الشعور بالذنب في زمن الحداثة

الشعور بالذنب في زمن الحداثة | مرابط

الكاتب: عبد الله الوهيبي

25 مشاهدة

تم النشر منذ أسبوعين

يلاحظ بعض المحللين شيوع شكوى الأفراد من ألم “الشعور بالذنب” في الزمن المعاصر، ومظاهر ذلك متعددة، فتظهر مثلًا في انتشار خطاب مسامحة الذات، وفي الاهتمام الذي تبديه المعالجات النفسية بهذا اللون من الشعور الممضّ والممرض، وكما يلاحظ المعالج النفسي إيرفن يالوم -على لسان إحدى شخصياته الروائية- فقد أصبح لدى “كل معالج متمرّس ترسانة من أساليب نسيان الماضي والمسامحة”، وهو يرى بأن “صناعة (المغفرة) البسيطة والحذرة تضخمت كثيرًا، وسوّقت هذا الجانب من العلاج إلى كل شيء، وقدمتها على أنها شيء جديد ومبتكر، وحظيت باحترام ضمني ممزوج بمناخ المغفرة الاجتماعي والسياسي الحالي، الذي يتناول طائفة من الجرائم، كالإبادة الجماعية، والاستعباد، والاستغلال الاستعماري، حتى إن البابا طالب –مؤخرًا- بالمسامحة لقيام الصليبيين بنهب القسطنطينية، وطرد سكانها في القرن الثالث عشر”.

ويرصد الناقد الفرنسي جان تادييه الحضور الكثيف لهذه الظاهرة في الرواية الحديثة وروايات القرن العشرين، عند دوستويفسكي وفرانز كافكا ومارسيل بروست (يشير إلى أن الرواي في “البحث عن الزمن المفقود” يقدم نفسه بصفته واحدًا من أكبر المذنبين في القرن العشرين)، وجوزيف كونراد وكامو، وآخرين.

دوافع الشعور بالذنب

وعند التأمل والفحص تبرز أمامنا جملة تفسيرات جزئية تكشف عن دوافع هذا الشعور ومسبباته:

تفرد الإنسان في الحداثة

التفسير الأول يرى أن الشعور “الطبيعي” العميق بالذنب ينجم ضمن عملية تفرّد الإنسان في الحداثة، وهذه العملية الضرورية للتطور والنمو تستوجب على الفرد أن يضع نفسه في مواجهة الطبيعة أو الكون، وهذه الوضعية تشعر الفرد بالضعة الهائلة أمام الكون، وتملؤه بإحساس الضآلة والصغر والهامشية وانعدام القيمة، ومن ثمّ يتولّد الشعور بالذنب.

إدراك الإنسان لمحدوديته

والتفسير الثاني يُرجع الشعور بالذنب إلى إدراك الإنسان لمحدودية وضعه الوجودي، فالفرد حين “يشعر بملكاته، ومواهبه وقدراته، وبأن حياته هي الفرصة الوحيدة المعطاة له، وأنه إذا فقد هذه الفرصة فقد كل شيء، وهو يعيش في رغد مريح ومع ذلك يشعر بأن الحياة تمرق من بين أصابعه، ولا يسعه إلا الإحساس بالذنب من أجل التبديد، ومن أجل الفرصة الضائعة” كما يرى إيريك فروم (ت1980م). وهذا ما يسميه بعض النفسانيين بالذنب الوجودي (ontological guilt) ويقصدون به الشعور الذي “ينشأ –جزئيًا على الأقل- من إضاعة وتبديد إمكانات الفرد الكامنة”.

تجاهل المنابع الدينية

وإذا نظرنا من منظار آخر سنتبين مصدر مهم وجوهري –في ظني- للشعور المعاصر بالذنب، وهو تجاهل الفطرة والأسس الاخلاقية ذات المنبع الديني، وهذا هو التفسير الثالث فالرغبة الجامحة بالسيطرة التامة على الذات بغرض تحريرها، وإخضاع كل مسببات الألم النفسي للتشخيص والمعالجة، مع الحفاظ –في الوقت نفسه- على إقصاء الأبعاد الروحية والغيبيات الدينية، والحرص على ضبط وتنظيم -وحتى كبت- الدوافع الغامضة و”غير العقلانية” المؤثرة على السلوك الفردي المراد تحريره من تعاساته المؤرقة؛ كل ذلك يكرس من انفصال الفرد عن فطرته الأصلية، وفقدانه الاتساق مع طبيعته الوجودية وتطلعات ذاته الدفينة للمعنى، وكما يقول تشارلز تايلور: “يوجد أصل الذنب، والاغتراب، والانقسام الداخلي ولو جزئيًا على الأقل؛ في الطموح إلى شيء متعالٍ“. ويمكن التعبير عن ذلك بعبارة أخرى؛ فيقال إن الشعور بالذنب هو شكل من أشكال الاحتجاج الباطني على إعراض الفرد عن مقتضيات العبودية، وكبته لأشواق الصلات الإلهية، وقمعه الواعي أو اللاواعي لهذه النداءات الفطرية.

وهذا “الاحتجاج” اللاإرادي ليس غريبًا، فحتى الجسد يحتجّ -أحيانًا- على الانحراف الأخلاقي، فقد درس الأنثروبولوجي البريطاني هيو غسترسون مواقف علماء الفيزياء النووية، ونقل عن أحدهم أنه رفض العمل على تطوير أسلحة نووية، وشرح سبب ذلك بقوله: “إن رأسي يفهم الأسباب التي تدعو إلى العمل على الأسلحة، للردع وما إلى ذلك، ولكن حين أفكر في القيام بهذا العمل أشعر بذلك الشيء في معدتي”.

الجوانب العملية في حياة الفرد

وهناك تفسير رابع يمسّ الجوانب العملية في حياة الفرد اليومية؛ ومفاده أن الشعور بالذنب ينبع من التضارب الدائم والحادّ بين المعرفة والإرادة، أو تناقض دوافع إشباع الرغبات والغرائز والمشتهيات مع المعرفة والوعي بمخاطر تلك الإشباعات وأضرارها، وهذه وضعية ليست جديدة على الإنسان، بل هي جزء من تكوينه منذ البداية، إلا أن الجديد في الزمن المعاصر يكمن في تضخّم الدعاية وآليات التسويق الرأسمالية من جهة، وتراخي القيود الدينية والحدود الأخلاقية من جهة أخرى، واتساع المعرفة المفّصلة بالآثار السلبية للاندفاع وراء تلك الرغبات من جهة ثالثة؛ فعروض وإعلانات الأطعمة الضارة -مثلًا- تقابل الفرد بصورة شبه يومية، وتتفنّن في إغوائه واستمالته، وفي الوقت نفسه يواجه الفرد توعيةً صحية مكثّفة، من خلال البرامج والشبكات ووسائط المعرفة المختلفة، وضغوطًا قوية للانضباط الغذائي، وترويجًا مستمرًا لأساليب التخلص من الوزن الزائد…الخ، فبين هذا وذاك ينشأ الشعور العميق بالذنب، ليس فقط بسبب ضعف الالتزام بالغذاء الصحي، بل إنه في ظل الاقتصاد الاستهلاكي، وتسويق الإشباع الكثيف للرغبات وإدمانها، ذكر بعض الأطباء والمحللين النفسيين أن مرضاهم يشعرون بالذنب؛ “لأنهم لا يمتلكون الرغبة في الانغماس بالملذات، والاستزادة منها”. كما يقول سلافوي جيجيك. وقسْ هذه الحالة التناقضية على بقية الشهوات والرغبات الإنسانية.

وأخيرًا ربما ساهمت عقيدة الفداء والخطيئة الأصلية المتغلغلة في المخيال الثقافي الغربي في تضخّم مشاعر الذنب أيضًا.

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#شعور-الذنب
اقرأ أيضا
الطفل الإسلامي والطفل الغربي الجزء الأول | مرابط
تفريغات

الطفل الإسلامي والطفل الغربي الجزء الأول


تأملوا تكريم الشريعة للطفل الذي يولد جاءت بأشياء تدل على أنه قد حدث أمر مهم وليس مجرد أرحام تدفع ولا مجرد ولد خرج وإنما يحتفى به غاية الاحتفاء ويكرم غاية التكريم الشريعة تكرم الطفل من مبدأ أمره فيحنك بأن تلين التمرة حتى تصير مائعة بحيث تبتلع ويفتح فم المولود وتوضع فيه ويدعى له بالبركة كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم

بقلم: محمد المنجد
231
معارضة الوحي بالعقل: ميراث الشيخ أبي مرة | مرابط
اقتباسات وقطوف

معارضة الوحي بالعقل: ميراث الشيخ أبي مرة


مقتطف من كتاب الصواعق المرسلة لابن قيم الجوزية يدور حول معارضة الوحي بالعقل ويقف بنا أمام القياس العقلي المركب في قول إبليس أنا خير منه والفاضل لا يسجد للمفضول والاحتجاج بأنه مخلوق من نار بينما آدم مخلوق من طين أي من خلق من نار خير ممن خلق من طين

بقلم: ابن القيم
254
النسبية المعرفية والأخلاقية | مرابط
اقتباسات وقطوف

النسبية المعرفية والأخلاقية


في محاولة تفسير هذه الظاهرة وجدت أن النسبية المعرفية والأخلاقية التي كان من المفروض فيها أنها ستحرر الإنسان وتفسح له المجال لتأكيد فرديته أدت إلى العكس فالنسبية تنزع القداسة عن العالم الإنسان والطبيعة وتجعل كل الأمور متساوية

بقلم: عبد الوهاب المسيري
112
ماذا كان يفعل ابن تيمية إذا أشكلت عليه مسألة | مرابط
اقتباسات وقطوف

ماذا كان يفعل ابن تيمية إذا أشكلت عليه مسألة


الفائدة الحادية والستون حقيق بالمفتي أن يكثر الدعاء بالحديث الصحيح اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء الى صراط مستقيم

بقلم: ابن القيم
103
أبرز آراء النسوية الراديكالية: رفض الأسرة والزواج | مرابط
مقالات النسوية

أبرز آراء النسوية الراديكالية: رفض الأسرة والزواج


كرد فعل لوضع المرأة في الغرب وكرد فعل لقوانين الأحوال الشخصية المسيحية القاسية وكرد فعل لقسوة الرجال وعنفهم وكتحقيق للرغبة الجنسانية المستشرية في الغرب وابتغاء للفردية وعدم التقيد وهروبا من أعباء البيت ومسؤوليات الأسرة واعتقادا بأن الأسرة قيد وعبء ولا ضرورة لها وتصنف المرأة في درجة أدنى واحتجاجا على حصر دور المرأة في الإنجاب والأمومة دون غيرها من الأدواركل هذه الأمور أدت ببعض أجنحة هذه الحركة إلى السعي للتخلص من الأسرة والزواج

بقلم: مثنى أمين الكردستاني
1373
من آفات السوشيال ميديا: التغيير من أجل التغيير | مرابط
فكر اقتباسات وقطوف ثقافة

من آفات السوشيال ميديا: التغيير من أجل التغيير


من أجل استمرار تدفق اللايكات إلى حسابك أو في سبيل أن تصبح إنسانا عاديا في 2020م ينبغي عليك أن تتايع التريندات أولا بأول أو تطور أجهزتك الإلكترونية باستمرار أو أن تقرأ المنشورات الحديثة للشخصيات والصفحات المشهورة يشكل يومي نحن نعيش في حالة مجنونة من السرعة كل لحظة هناك شيء جديد وأمر متغير

بقلم: د إسماعيل عرفة
106