الإنسان ذئب لأخيه الإنسان

الإنسان ذئب لأخيه الإنسان | مرابط

الكاتب: د. سامي عامري

832 مشاهدة

تم النشر منذ سنة

أدرك كثير من المعاصرين لداروين عند إصداره في كتابه (في أصل الأنواع) خطورة لوازم نظريته على الإنسان، رغم أن داروين لم يتحدث في أمر تطور الإنسان إلا لاحقا في كتاب (في أصل الإنسان) ومن هؤلاء آدم سدجويك -المشرف السابق على داروين في العلوم الطبيعية في جامعة كمبردج- فقد كتب إلى داروين رسالة سنة 1859، بعد فترة قصيرة من نشر كتاب (في أصل الأنواع)، قال فيها: "فقرات في كتابك.. صدمت كثيرا ذوقي الأخلاقي.. هناك جزء أخلاقي أو ميتافيزيقي في الطبيعة بالإضافة إلى الجزء الفيزيائي. من ينكر ذلك واقع في قاع مستنقع الحماقة.. في رأيي، إن البشرية ستعاني من ضرر قد يُثخن فيها، وسيهوى الجنس البشري إلى درجة دنيا متدهورة أدنى من أي درك بلغة الإنسان في تاريخه المكتوب"

 

عندما ينزل الإنسان إلى مرتبة الحيوان تحكمه لغة الغاب، وشريعة الافتراس والانتهاس؛ يصبح العدل دالا بلا مدلول؛ لافتقاده أرضية تُبنى عليها مفاهيم الإنسان، والحق، والواجب.

 

ولقد تمثل هتلر لاحقا روح الداروينية في قوله في كتابه كفاحي، عند حديثه عن رؤيته الكونية التي (لا تؤمن بأي حال من الأحوال بالمساواة بين الأعراق.. ومن خلال هذه المعرفة تشعر أنها مضطرة -وفقا للإرادة الأبدية التي تحكم هذا الكون- لتعزيز انتصار الأفضل، والأقوى، وللمطالبة بخضوع الأسوأ والأضعف. وبالتالي هي تعتنق بصورة مبدئية القانون الارستقراطي للطبيعة، وتؤمن لصحة انطباق هذا القانون على الجميع. وهي لا تعترف فقط بالقيمة المختلفة للأعراق، وإنما تؤمن أيضًا باختلاف قيمة الأفراد)

 

لما واجه أحد أصحاب داوكنز من التطوريين داوكنز بحقيقة مآلات الداروينية قائلًا: هناك مجموعة كبيرة من الناس غير مرتاحة لقبول التطور؛ ﻷنه يؤدي إلى ما يعتبرونه فراغا أخلاقيا، حيث تفقد أفضل رؤاهم الأخلاقية كل أساس في عالم الطبيعة!

أجابه داوكنز بقوله: كل ما أستطيع أن أقوله هو أن الأمر شديد، وعلينا مواجهة ذلك.

 

وقد كان جون لوك -أحد أشهر المدافعين عن حقوق الإنسان في التاريخ الأوروبي- مدركا منذ قرون مآلات الإلحاد إن التزمه صاحبه كامل الالتزام؛ ﻷنه يطلق في الإنسان ذئبيَّته الشرسة، دون رادع؛ فكتب في رسالته الشهيرة "رسالة حول التسامح": الوعود والعهود والأيمان، التي هي روابط المجتمع البشري، لا يمكن أن تكون ملزمة للملحد. التلخص من الإيمان بالله، حتى لو كان في عالم الفكر وحده، يذيب كل شيء"

 

إن الفعل الذي يفعله الإنسان -مهما كان قبحه- لا يخرج في كليّته -في التصور الإلحادي- عن أن يكون حركة فيزيائية لا علاقة لها بالحسن والقبح؛ فقتل إنسان لآخر لا يخرج عن إدخال سكين بسرعة في بطن آخر، أو إطلاق رصاصة لتستقر في دماغ ثان.. أفعال لا معنى لإدانتها، كما أننا لا نُدين الأسد إذا أمسك بغزالة، وأنشب أنيابه في عنقها لشل حركتها، ثم انتهشها، ولا ندين القطة إذا اقتنصت فأرًا لغدائها.. لا فارق البتة.. إذا لم يكن الأسد والقطة ظالمين آثمين؛ فلم يُدان الإنسان في عالم بلا أخلاق، باعتراف الملاحدة؟!

 

في عالم إلحادي، ليست الأنانية القصوى رذيلة؛ إذ أننا لن نجد سببًا ماديًا لإدانة الرغبة في احتكار أسباب المتعة.. في عالم مظلم بلا خير ولا شرّ، لا يُمكن أن نجد أساسًا وجوديًا لإدانة من يروي عطشه لسعادته الشخصية على حساب غيره؛ إذ إن سعادة الآخرين أمر غير جدير بالاعتبار.. ولذلك صرّح داوكنز أنه من العسير -إلحاديا- أن تجد أساسًا لإدانة هتلر! ولما قال له الصحفي: ضمن نظراتك الإلحادية، لا أساس لإدانة الافتصاب أنه خطيئة، فإن إنكار هذا الفعل موقف اعتباطي، لم يجد داوكنز بدًا من موافقته.

 

إنه عالم متعاطف مع نيتشه في استخفافه بأخلاق الرحمة وإغاثة المكروثين؛ فكل مبادئ الأخلاق أكاذيب من صنع الخيال، وكل تحليلاته النفسية محض تزوير، وكل أشكال المنطق التي أقحمها الناس في مملكة الأكاذيب هذه لا تعدو أن تكون سفسطات.

 

الحقيقة الوحيدة هي الحياة الفعلية، وهي منافرة بطبعها للأخلاق المتسلطة عليها من الخارج، وللمثل العليا التي تدعونا إلى الإحسان إلى الضعفاء وإكرام المحتاجين. إن هذه المثل تفقر الحياة الحقيقة وتكاد تسلبها حيويّتها.

 

وتسير هذه الأخلاق المثالية بذلك عكس الانتخاب الطبيعي الذي لا يُبقي على الأرض غير ذاك الذي فاز عن جدارة بحق البقاء في معركة الحياة الملحمية؛ فلا تستبقي الحياة إلا ذاك القادر على التكيف والتطور، وأما العاجز والقاصر فمصيره الزوال. إن الشفقة بالضُّعفاء أشدّ القيم منافرة لطبيعة الغابة. "إن الشفقة فضيلة المومس" كما هي عبارة نيتشه.

 

كما ترفض الطبيعة منطق الأخلاق في المساواة بين الكائنات -في أي صورة من صور المساواة- ﻷن الطبيعة قائمة على التمييز والتفرقة وترتيب الأحياء رأسيًا لا أفقيا في باب القوة؛ فهم بين أعلى وأدنى منه، وأضعف الجميع..

 

كل ذلك حافز حيوي قوي مُتَمَاهٍ مع الوجود الطبيعي لإنكار أخلاق المثل، خاصة الرحمة والعفو والتكافل ونجدة المحتاج. فهل هناك داع متجاوز للطبيعة يدعو الملحد إلى أن يصنع أخلاقا لا طبيعية أو فوق طبيعية؟

 

الملحد المستسلم لفطرته؛ ذئب لأخيه الإنسان، والمعارض لفطرته الغابيّة، فاقد لأساس وجودي يقيم عليه أخلاق الفضيلة

 

في عالم الإلحاد الصادق مع أصوله؛ طلب البقاء هو القيمة الوحيدة، والصراع هو الآليّة، والأنانية وحب الذات هما مصدر الحركة.

 


 

المصدر:

د. سامي عامري، الإلحاد في مواجهة نفسه، ص127

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#الإلحاد #الداروينية
اقرأ أيضا
حديث ابن تيمية عن معاوية رضي الله عنه | مرابط
تفريغات

حديث ابن تيمية عن معاوية رضي الله عنه


وقد علم أن معاوية وعمرو بن العاص وغيرهما كان بينهم من الفتن ما كان ولم يتهمهم أحد من أوليائهم ولا محاربيهم بالكذب على النبي صلى الله عليه وسلم بل جميع علماء الصحابة والتابعين بعدهم متفقون على أن هؤلاء صادقون على رسول الله صلى الله عليه وسلم مأمونون عليه في الرواية عنه والمنافق غير مأمون على النبي صلى الله عليه وسلم بل هو كاذب عليه مكذب له

بقلم: عبد المحسن العباد
475
دين المؤتفكات: النسوية الجزء الأول | مرابط
فكر النسوية الجندرية

دين المؤتفكات: النسوية الجزء الأول


إن الموجة الجندرية المتصاعدة في هذه الأيام والتي تدعو إلى عدم اعتبار الهوية الجنسية البيولوجية الذكر والأنثى وإنما تدعو إلى هوية جندرية جديدة مصنوعة قد يرى فيها الرجل أنه امرأة والعكس قد تشعر فيها المرأة أنها تريد أن تصبح رجلا وتؤدي دوره الاجتماعي كاملا أي أن الجنس لا دلالة له ومن حق الرجل والمرأة اختيار الدور الاجتماعي المفضل وفقا للهوية الجندرية وهذه الموجة التي تدعو إلى تقنين الشذوذ واللوطية وإطلاق الحريات الجنسية لم تصعد إلا على أكتاف الحركة النسوية ومبادئها وأفكارها التي آلت إلى الفلسف...

بقلم: عمرو عبد العزيز
2591
شبهة: المدة الزمنية لخلق السماوات والأرض بين العلم والقرآن | مرابط
أباطيل وشبهات

شبهة: المدة الزمنية لخلق السماوات والأرض بين العلم والقرآن


تقول الشبهة: توضح كثير من سور القرآن أن السموات والأرض قد خلقت في ستة أيام وهنا مشكلتان الأولى انه من الثابت علميا أن خلق السموات والأرض قد استغرق بلايين السنين والثانية: أنه في التعبير القرآني نفسه كانت مدة الخلق ثمانية أيام بدلا من ستة فكيف يمكن التوفيق بين هذه الآيات

بقلم: محمد عمارة
1196
نموذج من وصايا العلماء النافعة لطلبة العلم | مرابط
تعزيز اليقين

نموذج من وصايا العلماء النافعة لطلبة العلم


وصية من الشيخ محمد بن صالح العثيمين إلى أحد السائلين بعد أن طلب منه أن يضع منهجا ليسير عليه في حياته ومن هنا أخذ يفصل في جوانب عديدة مثل حالنا مع الله ومع الرسول والعمل اليومي وطلب العلم وغير ذلك من المحاور

بقلم: ابن عثيمين
367
أبرز آراء النسوية الراديكالية: إعادة صياغة اللغة | مرابط
النسوية

أبرز آراء النسوية الراديكالية: إعادة صياغة اللغة


ليست هناك خطورة في مراجعات كلمات معينة أو مصطلحات غير دقيقة الصياغة أو كتابة نصوص تحابي المرأة بضمائر التأنيث وإنما الخطورة تكمن في أن الأنثوية تحاول أن تفرض كلمات معينة ومصطلحات خاصة وجديدة تعبر عن رؤيتها للعالم وفكرها الخاص في كل القضايا التي طرحناها وهي شاملة ومتعددة الجوانب وبهذا الشكل بإنها تريد تزييف المعارف الإنسانية والتمهيد لترسيخ ثقافة خاصة بها وخلق قيم جديدة وتكريسها عبر الوعاء اللغوي وعلاقة الترابط الموجودة بين الدال والمدلول

بقلم: مثنى أمين الكردستاني
1774
الفزعة للأصدقاء والتراخي في البر | مرابط
اقتباسات وقطوف

الفزعة للأصدقاء والتراخي في البر


تجد في كثير من المراهقين والشباب إظهار التفاني في الفزعة للأصدقاء حتى أنني كنت أتعجب من قصص أسمعها من بعض القريبين تجد الشاب يسافر مسافة 300 كلم ويعود في نفس اليوم لأن صديقه خارج الرياض طلب منه أن يوصل له غرضا يحتاجه وفي نفس الوقت تجد هذا الشاب المتفاني في قطع المسافات الطويلة مع أصحابه يكون أحيانا في المنزل مضطجعا في وقت راحة فتطلب منه والدته أن يأتي بخبز أو لبن من البقالة المجاورة فيتلكأ ويتأفف وربما قال لوالدته: الله يهديك ليه ما أرسلتوا لي قبل آصل البيت ما تجي طلباتكم لين أجي أرتاح

بقلم: إبراهيم السكران
406