الحياد الأجوف

الحياد الأجوف | مرابط

الكاتب: الشيخ حسن بن علي البار

695 مشاهدة

تم النشر منذ سنة

لا يجد المتابع صعوبة ليدرك حجم الاختلاف، وتعدد الرؤى، وكثرة الأطروحات في واقعنا المعاصر، بصورة هي من سمات هذا العصر، ومن المؤثرات الكبيرة على أهله، بالطبع هذه الأطروحات الكثيرة متباينة وواسعة المدى من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال، ولكل مقالة منها منتصرون ومنظرون، وهؤلاء من لا أريد الحديث عنهم هنا.
 
وإنما أريد أن يكون حديثي عن الجمهور المشاهد الذي تلقى هذه الأفكار على رأسه في حرب لم يكد يشهد لها التاريخ مثالا في الضراوة والتتابع!! هذا المستمع والمتابع كيف يصنع مع هذه الحرب؟ ومع أي قوم يصطف؟

 

ولأجل هذا الصنف من الناس أسوق عددا من التنبيهات:

 

محكمات الشريعة

1- من الأمور ما لا يجوز أن تكون موضعا للجدل وتداول الرأي عند المسلم، وهي محكمات الشريعة، وقطعيات الأدلة، وهي كثيرة مشهورة يعرفها أهلها، وكثيرا ما تلتبس على من سواهم، وهذا النوع من الأمور -إذا وقع فيها الخلاف- الغالب فيها أن المخطئ فيها غير معذور، وأنه أعرض عن الحق، أو أنه سلك في تحصيله الطرق غير الموصلة إليه، مع وضوحه، وقرب مأخذه، ومع أن الحق من صفته دائما أنه واضح وقريب؛ إلا أنه في هذا النوع أوضح، ومضيعه حينئذ يكون ألوم.
 

العلماء

2- مرجع الأمور الدقيقة في كل فن إلى علماء ذلك الفن، ولا يمكن أن يكونوا -على اختلاف مشاربهم، وتنوع مداركهم، وتوزع أماكنهم، وصعوبة أو استحالة اجتماعهم على هوى واحد- لا يمكن أن يكونوا جميعا مخطئين، فإن خالفتهم برأيك في أمر، ثم رأيت جماعتهم على رأي واحد غير رأيك؛ فاتهم رأيك ولا تتهمهم، فإن الهوى يعمي ويصم، ورأيك أقرب إلى الهوى من رأيهم، وأبعد عن العلمية من دقيق مناهجهم.

 

الحق الظاهر

3- من المسائل المطروحة للنقاش ما ليس من المسائل القطعية، ولكن الحق فيها ظاهر، والرأي الآخر فيها له وجهه؛ إلا أنه أبعد عن الظهور، وأقل تحقيقا للمصلحة الشرعية، فمن المتصور أن يكون من الناس من يجتهد فيؤديه اجتهاده إلى ذلك الرأي، ومن الطبيعي حينئذ أن يكون القائل بهذا والمقتنع به أقل من القائل بالرأي الآخر، ما لم يقتض ذلك أمر من الأمور.. ولكن أن يتحزب مجموعات، ويتنادوا بصوابية الرأي المهجور، ثم إذا نظرت وجدته مؤديا إلى موافقة طريقة الحضارة الغربية (الغالبة) في التفكير والنظر إلى المسائل، في الوقت الذي يأباه أكثر أهل العلم الراسخين، فهناك اعلم أن ذلك من التداعي للهوى لا للعلم، وأنه من باب تقييم المصالح والمحاسن برأي (الآخر)، ثم دفع المفاسد والقبائح (التي يراها الآخر كذلك) عن النفس!!

 

الإعراض

4- طائفة من الناس تعرض عن كل ذلك اشتغالا بدين أو دنيا.. وهذا ممدوح من جهة الاشتغال بما ينفع عما لا ينفع، ومن جهة عدد من النصوص الشرعية الآمرة بالإعراض عن الشبهات، وعن اللغو.. ولكن هؤلاء الناس لا يجوز أن يكونوا مجموع الأمة؛ لأنهم مع تباعدهم عن العراك الفكري إيجابيه وسلبيه؛ إلا أنهم ليسوا بمعزل عن التعرض لسهامه، أو تعرض أهليهم لذلك، وكم في الناس من منغلق على نفسه، مناوئ للصالح والطالح من الأطروحات من انفتحت عليه فجأة فغرق في شبر منها، وخطف بالكلية إلى الضفة الأخرى، وهؤلاء الناس كذلك لا يندفع بهم فرض الكفاية عن الأمة في مدافعة الباطل، والمجاهدة بالقرآن، قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: {وجاهدهم به جهادا كبيرا} [الفرقان:52]: ولكن جاهدهم بهذا القرآن جهادا كبيرا، حتى ينقادوا للإقرار بما فيه من فرائض الله، ويدينوا به ويذعنوا للعمل بجميعه طوعا وكرها، وهذا مقتضى استخلاف هذه الأمة بالشهادة على العالمين.

 

لزوم الحياد

5-  وطائفة أخرى لزمت الحياد، ووقفت وسطا بين شتى المذاهب، يوما يمانون، ويوما عدنانيون، يسمع من ذا وذا، ويعجبه رأي ذا، وأصالة ذاك، وحجة هذا، أو بريق مقولة الآخر.. وهكذا، يظن ذلك من الثقافة، ويؤزه على الاستمرار على هذا النهج مقولات من نحو: عدم احتكار الحقيقة، وأنه لا حق مطلق، وحرية كل طرف في التعبير عن آرائه، واحتمال صوابية تلكم المقولات... وما إلى ذلك من هذه الدعاوى الفضفاضة، وحين ينظر هؤلاء الإخوة إلى الآخر بهذه النظرة، ويطالبوننا بها؛ فياليتهم يطالبون الآخر بها كذلك، فهذان طرفان لكل منهما طريقة ومذهب، فما مذهبك أنت؟ وما هي طريقتك؟ إن الحياد بين الكفر والإيمان، والتردد بين صوابية أهل الإسلام أو أهل الكتاب، التردد الأعمى بين معسكر الشرق ومعسكر الغرب، الليبرالية والسلفية، العلمانية والإسلامية، الديمقراطية والشرعية، الشيعة والسنة، البدعة والاتباع، الظالم والمظلوم.. إلخ هذه الثنائيات؛ ليس بصواب، ولا هو دليل عمق فكري، ولا يمتلك صاحبه اليقين الراسخ بحقائق الأمور، فهو يتمظهر بالثقافة والحياد، والحياد بعد ظهور الحق توسط بين الحق والباطل، وهو مذموم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((انصر أخاك ظالما أو مظلوما))، وفي التنزيل الحكيم: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} [الحجرات : 9]، فأمر بالحياد والإصلاح حتى تظهر مخالفة العدل والصواب؛ وحينها يجيء الأمر بالانحياز إلى الحق وأهله، ونصرتهم على من ناوأهم.
 

مع المنتصر

6 - لبعض الناس في نصرة الحق طريقة عجيبة، فهم أبدا مع المنتصر، ولديهم قدرة عجيبة على أن يبصروا النقطة السوداء في الثوب الأبيض، متى ما كان ذلك يحقق لهم رضا من يريدون رضاه، وهم كذلك يبصرون النقطة البيضاء في الثوب الأسود، ويدعون أن هذا مقتضى الإنصاف.. فاحذر من هذه المسالك؛ فإنها لا تزيد أصحابها إلا قبحا!! وهو نوع من التأكل بالمبادئ، والعياذ بالله.
 

الشيطان الأخرس

7- الشيطان الأخرس أضعف وأقل شرا من الشيطان الناطق، وبعض الخرس عن الحق يسكتون دهرا، ثم ينطقون فجرا، وحينئذ يحسن أن تقول: ليته سكت..
 

أهل العلم والعدل والمعرفة

8- أهل العلم والعدل والمعرفة العميقة بالذات وبالآخر من أهل الدين الحق لا يزيدهم مخالفة المخالف لهم، وهزؤه بمبادئهم إلا إيمانا وتثبيتا. {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا} [المدثر : 31]. انظر كيف جعل في نفس الأمر الذي فيه الفتنة على الكافرين زيادة في إيمان المؤمنين، واطمئنانا لمن كان منصفا ممن نزل عليهم الكتاب من قبله.
 
 إن أهل الإنصاف المزعوم، والتوسط في غير محله مداهنون؛ يظنون أن أسلوب المجاملة والتملق نافع في كل حين، وهو دليل ضعف في شخصياتهم، وضمور في يقينهم، وهذا الداء قد استشرى في هذا الزمان، ووصل إلى فئام كثيرة من الناس؛ فتفقد نفسك يا أخي، فلعلك تخلصها من بعض رواسب هذا المرض العضال، سلمك الله من كل شر.
 
اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون.. اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

 


 

المصدر:

موقع الدرر السنية

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#الحياد
اقرأ أيضا
مرآة الحياة الجاهلية يجب أن تلتمس في القرآن ج2 | مرابط
مناقشات

مرآة الحياة الجاهلية يجب أن تلتمس في القرآن ج2


تعتبر مقالات محمد الخضر حسين من أهم ما قدم في الرد على كتاب طه حسين في الشعر الجاهلي وهذه المقالات تفند جميع مزاعمه وترد عليها وتبين الخطأ أو ربما الأخطاء والمغالطات التي انطوت عليها نظريته التي قدمها فيما يخص الشعر الجاهلي وكيف أن هذه الأخطاء تفضي إلى ما بعدها وبين يديكم أحد أهم مقالاته في الرد على كتاب طه حسين حول موضوع الحياة الجاهلية وهل نلتمس ملامحها من القرآن أم من الشعر

بقلم: محمد الخضر حسين
263
لماذا تسقط الحضانة عن الأم إذا تزوجت؟ | مرابط
أباطيل وشبهات

لماذا تسقط الحضانة عن الأم إذا تزوجت؟


الحضانة مثلها مثل أي حكم شرعي في نظام الشريعة لها فلسفة اجتماعية مهمة مرتبطة بزيادة التماسك الاجتماعي في الأمة.. بل في أمور الزواج والطلاق والنفقة والحضانة هذه العلة أوفر وتأكيد التماسك أظهر.. الحضانة مبنية على الشفقة والصبر على تربية الصغير ولذلك يقدم في الحضانة الأقرب فالأقرب لوفور شفقته كلما قرب من الطفل فمن تدلي من النساء للطفل عن طريق الأبوين تقدم على من تدلي عن طريق أحدهما ومن تدلي له عن طريق الأم تقدم على من تدلي عن طريق الأب..

بقلم: محمد وفيق زين العابدين
78
فضل اللغة العربية | مرابط
تفريغات لسانيات

فضل اللغة العربية


ولما دخل الإسلام جزيرة العرب ألبس اللغة الثوب الجديد ثم بعد ذلك فتح الله الأمصار على يد المهاجرين والأنصار الذين رفعهم الله بتمسكهم بكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم فحدث الجهاد مع الأعاجم ثم حصل السبي للعبيد والإماء فلما دخل الأعاجم بلاد الإسلام أصبحت اللغة العربية يحدث فيها الغلط واللحن فلما ظهر اللحن ابتدأ جهابذة اللغة والسنة والكتاب وقالوا: لا بد من حفظ كتاب ربنا وسنة نبينا ولا يكون ذلك إلا بالضوابط والقواعد النحوية

بقلم: محمد حسن عبد الغفار
70
التصور الإسلامي للنسوية: الجزء الأول | مرابط
فكر مقالات النسوية

التصور الإسلامي للنسوية: الجزء الأول


تستعرض المؤلفة في هذا المقال بعض القواعد والأسس والكليات والأصول الدينية التي فيها رد ضمني على منطلقات التيار النسوي ومرتكزاته وأعمدته الفلسفية والفكرية سنرى هنا كيف تعامل الإسلام مع المرأة وما هي صورة المرأة في الإسلام هل فعلا هناك ظلم واقع عليها أم لا وهل هناك دونية أو نظرة استعلاء من قبل الرجل للمرأة في الإسلام أم لا وغير ذلك من التساؤلات والمرتكزات النسوية

بقلم: د وضحى بنت مسفر القحطاني
1847
كيف عامل عمر بن الخطاب أهله أثناء الخلافة | مرابط
تاريخ

كيف عامل عمر بن الخطاب أهله أثناء الخلافة


عن ابن عمر قال: كان عمر بن الخطاب إذا نهى الناس عن شيء دخل إلى أهله أو قال جمع أهله فقال: إني نهيت عن كذا وكذا والناس إنما ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم فإن وقعتم وقعوا وإن هبتم هابوا وإني والله لا أوتي برجل منكم وقع في شيء مما نهيت عنه الناس إلا أضعفت له العقوبة لمكانه مني فمن شاء فليتقدم ومن شاء فليتأخر

بقلم: حاكم المطيري
106
شبهة الأخطاء اللغوية في القرآن: نصب الفاعل | مرابط
أباطيل وشبهات

شبهة الأخطاء اللغوية في القرآن: نصب الفاعل


يعلق بعض المشككين حول الآية وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إنى جاعلك للناس إماما قال: ومن ذريتى قال لا ينال عهدى الظالمين حيث ووقع بصرهم على كلمة الظالمين وصورت أوهامهم أن فيها خطأ نحويا لأنها عندهم فاعل والفاعل حكمه الرفع لا النصب فكان حقه أن يكون هكذا: لا ينال عهدى الظالمون لأنه جمع مذكر سالم وعلامة رفعه الواو وبهذا تخيلوا بل توهموا أن القرآن لا سمح الله قد أخطأ فنصب الفاعل الظالمين ولم يرفعه الظالمون هذا هو منشأ هذه الشبهة وبين يديكم الرد عليها

بقلم: مجموعة كتاب
326