القلة المؤمنة

القلة المؤمنة | مرابط

الكاتب: د راغب السرجاني

2016 مشاهدة

تم النشر منذ سنتين

يتمنَّى الصالحون من أبناء هذه الأمة دائمًا أن يشاهدوا أمتهم في مقدمة الأمم، وأن يسعدوا -وتسعد الدنيا معهم- بعزِّتها وقوّتها ومجدها.. لكن مع أنَّ الأمنية واحدة، إلا أن الكثير يختلف في طريق الوصول إليها.
 
إن التغيير والإصلاح والنهوض كلُّها غايات كبرى تحتاج إلى وسائل محددة، ومعايير ثابتة، ولقد رأينا في صفحات القرآن الكريم والسنة المطهرة ما يضع أيدينا -بوضوح- على مفاتيح التغيير وآليَّات الإصلاح، ورأينا كذلك في صفحات التاريخ وقصة أمتنا ما يوضح لنا بدايات الطريق وعلاماته وطبيعته.

 

إن التغيير دومًا يأتي من القلة المؤمنة!
 

إن الحديث عن الكثرة في القرآن الكريم غالبًا ما يأتي ليصف الحالة السيئة والمتردية التي تكون عليها الكثرة، مثل قوله تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} [الأنعام: 116]، ومثل قوله: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} [غافر: 61]، ومثل قوله: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف: 40]، وهكذا.
 
بينما الحديث عن المؤمنين والمصلحين يأتي دومًا بصيغة التقليل، مثل قوله تعالى: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} [هود: 40]، ومثل قوله: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13]، ومثل قوله: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص: 24].
 
إن معظم الناس لا يقبلون بالتضحية والبذل وفقدان كل شيء عزيز في سبيل إعلاء كلمة دينهم وأمتهم، قد يكونون صالحين يريدون أن يحيوا حياة آمنة دون مصاعب ولا مشاكل، ولكنهم غير مستعدين لأَنْ يفقدوا مالهم أو ديارهم أو أولادهم أو حياتهم من أجل خطوات للأمام.. إن هذه التضحيات الكبرى تحتاج إلى رجال ونساء من طراز خاص، وهو طراز قليل عزيز، ولكنه مع قِلَّتِه مُؤَثِّرٌ للغاية، ولو وُجِد هذا القليل في شعبٍ فإنَّ التغيير يحدث، والإصلاح يتم، حتى ولو كان معظم الشعب غير عابئٍ بحمل قضايا الأمة وهمومها!!
 
وصفات هذه القلة المؤمنة واضحة ومعروفة في كتاب الله عز وجل، وفي سُنَّة الرسول r، وفي تاريخ الإصلاح في أمتنا الحبيبة.
 
إنهم مُخْلصون تمام الإخلاص في عقيدتهم، يُحبُّون الله ويُحبّهم الله، يتوجَّهون إليه سبحانه وتعالى بكل أعمالهم وأقوالهم. إنهم مرتبطون ارتباطًا وثيقًا بشرع ربهم، لا يقبلون بتبديل أو تحريف، ولا يتنازلون عن كبيرة ولا صغيرة، وهم مُعَظِّمُون للقرآن والسُّنة تمام التعظيم، ولا يحتكمون في حياتهم إلا إليها.
 
إنهم مُستعدون للبذل والتضحية من أجل عقيدتهم ومبادئهم، دينهم عندهم أغلى من كل شيء، وهم يعلمون تمام العلم أن الطريق شاق، وأن المصاعب كثيرة، وأن التضحيات هائلة، ومع ذلك فهم يستهينون بكل هذه التحدِّيات؛ لأنَّ عيونهم على الأجر العظيم الذي يعطيه الله عز وجل لهذه القلة المؤمنة.
 
ومن هذه القلة المؤمنة يخرج المُجَدِّد المُخْلِص الذي يقود حركة التغيير والإصلاح، ولا يستقيم أن يخرج هذا المُجَدِّد المُخْلِص من لا شيء، ولكن لا بد من وجود نواة من القلة المؤمنة، ثم يصطفي الله عز وجل منها واحدًا أو مجموعة ليكونوا مُجَدِّدِي زمانهم، ومُصْلِحِي أمتهم، ويُستثنى من هذه القاعدة الأنبياء؛ ذلك أنهم يبعثون في زمن لا توجد فيه قلة مؤمنة، بل لا يوجد من يعبدُ اللهَ حَقَّ العبادة؛ ولذلك يُرسلهم ربهم سبحانه وتعالى ليبدَءُوا حركة إصلاحية شاملة في العقيدة والأخلاق والقيم، كل ذلك من لا شيء. أما في غير وجود الأنبياء، فإنَّ التغيير يأتي من قلة مؤمنة محافظة على منهجها دون تحريف، ثم يخرج منها مُجَدِّدٌ مخلصٌ يبدأ الخطوات الفعليَّة في نهضة الأمّة وإصلاحها.

 

إنَّ هذه المفاهيم في غاية الأهمية..

 

إن الذين يعتقدون أن الذي يبدأ الإصلاح هو المُجَدِّدُ الفردُ، كثيرًا ما ينتظرون وينتظرون دون عمل، على أمل أن يرسل الله -تعالى- لهم صلاح الدين أو قطز أو عمر بن عبد العزيز أو غيرهم من هنا أو هناك، ولا يعلمون أنَّ هؤلاء وغيرهم من المُجَدِّدِين خرجوا من قلة مؤمنة، ونهضةٍ إسلاميَّة خالصة في مجموعة من المسلمين المخلصين، ثم اصطفى الله عز وجل شخصًا مُعَيّنًا أو عِدَّة أشخاص ليحدث التغيير في زمانهم.
 
إنني أرى أن الجهد الأكبر، والمشقّة العظمى تكون في حياة القلة المؤمنة، ولعله جهد ومشقة أعظم من التي نراها في حياة المُجَدِّدِ نفسِه.
 
إنهم الأتقياء الأخفياء الذين يُصْلِحُون دون أن يعرفهم الناس، ويَثْبُتُون رغم عدم وجود ثمار تُقطف، وقد يموتون دون أن يَرَوْا نَصْرًا ولا تمكينًا.
 
إنك لكي تفهم قصة المُجَدِّد صلاح الدين الأيوبي لا بُدَّ أن تُراجع سيرة القلة المؤمنة التي وُجدت من أيام عماد الدين زنكي وأبيه آق سنقر، والعلماء العظماء الذين صاحبوا هذه الفترة، فأخرجوا لنا نور الدين محمود، الذي أخرج لنا بدوره صلاح الدين الأيوبي.
 
إنَّ المُتَعَجِّلِين ينظرون دومًا إلى نهايات الأمور، ولا يهتمون بالسُّنَّة الثابتة في التغيير؛ ولذلك يَتَرَقَّبُون رجلًا ينزل من السماء، أو يخرج من تحت الأرض، أو يأتي من كوكب آخر ليصلح أحوال الأمة.
 
وفي نفس الوقت فإن اليائسين والمحبطين يقولون: لا بُدَّ لكي يحدث تغيير أن يتغير الشعب بكامله أولًا، وهذا محال، وليس في سُنَّة الله عز وجل؛ فالكثرة -كما ذكرنا مرارًا- لا تكون على المنهج القويم، ولن يصلح حال الشعب والكثرة إلا بظهور القلة المؤمنة التي تُفرِز بدورها مُجَدِّدًا مُصْلِحًا يرفع راية الإسلام.
 
والسؤال الذي لا بُدَّ له من إجابة سريعة: هل أنت من القلة المؤمنة، أم أنك ترقب الأحداث انتظارًا لما تأتي به الأيام؟!
 
أَجِبْ بسرعة، فقد تكون اللحظات المتبقية في هذه الدنيا قليلة

 


 

المصدر:

  1. د. راغب السرجاني، بين التاريخ والواقع ج2، ص103
تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#قلة-مؤمنة
اقرأ أيضا
قاعدة الجزاء والحساب ج1 | مرابط
تفريغات

قاعدة الجزاء والحساب ج1


إن الله تبارك وتعالى حرم الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرما لما له من نتائج وخيمة وعواقب أليمة وكان ينبغي لأولئك الذين يظلمون العباد ويسعون في الأرض الفساد أن يتعظوا ويعتبروا بمن سبقهم من الظلمة وهنيئا لذلك الرجل الذي امتلأ قلبه بحب الله فهو يعلم أن هدايته بيد الله وأن رزقه سيأتي إليه رضي الطواغيت أم سخطوا لأن الله هو الذي كتبه

بقلم: عمر الأشقر
776
ليلة في بيت النبي الجزء الثالث | مرابط
تفريغات

ليلة في بيت النبي الجزء الثالث


إن الله سبحانه وتعالى لم يشرع الضرب إلا للإصلاح والرسول عليه الصلاة والسلام قيد الضرب الذي جاء مطلقا في كتاب الله في قوله تعالى: واضربوهن النساء:34 فالضرب هذا يحتمل أن يكون ضربا شديدا وأن يكون ضربا خفيفا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اضربوهن ضربا غير مبرح أي: غير شديد فهذا الضرب مطلق في كتاب الله وقيد بكلام الرسول عليه الصلاة والسلام فعلى الزوج أن يضرب ضرب المحب لا ضرب المنتقم إذ المقصود بالضرب هو الإصلاح

بقلم: أبو إسحق الحويني
815
الأعمال تشفع لصاحبها | مرابط
مقالات

الأعمال تشفع لصاحبها


الأعمال تشفع لصاحبها عند الله وتذكر به إذا وقع في الشدائد قال تعالى عن ذي النون فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون وفرعون لما لم تكن له سابقة خير تشفع له وقال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل قال له جبريل آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين.

بقلم: ابن القيم
416
لقاء العظيمين | مرابط
مقالات

لقاء العظيمين


تخيل معي أنه قد اجتمع اليوم أهم رمزين من رموز الفكر العربي أو أهم رجلين من رجال السياسة في في عالمنا العربي أو دع المقترح يكون أكثر مرونة ولنتخيل اجتماعا انعقد اليوم يضم أهم شخصيتين في العالم الإسلامي برأيك وفي تقديرك: ما هو الموضوع الذي تتوقع أن يفتح على طاولة الاجتماع

بقلم: إبراهيم السكران
837
نظرة الإسلام للثقة بالنفس | مرابط
فكر

نظرة الإسلام للثقة بالنفس


يقول بعض المنتسبين إلى العلم يقول: إن لفظ الثقة بالنفس لا يجوز وعللوا ذلك بأن على المرء أن يثق بالله في كل شؤونه لا بنفسه لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الدعاء: ولا تكلني لنفسي طرفة عين ويتناول علم النفس وبعض المختصين فيه من المسلمين هذا اللفظ الثقة بالنفس على أنه ضرورة ملحة لكل مسلم فما حقيقة هذا القول

بقلم: عبد الرحمن بن ناصر البراك
413
أمنيات التفسير | مرابط
مقالات

أمنيات التفسير


بعض أهل الأهواء يذكر أحيانا آيات يحتج بها على مقتضى هواه وهو يعلم في قرارة نفسه أن هذا التفسير للآية الذي يطرحه مجرد أمنية أكثر من كونه يقين بمعنى الآية فهو في الحقيقة يتمنى فقط أن يكون معنى الآية كما يريد. تأمل في كثير من التفسيرات والتأويلات والتجديدات التي تطرح اليوم للنصوص الشرعية أليس أكثرها مجرد أمنيات تأويلية يعلم ملقيها وكاتبها قبل غيره أنه يتمنى فقط!

بقلم: إبراهيم السكران
348