعم أن العمل هو الوسيلة الوحيدة للملكية بناء على ما قررته الطبيعة، وهذا مستند عقلي، وقد أراد لوك أن يعطي العمل قيمة عليا فجعله أساس الحرية الفردية.

وقد بنى "كانت" نظريته الأخلاقية على استقلال إرادة الفرد في مقولته الشهيرة "إن الأخلاقية تنحصر في معاملة الأفراد كغايات" (6) ولهذا يقول "اعمل دائمًا بحيث يكون في استطاعتك أن تجعل من قاعدة فعلك قانونًا كليا للطبيعة.. واعمل دائمًا بحيث تعامل الإنسانية في شخصك، وفي أشخاص الآخرين كغاية لا بمجرد وسيلة.. واعمل بحيث تكون إرادتك -باعتبارك كائنًا ناطقًا- هي الإرادة المشرعة الكلية"(7)

وهو يقصد التأكيد على استقلال الفرد الذاتي، وأن إرادته يجب أن تكون إرادة حرة مستقلة، ولكن رؤية "كانت" جاءت نظرية وليست عملية، ولهذا اعتبرها جون ديوي أخلاقا صورية (8) 

المنفعة والفردية

وقد ارتبطت الفردية بالمنفعة التي ترى "أن الخير هو اللذة، والشر هو الألم، ومن هنا فإن أفضل حالة يمكن بلوغها هي تلك التي يبلغ فيها  تفوق اللذة على الألم أقصى مداه"(9)

وهذا النوع من الفردية نجده لدى بنثام(10)، فإن فكره الفلسفي يعتمد على منفعة فردية من خلال السعادة التي تتحقق عبر الملكية الخاصة، والتي تعني النفعية في صورتها الخالصة، وهي ملكية أي شيء قد يأتي منه فائدة أو مصلحة أو لذة، أو خير أو سعادة (11)، وقد كانت منفعة بنثام هي الوشيجة التي قرّبته من الليبرالية لدعم برنامجه القانوني المبني على المنفعة.

فالفردية والنفعية والأنانية مترابطة بصورة وثيقة، يقول ستيقن لوكس في كتابه الفردية: "فالمذهب الأنوي في الأخلاق، هو ذلك المذهب الذي يسلم بالمبادئ الأخلاقية بوصفها مبادئ فردية على نحو قاطع. لكن يوجد هناك مذهب يصل بتلك المبادئ الفردية إلى أقصى حد ممكن، ذلك المذهب يمكن أن نؤرخ له بصورة أساسية من القرن التاسع عشر، والذي سوف نطلق عليه من الآن فصاعدًا "المذهب الفردي في الأخلاق"(12) ويمكن القول بأن تطور الفردية والأنانية هو تطور مزدوج يحمل وجها إيجابيا؛ أي: تقدم الشخصية الفردية، كما يحمل وجهًا سلبيًا؛ أي: تقدم الأنانية من وجهة نظر المجتمع والفرد في آن واحد (13)

وتحقق الإنسان لفرديته لا يتعارض مع الوضع الاجتماعي العام؛ ﻷنه كلما زاد سعي الفرد لمصلحته الخاصة فإن قانون الطبيعة يقوم بتنظيم الأمور الفردية المتعددة لتؤدي النفع الاجتماعي العام، وهذه العملية التوفيقية بين الفرد والمجتمع نسبها الليبراليون إلى الطبيعة، وقد سماها آدم سميث "اليد الخفية" وهي التي قال عنها ريكاردو (14): "إن السعي وراء الميزة الفردية يرتبط بشكل يدعو إلى الإعجاب مع الخير العام للكافة"(15)


الإشارات المرجعية:

  1. تاريخ الفكر السياسي 358/1
  2. الحرية والثقافة ص33
  3. انظر: في فلسفة السياسة ص100
  4. السبب في خلاف لوك لهوبز هو أن طبقة البرجوازية أرادت تسويق فكرة الحرية الفردية التي تبرر لها كسب الأموال بأي طريق، ولكنها عدلت عن رأي هوبز لأنه ليس له قبول كرجل ملحد بالإضافة إلى أن الوحشية التي صور بها الإنسان ليس لها قبول نفسي، وأيضًا النتيجة التي توصل لها وهي ضرورة الاستبداد للخروج من حالة الطبيعة، وقد عدلت إلى لوك ﻷنه مسيحي، وخاطب المجتمع بطريقة دينية توصل للمطلوب، انظر الليبرالية إشكالية مفهوم ص68
  5. انظر نصوص جون لوك في كتاب: الليبرالية إشكالية مفهوم ص70
  6. تطور الفكر السياسي 89/4
  7. كانت أو الفلسفة النقدية ص199
  8. انظر: مفهوم الليبرالية عند جون ديوي ص65
  9. حكمة الغرب 213/2
  10. جيرمي بنثام: فيلسوف وعالم اقتصاد إنكليزي، ولد سنة 1748م، وتُعرف فلسفته بالبنثامية، وخلاصتها: أن المتعة هي غاية الحياة الأساسية، وأن هدف القانون هو تحقيق أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس.
  11. نقلا عن الليبرالية إشكالية مفهوم ص56
  12. المرجع السابق ص50
  13. المعجم النقدي لعلم الاجتماع ص415
  14. دافيد ريكاردو: عالم اقتصاد إنجليزي، ولد سنة 1772م، يعتبر مؤسس المدرسة الكلاسيكية في علم الاقتصاد، وقد تأثر بآرائه كل من توماس روبارت مالتوس وجون ستيوارت مل وكارل ماركس
  15. نقلا عن تطور الفكر السياسي 913/4

المصدر:
د. عبد الرحيم بن صمايل السلمي، حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها، ص146

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#الليبرالية #الفردية
اقرأ أيضا
اللسان العربي والعلوم العقلية | مرابط
لسانيات

اللسان العربي والعلوم العقلية


تغيرت طبيعة التعبير اللغوي بتأثير من العلوم العقلية المتغلغلة في الأمة وقد ظهر هذا الأثر في مجالين كبيرين: الأدب والعلوم الشرعية وهناك الكثير من الشواهد التي لا تحصى على تغير اللسان وابتعاده عن اللسان الأول بسبب تأثر العبارة الشرعية بالمنطق اليوناني خصوصا وبالعلوم العقلية عموما

بقلم: البشير عصام المراكشي
521
أين الآباء من أولادهم؟ | مرابط
مقالات

أين الآباء من أولادهم؟


أيها الآباء لا حاجة لأولادكم في الثوب الجديدأو المصروف الكبيرأو الميراث الوفير إذا لم تؤسسه بحضورك على حب الله ومراقبته وتكتشف مواطن الخير فيه فتتعهدها وتنميها وتعرف مكامن الشر في نفسه فتنتزعها وتنقيها..

بقلم: خالد حمدي
301
إذا لم تستحي فاصنع ما شئت | مرابط
اقتباسات وقطوف

إذا لم تستحي فاصنع ما شئت


مقتطفات من كتاب جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم للإمام زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين الشهير بابن رجب رحمه الله وهو من أشهر وأبرز المؤلفات الجامعة لأصول وكليات الدين

بقلم: ابن رجب الحنبلي
463
التسلح سباق نحو الهاوية | مرابط
فكر مقالات

التسلح سباق نحو الهاوية


إن ما نراه في تاريخنا الحديث من سباق محموم نحو التسلح -كما وكيفا- فمن حيث الكم نرى المليارات التي تنفق سنويا لشراء الأسلحة وتكديسها بما يشير لما نحن مقبلون عليه من مستقبل دام أما من ناحية الكيف فنرى التطور المذهل في تقنية الأسلحة بما يجعلها أشد فتكا وتدميرا بصورة مرعبة وتفوق التصور على غرار انتشار ما عرف بأسلحة الدمار الشامل وعلى الرغم من أنها محرمة دوليا ويعتبر مستخدمها ضد مدنيين مجرم حرب فإنها أصبحت واسعة الانتشار بأنواعها الثلاثة: الأسلحة النووية والأسلحة الجرثومية والأسلحة الكيميائية

بقلم: راغب السرجاني
1467
مبنى الدين على قاعدتين: الذكر والشكر | مرابط
اقتباسات وقطوف

مبنى الدين على قاعدتين: الذكر والشكر


مقتطف لابن القيم من كتاب الفوائد يذكر فيه قاعدتين جليلتين في دين الإسلام ألا وهما الذكر والشكر قال تعالى فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ويفصل لنا الحديث عنهما وما جاء فيهما في كتاب الله المحكم وفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم

بقلم: ابن القيم
969
حسن اختيار الزوجة | مرابط
المرأة

حسن اختيار الزوجة


وكما أن المرأة الصالحة واحدة من أربع من السعادة فالمرأة السوء واحدة من أربع من الشقاء كما جاء في الحديث الصحيح وفيه قوله .. فمن السعادة: المرأة تراها تعجبك وتغيب عنها فتأمنها على نفسها ومالك. ومن الشقاوة: المرأة تراها فتسوءك وتحمل لسانها عليك وإن غبت عنها لم تأمنها على نفسها ومالك

بقلم: محمد صالح المنجد
357