دلالة التواتر على حجية السنة

دلالة التواتر على حجية السنة | مرابط

الكاتب: أحمد يوسف السيد

1854 مشاهدة

تم النشر منذ سنة

إن إثبات صحة ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم “نصّاً” في شأن لزوم اتباع سنته يتطلب علمًا خاصّا بالرواة والأسانيد وقوانين علم الحديث، غير أن هناك أمورًا كثيرة ثبتت عنه بنقلٍ متواتر لا يتطلب ذلك العلم الخاص، ولا يختلف كلُّ من ينسب نفسه إلى شيء من العلم بالشرع في أنها ثابتة عنه صلى الله عليه وسلم، وفيها ما يبلغ أعلى ما يمكن أن يبلغه التواتر عند عموم البشر مما لا ينازع فيه أحد إلا السفسطائيون وأشباههم، كالمنازعة في وجود شخص المسيح عليه السلام، وفي وجود فراعنة مصر في التاريخ، ونحو ذلك.

فإن ما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنه كان يصلي بالناس خمس صلوات في اليوم والليلة بسجود وركوع وقيام وقعود، وتكبير وتسليم، وأنه وقف بعرفة يوم التاسع من ذي الحجة، وأنه رمى الجمار أيام التشريق ونحو ذلك مما شاهده الآف الناس وعملوه وعمله من بعدهم اقتداء بمشاهدتهم إياهم، كل ذلك يُعَد من أعلى ما يمكن أن يثبت عند البشر عن طريق التواتر. ولا سبيل لإنكار وقوع ذلك إلا بإلغاء اعتبار الخبر مصدراً للمعرفة, وفي ذلك تنكر للحقائق ولما يجده الإنسان من نفسه ضرورة.

 

كما قال ابن حزم في الإحكام عن الخبر الذي تنقله:

 

(كافّة بعد كافّة حتى تبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا خبر لم يختلف مسلمان في وجوب الأخذ به، وفي أنه حق مقطوع على غيبه؛ لأن بمثله عرفنا أن القرآن هو الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم، وبه علمنا صحة مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وبه علمنا عدد ركوع كل صلاة وعدد الصلوات وأشياء كثيرة من أحكام الزكاة وغير ذلك مما لم يبين في القرآن تفسيره، وقد تكلمنا في كتاب الفصل على ذلك، وبينا أن البرهان قائم على صحته، وبينا كيفيته وأن الضرورة والطبيعة توجبان قبوله، وأن به عرفنا ما لم نشاهد من البلاد، ومن كان قبلنا من الأنبياء والعلماء والفلاسفة والملوك والوقائع والتآليف، ومن أنكر ذلك كان بمنزلة من أنكر ما يدرك بالحواس الأول ولا فرق ولزمه أن يصدق بأنه كان قبله زمان ولا أن أباه وأمه كانا قبله ولا أنه مولود من امرأة).

 

وقال الغزالي في المستصفى:

 

(أَمَّا إثْبَاتُ كَوْنِ التَّوَاتُرِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ فَهُوَ ظَاهِرٌ، خِلَافًا لِلسُّمَنِيَّةِ حَيْثُ حَصَرُوا الْعُلُومَ فِي الْحَوَاسِّ وَأَنْكَرُوا هَذَا. وَحَصْرُهُمْ بَاطِلٌ،…،ثُمَّ لَا يَسْتَرِيبُ عَاقِلٌ فِي أَنَّ فِي الدُّنْيَا بَلْدَةً تَسَمَّى بَغْدَادَ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْهَا، وَلَا يُشَكُّ فِي وُجُودِ الْأَنْبِيَاءِ بَلْ فِي وُجُودِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، بَلْ فِي الدُّوَلِ وَالْوَقَائِعِ الْكَبِيرَةِ. فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ هَذَا مَعْلُومًا ضَرُورَةً لَمَا خَالَفْنَاكُمْ. قُلْنَا مَنْ يُخَالِفُ فِي هَذَا فَإِنَّمَا يُخَالِفُ بِلِسَانِهِ أَوْ عَنْ خَبْطٍ فِي عَقْلِهِ أَوْ عَنْ عِنَادٍ، وَلَا يَصْدُرُ إنْكَارُ هَذَا مِنْ عَدَدٍ كَثِيرٍ يَسْتَحِيلُ إنْكَارُهُمْ فِي الْعَادَةِ لِمَا عَلِمُوهُ وَعِنَادُهُمْ).

 

وإذا ثبت ذلك؛ فإن كثيرا مما نُقل عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتواتر يُمكن أن نثبت به حجية السنة ومكانتها من وجوه متعددة سيأتي ذكرها بإذن الله.

 

تنبيه:

التواتر المقصود فيما سيأتي في الباب هو ما يسميه كثير من المتأخرين بالتواتر المعنوي، وإن كان قد يسمى عند بعض من تقدمهم تواترًا لفظيا، كما قال الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه:

 

(فأما التواتر فضربان، أحدهما: تواتر من طريق اللفظ، والآخر: تواتر من طريق المعنى.
فأما التواتر من طريق اللفظ: فهو مثل الخبر بخروج النبي من مكة إلى المدينة، ووفاته بها ودفنه فيها، ومسجده، ومنبره، وما روي من تعظيمه الصحابة وموالاته لهم ومباينته لأبي جهل وسائر المشركين، وتعظيمه القرآن وتحديهم به واحتجاجه بنزول، وما روي من عدد الصلوات وركعاتها وأركانها وترتيبها، وفرض الزكاة والصوم والحج ونحو ذلك .
وأما التواتر من طريق المعنى: فهو أن يروي جماعة كثيرون يقع العلم بخبرهم كل واحد منهم حكمًا غير الذي يرويه صاحبه إلا أن الجميع يتضمن معنى واحدًا فيكون ذلك المعنى بمنزلة ما تواتر به الخبر لفظًا، مثال ذلك ما روى جماعة كثيرون من عمل الصحابة بحبر الواحد والأحكام مختلفة والأحاديث متغايرة ولكن جميعها تتضمن العمل بخبر الواحد العدل، وهذا أحد طرق معجزات رسول اللهصلى الله عليه وسلم فإنه روي عنه تسبيح الحصى في يديه، وحنين الجذع إليه، ونبع الماء بين أصابعه، وجعله الطعام القليل كثيراً، ومجه الماء من فمه في المزاده فلم ينقصه الاستعمال، وكلام البهائم له، وما أشبه ذلك مما يكثر تعداده).

 

فهذا الذي سماه الخطيب لفظيا ضرب له بأمثلة هي عند كثير من المتأخرين من التواتر المعنوي.

 

أنواع الأخبار المتواترة المثبتة لحجية السنة ومكانتها في الإسلام:

 

يمكن تقسيم الأخبار المتواترة المثبتة لحجية السنة ومكانتها في الإسلام إلى أنواع:

 

النوع الأول: تواتر أخبار الغيب عن النبي صلى الله عليه وسلم.

 

لقد اعتنى علماء المسلمين بتدوين الأخبار الغيبية التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم, وتتبعوا ما وقع منها على مر التاريخ, وجعلوا ذلك من أهم دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم, ولا ينازع أحد من أهل العلم بالأخبار والسير في وقوع ذلك منه, وقد كثرت الأحاديث التي دونها العلماء في هذا المعنى, ومن يطالع دلائل النبوة للبيهقي, والبداية والنهاية لابن كثير, وغيرهما من الكتب التي اعتنت بذكر دلائل النبوة من جهة الأثر والخبر, يجد عجبا من توارد هذه الأخبار وقوة أسانيدها.

 

وجه دلالة أحاديث الغيب على حجية السنة:
أن الله سبحانه وتعالى قد أخبر في كتابه أنه عالم الغيب وحده, وأنه لا يُطلع على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول, فعلم بذلك أن ما يقوله صلى الله عليه وسلم من أخبار الغيب إنما هو من عند الله سبحانه وتعالى, وبالتالي فهو وحي من الله سبحانه وتعالى, وليس هذا الوحي مما ذكر في نص القرآن.

والعجيب أن منكري السنة يستدلون بوجود أخبار الغيب في كتب الحديث على إبطال السنة, وليس على كونها وحيًا, فهم يقولون إن الله ذكر في كتابه العزيز أن لا أحد يعلم الغيب إلا هو, ويذكر أهل السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يعلم الغيب لأحاديث الأخبار الغيبية التي يروونها في كتبهم, وبالتالي فالسنة باطلة.

وهذا استدلال فاسد, فإن الله قد أثبت في كتابه أنه يطلع رسله على الغيب, وليس معنى ذلك أنه يطلعهم على جميع الغيب, فإن هناك من الغيب ما اختص به الله سبحانه وتعالى وقد أبقت السنة على هذا الغيب الذي هو من خصوصية الله, كما ثبت في حديث جبريل في البخاري ومسلم أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل).

 

النوع الثاني: تواتر الأحاديث القدسية عن النبي صلى الله عليه وسلم التي ينسب فيها كلامًا لله سبحانه ليس مذكورا في القرآن.

 

لقد تواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه حدث بأحاديث عن ربه سبحانه وتعالى, وكان يصدّرها بقوله: (قال الله تعالى), أو يقول راويها عنه: (فيما يرويه عن ربه عز وجل).

وقد صح من هذه الأحاديث شيء كثير حتى بلغت في جمع بعض المعاصرين لها – وهو الشيخ مصطفى العدوي في كتابه: الصحيح المسند من الأحاديث القدسية- ١٨٥ حديثًا قدسيًا صحيحًا, ولسنا نستدل هنا على المنكرين بأفراد هذه الأحاديث وإنما بمجموعها الذي يفيد تواترًا معنويًا في نسبة النبي صلى الله عليه وسلم كلامًا إلى ربه سبحانه ليس مذكورًا في نص القرآن.

ووجه الدلالة منها على كون السنة وحيًا ظاهر, إذ لا سبيل إلى معرفة ما قاله الله سبحانه إلا بالوحي.

 

النوع الثالث: تواتر بيان النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن.

 


 

المصدر:

  1. أحمد بن يوسف السيد، تثبيت حجية السنة، ص51
 
 

 

 

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#حجية-السنة
اقرأ أيضا
إنه لقرآن كريم | مرابط
اقتباسات وقطوف

إنه لقرآن كريم


يقسم رب العزة بمواقع النجوم أي: منازلها في السماء ثم يقول: إن هذا القسم لو تعلمون عظيمأي: هذا الذي أقسم الله تبارك وتعالى به وهو مواقع النجوم قسم عظيم اليوم نحن نعرف شيئا من عظمة هذا القسم بعد أن اخترعت هذه المكبرات والمناظير التي نرى بها نجوم السماء فعلى ماذا أقسم رب العزة

بقلم: عمر الأشقر
307
شبهات حول الإجماع | مرابط
أباطيل وشبهات تعزيز اليقين مقالات

شبهات حول الإجماع


وصل الحال عند بعض من ينكر حجية الإجماع إلى تجويز إطباق جميع الأمة على مدى أربعة عشر قرنا على الخطأ وهذا الموقف يخالف ما أخبر الله به أن هذه الأمة خير الأمم وأنها أمة وسط لتكون شاهدة على الناس لعدالتها وصدقها فكيف يجوز مع ذلك أن تتصرم قرونها وهي متفقة على الباطل غير عارفة بالحق ولا قائمة به

بقلم: أحمد يوسف السيد
2085
الشعر الجاهلي واللغة ج1 | مرابط
مناقشات

الشعر الجاهلي واللغة ج1


تعتبر مقالات محمد الخضر حسين من أهم ما قدم في الرد على كتاب طه حسين في الشعر الجاهلي وهذه المقالات تفند جميع مزاعمه وترد عليها وتبين الأخطاء والمغالطات التي انطوت عليها نظريته التي قدمها فيما يخص الشعر الجاهلي وكيف أن هذه الأخطاء تفضي إلى ما بعدها من فساد وتخريب وبين يديكم مقال يقف بنا على زعم طه حسين بأنه لا يسلم بصحة هذه الكثرة المطلقة من الشعر الجاهلي وأن هذا الشعر لا يمثل اللغة العربية ولا يعبر عنها بحال

بقلم: محمد الخضر حسين
302
الآثار السلبية للانفلات من الشريعة | مرابط
فكر مقالات المرأة

الآثار السلبية للانفلات من الشريعة


فبأي ذنب يتم إسقاط ملايين الأجنة سنويا بعمليات الإجهاض التي تسببت بها علاقات غير شرعية وإذا كانت الروح قد نفخت في كثير من هذه الأجنة فبأي ذنب قتلت أليس لهذا الجنين حق الحياة أم أن حرية الشهوة مقدمة وإدا كان مصير هذه الأرواح البريئة القتل والإزهاق فلماذا يتم تسهيل العلاقات التي تسببت في تكوينها من الأصل

بقلم: أحمد يوسف السيد
159
شبهات حول المرأة الجزء الثاني | مرابط
أباطيل وشبهات تعزيز اليقين المرأة

شبهات حول المرأة الجزء الثاني


يمكن القول بأن الجاهلية جمعت شبهاتها حول الشريعة في المرأة وقد انعكست الطبيعة العاطفية لهذه القضية على هذه الشبهات مما ساهم في طرحها على سرعة التفاعل معها وخصوصا عندما تكون الأحكام الشرعية في الأساس غير مرهونة بمعرفة العلة العقلية منها ومن هنا كانت مواجهة شبهات الكافرين والمنافقين حول المرأة في حقيقتها مواجهة لأبعاد أساسية في قضية الشبهات الجاهلية حول الشريعة الإسلامية وليست مجرد شبهة واحدة كغيرها من الشبهات

بقلم: رفاعي جمعة
1438
أصول الانحراف الدرس الأول ج2 | مرابط
تفريغات

أصول الانحراف الدرس الأول ج2


إن من مقاصد الوحي وضوح طرق الضلال أن تكون واضحة أمامنا وفي سورة الأنعام بعد شوط طويل من الشرح والتوضيح والتبيين للآيات البينات ذكر ربنا سبحانه وتعالى محاولة خبيثة من أهل الباطل لإضلال النبي صلى الله عليه وسلم ولكن الله سبحانه وتعالى عصمه ومحاولة لدس الحقد والضغينة بين المسلمين

بقلم: أحمد عبد المنعم
100