القراءة العلمانية للتاريخ الإسلامي الجزء الأول

القراءة العلمانية للتاريخ الإسلامي الجزء الأول | مرابط

الكاتب: يوسف سمرين

957 مشاهدة

تم النشر منذ سنة

(1)


عندما يجري الحديث عن القراءة العلمانية للتاريخ الإسلامي، فإن الأمر يتجاوز الحديث عن وقائع معينة تمت روايتها وتدوينها في كتب التاريخ، ليجري الحديث عن الأرضية التي يجري على أساسها تحليل واستنباط النتائج من الوقائع، كما أن هذا يشمل المنهج المتبع في التحقق من تلك الوقائع، إنه في المقام الأول حديث عن فلسفة التاريخ، عن المنهج الذي يسلكه المحلل في قراءته وتوظيفه للأحداث التاريخية في نسقه التحليلي، قبل المنهج المتبع في التحقق من صدق الرواية التاريخية.

تتفق العلمانية في الجانب السياسي على حد أدنى من عدم اعتبار تأثير الدين في الجانب السياسي إلا كعامل ثانوي (1)، وكما هو الحال في السياسة، فإن الأمر يتعلق بقراءتها للتاريخ، ولكن تتفاوت في إقصائها لتأثير الدين.

فتصل بعض الرؤى العلمانية إلى إقصاء الدين تمامًا عن التاريخ، لتجعل المحرّك في التاريخي هو أي شيء إلا الجانب الديني، فبعضهم يرد الأمر إلى الجانب الاقتصادي، وآخر البيئي، العرقي، والبعض يجعل للدين تأثيرًا إلا أنه في حدود التأثير الثانوي.

ولما يجري الحديث قراءة العلمانية للتاريخ الإسلامي، وهو في المقام الأول حديث عن تاريخ مرتبط بدين، وهو الإسلام، فقد تنوّعت الرؤى العلمانية في النظر إليه، ويمكن تقسيم زاوية النظر العلماني إلى التاريخ الإسلامي إلى إطارين أساسيين:

1. الإطار الكوني: الذي يرى الانطلاق من فلسفة مطلقة، تحمل رؤية عامة للكون، للأخلاق، للسياسة، والتاريخ...إلخ.
2. أو الإطار التحليلي والتفكيكي: الذي تأثر بخط فلسفات ما بعد الحداثة التي شاعت في أوروبا كأثر على انهيار الفلسفات الكونية، التي شكلت الماركسية آخر معاقلها. (2)

أما الجانب الكوني، فمن أمثلته:
1- الحركة القومية: تلك التي تُرجع الحركة التاريخية، إلى عوامل عرقية، أو لغوية، أو جغرافية، أو كل ما سبق، وقد تُدخل الدين باعتباره منتجًا قوميًا، رسالة تعبر عن طموحات ورؤى الجانب القومي في أمة معينة، على سبيل المثال سلك جوزيف نسيم يوسف هذا المسلك في قراءته للحرب الصليبية، وكان يكتب في العصر الذهبي للقومية العربية أيام جمال عبد الناصر، حيث إنه رأى في مقاومة الغزو الصليبي لديار الإسلام "فكرة الوحدة العربية، وحركات البعث واليقظة بين العرب".(3)

 


(2)

 

لقد رأى أن العامل الديني للحروب الصليبية لم يكن سوى حركات مسرحية، القصد منها إثارة الغرب الأوربي ضد العالم العربي، وكان المستهدف منها بشكل أساسي العرب تحديدًا، وفق العامل القومي.(4)

وحتى لما تكون بعض الوقائع منغِّصة على هذا النسق الذي يتحرك في إطاره الكاتب مثل كون صلاح الدين من أصل كردي، فإنه يتعامل معه لا بوصفه متدينًا بالإسلام، وأن الإسلام كان العامل الأساسي في حركته، بقدر ما يرى أنه كان يحمل مشروعَ حركةِ اليقظة العربية، ومجيِّش القوى المصرية الناهضة.(5)

إنه بهذا يصبغ التاريخ بالمفهوم القومي الحديث، ويرى أنه المؤثر الأساسي في الحركة التاريخية، بخلاف الدين الذي لم يكن عاملًا أساسيًّا لا في أوروبا التي تجهزت الحرب الصليبية في أحشائها، ولا في المناطق الإسلامية التي تحرك عربها وعجمها للدفاع عنها بوصفها أرض الإسلام، في وجه غزو رأوا أنه كافر يعتدي على ديار الإسلام.

2-الحركة الاقتصادية: تُرجع هذه الرؤية حركة التاريخ بمجمله إلى تأثير الجانب الاقتصادي، وقد استشرت هذه الفكرة بين الماركسيين العرب في نظرهم إلى التاريخ الإسلامي، على أن أحداثه جاءت في إطار صراع بين الثروات، وإن كان يعلوها فوقيًا أي في الجانب الثقافي بناءٌ على شكل صيغ دينية، ومن أشهر القراءات التي توضع في هذا الإطار كتاب (النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية)، لكاتبه حسين مروه، حيث يحلل الكاتب التاريخ الإسلامي من هذه الزاوية، فيرى أن قريشًا استمدت سيادتها على باقي القبائل قبل الإسلام باعتبار العامل الاقتصادي بشكل أساسي، فيقول:

" إن تعاظم ثروة قريش كان يزداد تأثيرًا في تغيير القيم القَبَليّة، وفي إنتاج قيم جديدة تقوم على قاعدة مادية-اقتصادية هي المرجع الأول، رغم استمرارية الكثير من الاعتبارات القَبَليّة التي أصبحت في المركز الثانوي من التأثير، في مجرى الحياة العامة لأهل الجاهلية، بذلك أصبحت مكة في المركز المسيطر على عملية تفكيك البنية الاقتصادية الاجتماعية للمجتمع القبلي من أساسها".(6)

وفي إطار تفسيره للنبوة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم فإنه يضعها في إطارٍ طبقي اقتصادي، إذ يرى أن ظهوره كان شكلًا من التعبير عن التغييرات المستجدة في أسس العلاقات لمجتمع الجاهلية، تلك التغيرات التي كان أساسها الأول اقتصاديًّا بنظره.(7)

ويرد مروه عقائد الإسلام إلى أهداف اجتماعية سعى لها هذا الظهور، فتوحيد الله عز وجل هو مجرد انعكاس لفكرة التوحيد الاجتماعي، فالدين الواحد كان يعني شعبًا واحدًا(8)، في وجه تفكك المجتمع القبلي القديم، والسبب الأساسي في هذا هو تعاظم ثروة قريش.

 


الإشارات المرجعية:

  1. انظر: الدين في الديمقراطية، مارسيل غوشيه، ترجمة: ترجمة شفيق محسن، المنظمة العربية للترجمة، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى: 2007، ص 157.
  2. انظر: فلسفات عصرنا: تياراتها، مذاهبها، أعلامها، وقضاياها، جان فرانسوا دورتيي، ترجمة إبراهيم صحراوي، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، ص 265.
  3. من مقدمة: العرب والروم واللاتين في الحرب الصليبية، جوزيف نسيم يوسف، دار النهضة العربية، بيروت-لبنان، الطبعة الثالثة: 1981م، ص (ز).
  4. انظر: العرب والروم واللاتين في الحرب الصليبية، ص70.
  5. انظر: العرب والروم واللاتين في الحرب الصليبية، ص77.
  6. النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، حسين مروه، دار الفارابي، بيروت – لبنان، 1978، ج1، ص222.
  7. انظر: النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، ج1، ص232.
  8. انظر: النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، ج1، ص381.


المصدر:

https://josefsimrin.blogspot.com/2018/07/blog-post_2.html

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#العلمانية #التاريخ-الإسلامي
اقرأ أيضا
الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ج1 | مرابط
تفريغات

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ج1


العقيدة النصرانية حرفت وبدلت وغيرت كما أخبر الله تبارك وتعالى وكما يشهد بذلك الواقع فكثرت الأناجيل بعد رفع المسيح عليه السلام كثرة عجيبة حتى إنه في نهاية المائة الثانية الميلادية أقرت المجامع الكنسية الأناجيل الأربعة الموجودة والمعروفة الآن وهي أربعة من ضمن ما يزيد على سبعين إنجيلا متفاوتة مختلفة وهي في ذاتها متناقضة ومختلفة في كثير من الأمور بل في أعظم الأمور كدعوى الألوهية للمسيح ودعوى البنوة وصلبه

بقلم: سفر الحوالي
278
ليست السنة كلها تشريعا ج2 | مرابط
أباطيل وشبهات فكر مقالات

ليست السنة كلها تشريعا ج2


إن تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية يمكن قبوله كإجراء فني اصطلاحي لفرز طبائع التصرفات النبوية وما يتصل بها من أحكام لكن المشكلة هو في تحقيق طبيعة الحدود الفاصلة بينهما وتحريك تلك الحدود ليخرج بعض ما كان محلا للتشريع عن أن يكون كذلك فليس صحيحا أن تخرج تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم من إطار الشريعة بذريعة صدور الاجتهاد منه صلى الله عليه وسلم أو بتعدد أدواره الحياتية وإنما المحكم في تحديد ما يدخل في إطار التشريع منها وما يخرج هو الشريعة نفسها والتي كشفت عن هذه المسألة بدقة ووضوح

بقلم: عبد الله العجيري وفهد بن صالح العجلان
347
مشكلة الشر: المنهج المادي والتطور | مرابط
أباطيل وشبهات اقتباسات وقطوف الإلحاد

مشكلة الشر: المنهج المادي والتطور


لا يمكن للملحد طلب العدل في مقابل الظلم مثلا إلا إذا كان لديه مسبقا مصدر يوجب على المخلوقات كيف تعيش ليحتكم إليه وعليه يقيس ومن هنا: فلا يوجد أي منهج أو فكر إلحادي أو لا ديني عموما فيه مثل هذا الوجوب أو الإلزام المسبق فحيث لا خالق لا يوجد افعل ولا تفعل كل شيء سيصير نسبيا حسب حاجة كل فرد لضمان بقائه ولو على حساب ظلم أو هلاك الآخرين

بقلم: م أحمد حسن
410
المعصية تورث الذل | مرابط
اقتباسات وقطوف

المعصية تورث الذل


يظن كثير من المسلمين أن المعاصي لا تترك أثرا على نفس المسلم وهذا الظن يدفع يهون المعصية في قلوب الناس بشكل عام والحقيقة على خلاف ذلك تماما فالمعاصي لها آثار قاتلة إذا لم ينتبه إليها المسلم ومن هذه الآثار أنها تورث الذل وبين يديكم مقتطف من كتاب الداء والدواء حول الأمر

بقلم: ابن القيم
311
الليبرالية الجنسية | مرابط
فكر مقالات الليبرالية

الليبرالية الجنسية


تحولت العروض الإباحية من الدناءة الأخلاقية إلى الشيوع دون عواقب كبيرة: لم تعد تتهم بأنها خطر على النظام الاجتماعي فاليوم صارت بعض الممثلات الإباحيات ينتخبن في البرلمان الإيطالي. لقد حررت الثقافة المتعية الفردانية الإيروس من فكرة الإثم وأعطت المشروعية لاستراق النظر الجماعي وعوضت الأجنحة المغلقة الخاصة بالكتب الفاحشة في المكتبات الوطنية بالعلامات المضيئة للمحلات الإباحية

بقلم: د. البشير عصام المراكشي
181
التفريق بين الأطفال في المضاجع | مرابط
مقالات

التفريق بين الأطفال في المضاجع


قال النبي ﷺ:مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين واضربوهم عليها لعشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع 1 فقوله: وفرقوا بينهم في المضاجع أي: في المراقد وذلك لأنهم إذا بلغوا إلى عشر سنين يقربون من أدنى حد البلوغ وينتشر عليهم آلاتهم فيخاف عليهم من الفساد 2

بقلم: قاسم اكحيلات
451