ظهور العقيدة في الوعي المتيقظ والشعور المتوقد

ظهور العقيدة في الوعي المتيقظ والشعور المتوقد | مرابط

الكاتب: محمد عبد الله دراز

1527 مشاهدة

تم النشر منذ سنة

(١) ما الأسباب المباشرة التي أيقظتها في النفوس؟
 

فإِذا سألنا هنا عن نشأة العقيدة الإِلهية، فليس سؤالنا منشأ هذه الضرورة الكامنة في العقل الباطن، والتي هي من الأوليات التي لا يُسأل عن مصدرها، وإِنما السؤال عن العوامل والملابسات التي تكون قد رفعت هذه الحقيقة إِلى مستوى الوعي المتيقظ، ثم لم تكتفِ بإِبرازها أمام العقل قضية نظرية، بل حولتْها إِلى فكرة حية ملهبة للمشاعر، وطبعت موضوعها بطابع خاص يجعله ذاتًا عُلويةً تتوجه إِليها القلوب بالرغبة والرهبة، والدعاء والخضوع.

 

جمهور الباحثين في هذه المسألة لا يطلبون من بحثهم الوقوف على الأسباب العامة التي تتيسر دراستها ويمكن التحقُّق من وجودها في كل عصر، والتي يُعقل أنها هي التي أيقظت ولا تزال توقظ الحاسة الدينية في الإِنسان، بل يفهمون من كلمة «نشأة الدين» الصورة التي ظهرت فيها الأديان أول ما ظهرت في الوجود، فالأولية التي يريدون تقريرها ليس أولية في الترتيب المنطقي فحسب -كتقدم المقدمات على النتائج- وليست أولية تاريخية نسبية -أعني: بالإِضافة إِلى العصور المعروفة- بل هي أولية زمانية مطلقة، تقترن بظهور الإِنسان على هذا الكوكب.

 

والمنهجُ الذي يسلكونه للوصول إِلى هذا المطلب هو التنقيب عن أديان الأمم القديمة، أو أديان الأمم المعاصرة غير المتحضرة، حتى إِذا ما انتهى بهم السير في تلك العصور المظلمة، أو تلك الأقطار المنعزلة، إِلى أقدم مظهر معروف من مظاهر التفكير الديني، اعتبروه صورةً مطابقة لِمَا كان عليه الإِنسان الأول.

 

ولما كانت المرحلةُ النهائية في نظر باحث معين لا تنطبق دائمًا على المرحلة الأخيرة التي يصل إِليها باحثٌ آخرُ؛ انقسم الباحثون في الموضوع إِلى شعبتين عظيمتين، تسيران في خَطَّيْن متعاكسين:

 

«ففريقٌ منهم» يذهب إِلى أن الدِّين بدأ في صورة الخرافة والوثنية، وأن الإِنسان أخذ يترقى في دينه على مدى الأجيال حتى وصل إِلى الكمال فيه بالتوحيد، كما تَدَرَّجَ نحو الكمال في علومه وصناعاته، حتى زعم بعضهم أن عقيدة «الإِله الأحد» عقيدة جِدُّ حديثة، وأنها وليدةُ عقلية خاصة بالجنس السامي.

هذه النظرية نادى بها أنصارُ مذهب «التطوُّر التقدمي»، أو التصاعدي Evolu-tionnism progressisie ou ascendent، الذي ساد في أُوروبا في القرن التاسع عشر، في أكثر من فرع من فروع العلوم، وحاول تطبيقه على تاريخ الأديان عددٌ من العلماء منهم سبنسر Spencer، وتيلور Tylor، وفريزر Frazer، ودوركايم Durkheim، وغيرهم. وإِن اختلفت وجهات نظرهم في تحديد صورة العبادة الأولى وموضوعها.

 

«وفريقٌ آخر» يقرر بالطرق العلمية بطلانَ هذا المذهب، ويثبت بالعكس أن عقيدة الخالق الأكبر هي أقدمُ ديانة ظهرت في البشر، مستدلًّا بأنها لم تنفك عنها أمةٌ من الأمم في القديم والحديث. فتكونُ الوثنيات إِن هي إِلا أعراضٌ طارئة، أو أمراضٌ متطفلة، بجانب هذه العقيدة العالمية الخالدة.

وهذه هي نظرية «فطرية التوحيد وأصالته»، التي انتصر لها جمهور من علماء الأجناس، وعلماء الإِنسان، وعلماء النفس، ومن أشهر مشاهيرهم لانج Lang الذي أثبت وجود عقيدة «الإِله الأعلى» عند القبائل الهمجية في أوستراليا، وإِفريقيا، وأمريكا. ومنهم شريدر Sheroeder الذي أثبتها عند الأجناس الآرية القديمة؛ وبروكلمان Brockelman الذي وجدها عند الساميين قبل الإِسلام، ولرواه La Roy وكاترفاج Quatrefages عند أقزام أواسط إِفريقيا، وشميدت Schmidt عند الأقزام وعند سكان أوستراليا الجنوبية الشرقية. وقد انتهى بحث شميدت هذا إِلى فكرة «الإِله الأعظم» توجد عند جميع الشعوب الذي يعدون من أقدم الأجناس الإِنسانية.(1)

 

غير أنه مهما تتفاوت النتائج في نظر المذهبين: «التطوري والفطري» فإِنهما متفقان على موضوع البحث، وهو تحديد صورة العقيدة «البدائية» الحقيقية، وعلى منهاجه، وهو دراسة الشعوب المتأخرة والأمم الغابرة.

 


 

الإشارات المرجعية:

  1. Schmidt. ouv. Cit, p. 30

 

المصدر:

  1. محمد عبد الله دراز، الدين بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، ص107
تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#العقيدة
اقرأ أيضا
كلمة جامعة عن أهمية المحافظة على صلاة الفجر | مرابط
تفريغات

كلمة جامعة عن أهمية المحافظة على صلاة الفجر


في صلاة الفجر تقابلون صفوة المجتمع صلاة الفجر مقياس لمستوى الأمة وقيمتها فالأمة التي تفرط في الفجر في جماعة أمة لا تستحق القيام بل تستحق الاستبدال وعلى الجانب الآخر الأمة التي تحرص على صلاة الفجر في جماعة أمة اقترب ميعاد تمكينها في الأرض

بقلم: د راغب السرجاني
307
من هم التنويريون | مرابط
فكر مناقشات

من هم التنويريون


مراجعة لكتاب: التنوير الإسلامي في المشهد السعودي عبد الوهاب آل غظيف مركز تأصيل الطبعة الأولى 1434ه وهو أول كتاب قدم استعراضا وتحليلا وتقييما علميا لموجة التنوير في السعودية وعرف بها وأهم أفكارها ومقولاتها والتطورات التي لحقت بها خلال الحقبة السابقة وهو كتاب الأخ الشيخ عبد الوهاب آل غظيف بعنوان التنوير الإسلامي في المشهد السعودي الصادر عن مركز تأصيل الطبعة الأولى 1434ه ويقع في 150 صفحة

بقلم: إبراهيم السكران
815
أسباب سقوط الأندلس الجزء الثاني | مرابط
تاريخ فكر

أسباب سقوط الأندلس الجزء الثاني


في هذا المقال نعود إلى تاريخ الأندلس لنقف على أهم الأسباب التي أدت إلى سقوطها في النهاية ولنعتبر بكل ما جرى في تلك المرحلة التاريخية الهامة ونستخلص عوامل الانهيار والانحدار التي أوصلت المسلمين إلى فقد هذه الحضارة الزاهية فالمستقبل لا يبنيه إلا من علم أخطاء الماضي وتحاشاها وتجنبها قدر طاقته واستطاعته وإدراك أسباب سقوط الأندلس يعيننا على فهم السنن الكونية وفهم عوامل الصعود وعوامل السقوط

بقلم: علي محمد الصلابي
1855
خلاصة في المجاز | مرابط
فكر مقالات لسانيات

خلاصة في المجاز


مسألة المجاز في العربية والقرآن مسألة تشعب الخلاف فيها وقد جرت مباحثتها مع بعض الأفاضل وفي هذا المقال يعرض لنا الكاتب إبراهيم السكران رؤيته الخاصة في هذا الموضوع ويقف على بعض جوانب الاختلاف بين العلماء بين المؤيدين أو المانعين للمجاز

بقلم: إبراهيم السكران
1308
نظرات في فاتحة الكتاب الحكيم الجزء الثاني | مرابط
تعزيز اليقين فكر مقالات

نظرات في فاتحة الكتاب الحكيم الجزء الثاني


بين يديكم مقالة تحليلية للكاتب محمد عبد الله دراز يتناول فيها فاتحة الكتاب ليخرج لنا الكثير من الكنوز والأسرار واللفتات والإضاءات التي ربما لم نلحظها أو لم ننتبه إليها من قبل فهو لا يتناول السورة بمعزل عن سور القرآن وإنما ينظر إلى مقاصدها وخطابها ومعانيها مقارنة ببقية السور وفي ضوء مقاصد الدين ورسالة الإسلام

بقلم: محمد عبد الله دراز
2080
من ذكريات الحج | مرابط
مقالات

من ذكريات الحج


ألا ترون العروق الشعرية كيف تحمل الدم من أطراف الجسم ثم تصبه في الأوردة الكبار حتى يدور دورته في القلب مجتمعا وفي الرئة منتشرا فيصفو بعد العكر وينقى من الوضر ويعود في الشرايين دما أحمر جديدا بعد أن كان في الأوردة دما أسود فاسدا كذلك الحج يأتي المسلمون من آفاق الأرض الأربعة أفرادا ثم ينتظمون جماعات ثم يدورون حول الكعبة قلب الأرض المسلمة ثم ينتشرون في عرفات رئة الجسم الإسلامي فتصفي نفوسهم من أكدار الشهوات وتنقى أوضار الذنوب ويعودون إلى بلادهم أطهارا قد استبدلوا بتلك النفوس نفوسا جديدة كأنها م...

بقلم: علي الطنطاوي
345