دلالة الدقيق من الخلق على الله | مرابط

دلالة الدقيق من الخلق على الله

الكاتب: أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ

تم النشر منذ 7 أشهر 1937 مشاهدة

دلالة الدقيق من الخلق على الله مقال من كتاب الحيوان للجاحظ

 

أوصيك أيها القارئ المتفهم، وأيها المستمع المنصت المصيخ، ألا تحقر شيئا أبدا لصغر جثته، ولا تستصغر قدره لقلة ثمن. ثم اعلم أن الجبل ليس بأدل على الله من الحصاة، ولا الفلك المشتمل على عالمنا هذا بأدل على الله من بدن الإنسان. وأن صغير ذلك ودقيقه كعظيمه وجليله.


ولم تفترق الأمور في حقائقها، وإنما افترق المفكرون فيها، ومن أهمل النظر، وأغفل مواضع الفرق، وفصول الحدود. فمن قبل ترك النظر، ومن قبل قطع النظر، ومن قبل النظر من غير وجه النظر، ومن قبل الإخلال ببعض المقدمات، ومن قبل ابتداء النظر من جهة النظر، واستتمام النظر مع انتظام المقدمات- اختلفوا.

 

فهذه الخصال هي جماع هذا الباب، إلا ما لم نذكره من باب العجز والنقص، فإن الذي امتنع من المعرفة من قبل النقصان الذي في الخلقة باب على حدة.


وإنما ذكرنا باب الخطأ والصواب، والتقصير والتكميل. فإياك أن تسيء الظن بشيء من الحيوان لاضطراب الخلق، ولتفاوت التركيب، ولأنه مشنوء في العين، أو لأنه قليل النفع والرد؛ فإن الذي تظن أنه أقلها نفعا لعله أن يكون أكثرها ردا، فإلا يكن ذلك من جهة عاجل أمر الدنيا، كان ذلك في آجل أمر الدين. وثواب الدين وعقابه باقيان، ومنافع الدنيا فانية زائلة؛ فلذلك قدمت الآخرة على الأولى.

 

فإذا رأيت شيئا من الحيوان بعيدا من المعاونة، وجاهلا بسبب المكانفة [1] ، أو كان مما يشتد ضرره، وتشتد الحراسة منه، كذوات الأنياب من الحيات والذئاب وذوات المخالب من الأسد والنمور، وذوات الإبر والشعر من العقارب والدبر، فاعلم أن مواقع منافعها من جهة الامتحان، والبلوى. ومن جهة ما أعد الله عز وجل للصابرين، ولمن فهم عنه، ولمن علم أن الاختيار والاختبار لا يكونان والدنيا كلها شر صرف أو خير محض؛ فإن ذلك لا يكون إلا بالمزواجة بين المكروه والمحبوب، والمؤلم والملذ، والمحقر والمعظم، والمأمون والمخوف.

 

فإذا كان الحظ الأوفر في الاختبار والاختيار. وبهما يتوسل إلى ولاية الله عز وجل، وآبد [2] كرامته، وكان ذلك إنما يكون في الدار الممزوجة من الخير والشر، والمشتركة والمركبة بالنفع والضر، المشوبة باليسر والعسر- فليعلم موضع النفع في خلق العقرب، ومكان الصنع في خلق الحية، فلا يحقرن الجرجس [3] والفراش والذر والذبان ولتقف حتى تتفكر في الباب الذي رميت إليك بجملته، فإنك ستكثر حمد الله عز وجل على خلق الهمج والحشرات وذوات السموم والأنياب، كما تحمده على خلق الأغذية من الماء والنسيم.


فإن أردت الزراية والتحقير، والعداوة والتصغير، فاصرف ذلك كله إلى الجن والإنس، واحقر منهم كل من عمل عملا من جهة الاختيار يستوجب به الاحتقار، ويستحق به غاية المقت من وجه، والتصغير من وجه.

 

فإن أنت أبغضت من جهة الطبيعة، واستثقلت من جهة الفطرة ضربين من الحيوان: ضربا يقتلك بسمه، وضربا يقتلك بشدة أسره [4] لم تلم. إلا أن عليك أن تعلم أن خالقهما لم يخلقهما لأذاك، وإنما خلقهما لتصبر على أذاهما، ولأن تنال بالصبر الدرجة التي يستحيل أن تنالها إلا بالصبر.

والصبر لا يكون إلا على حال مكروه. فسواء عليك أكان المكروه سبعا وثابا، أو كان مرضا قاتلا، وعلى أنك لا تدري لعل النزع [5] ، والعلز [6] والحشرجة، أن يكون أشد من لدغ حية، وضغمة [7] سبع. فإلا تكن له حرقة كحرق النار وألم كألم الدهق [8] ، فلعل هناك من الكرب ما يكون موقعه من النفس فوق ذلك.


وقد عمنا أن الناس يسمون الانتظار لوقع السيف على صليف [9] العنق جهد البلاء؛ وليس ذلك الجهد من شكل لذع النار، ولا من شكل ألم الضرب بالعصا.


فافهم فهمك الله مواقع النفع كما يعرفها أهل الحكمة وأصحاب الأحساس الصحيحة.

 

ولا تذهب في الأمور مذهب العامة، وقد جعلك الله تعالى من الخاصة، فإنك مسؤول عن هذه الفضيلة، لأنها لم تجعل لعبا، ولم تترك هملا. واصرف بغضك إلى مريد ظلمك، لا يراقب فيك إلا ولا ذمة، ولا مودة، ولا كتابا ولا سنة. وكلما زادك الله عز وجل نعمة ازداد عليك حنقا، ولك بغضا.

 

وفر كل الفرار واهرب كل الهرب، واحترس كل الاحتراس، ممن لا يراقب الله عز وجل؛ فإنه لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون لا يعرف ربه مع ظهور آياته ودلالاته، وسبوغ آلائه، وتتابع نعمائه، ومع برهانات رسله، وبيان كتبه؛ وإما أن يكون به عارفا وبدينه موقنا، وعليه مجترئا، وبحرماته مستخفا.

 

فإن كان بحقه جاهلا فهو بحقك أجهل، وله أنكر. وإن كان به عارفا وعليه مجترئا فهو عليك أجرأ، ولحقوقك أضيع ولأياديك أكفر.

 

فأما خلق البعوضة والنملة والفراشة والذرة والذبان والجعلان، واليعاسيب والجراد- فإياك أن تتهاون بشأن هذا الجند، وتستخف بالآلة التي في هذا الذرء [10] ؛ فربت أمة أجلاها عن بلادها النمل، ونقلها عن مساقط رؤوسها الذر، وأهلكت بالفأر، وجردت بالجراد، وعذبت بالبعوض، وأفسد عيشها الذبان، فهي جند إن أراد الله عز وجل أن يهلك بها قوما بعد طغيانهم وتجبرهم وعتوهم؛ ليعرفوا أو ليعرف بهم أن كثير أمرهم، لا يقوم بالقليل من أمر الله عز وجل.

 

وفيها بعد معتبر لمن اعتبر، وموعظة لمن فكر، وصلاج لمن استبصر، وبلوى ومحنة، وعذاب ونقمة، وحجة صادقة، وآية واضحة، وسبب إلى الصبر والفكرة. وهما جماع الخير في باب المعرفة والاستبانة، وفي باب الأجر وعظم المثوبة.

 


 

  1. المكانفة: المعاونة «القاموس: كنف».
  2. آبد: دائم «القاموس: أبد».
  3. الجرجس: البعوض الصغار «القاموس: جرجس».
  4. الأسر: الشد والعصب وشدة الخلق والخلق «القاموس: أسر».
  5. يقال: هو في النزع: أي قلع الحياة «القاموس: نزع».
  6. العلز: هلع يصيب المحتضر «القاموس: علز».
  7. الضغمة: العضة «القاموس: ضغم».
  8. الدهق: خشبتان يغمز بهما الساق «القاموس: دهق».
  9. صليف العنق: عرضه «القاموس: صلف».
  10. الذرء: النسل والخلق «القاموس: ذرأ».


الكلمات المفتاحية:


#الجاحظ


تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

اقرأ أيضا

صحبة البطالين | مرابط
اقتباسات وقطوف

صحبة البطالين

مقتطف ماتع لابن الجوزي رحمه الله يتحدث فيه عن قيمة الوقت وعن حياة البطالين وصحبتهم وكيف أنه يحاول الهروب منهم ومن لقائهم بشتى الطرق حتى إذا وجد أنه لا مفر جهز بعض الأعمال البسيطة التي لا تحتاج إلى جهد ولا فكر ولا حضور قلب ليقوم بها في أوقات حضورهم فلا يضيع وقته معهم ولا يستمع إلى أحاديثهم التي لا تخلو من غيبة

بقلم: ابن الجوزي
1696
العنصرية الأمريكية ضد العرب 2 | مرابط
اقتباسات وقطوف

العنصرية الأمريكية ضد العرب 2

مقتطف من كتاب الحروب الهمجية يتحدث فيه الكاتب عن الرؤية الأمريكية للعرب والتي تقوم على العنصرية أو التعصب إذ يعد هذا هو المحرك الأبرز في التعامل مع كافة الأحداث ومن هنا توصف أعمال العنف التي يرتكبها الأمريكان أو إسرائيل على أنها دفاع عن النفس بينما أي عنف يرتكبه العرب يقع تحت وصف الإرهاب

بقلم: ستيفن سالايتا
63
المعصية تورث الذل | مرابط
اقتباسات وقطوف

المعصية تورث الذل

يظن كثير من المسلمين أن المعاصي لا تترك أثرا على نفس المسلم وهذا الظن يدفع يهون المعصية في قلوب الناس بشكل عام والحقيقة على خلاف ذلك تماما فالمعاصي لها آثار قاتلة إذا لم ينتبه إليها المسلم ومن هذه الآثار أنها تورث الذل وبين يديكم مقتطف من كتاب الداء والدواء حول الأمر

بقلم: ابن القيم
129