لا يأمن البلاء من يأمن البلاء

لا يأمن البلاء من يأمن البلاء | مرابط

الكاتب: محمود خطاب

398 مشاهدة

تم النشر منذ سنة

من الوهم أن يظن الإنسان في نفسه عصمة؛ كأن يرى أنه أكبر من الزلل وأكبر من أن يُفتن في دينه طالما معه شيء من الإيمان = فيزج بنفسه إلى مواطن ومواضع الشبهات مغترًا غير آبهٍ بزلل أو ضعفه الذي خُلق عليه! “يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا”
يقول السعدي، رحمه الله: وذلك لرحمته التامة وإحسانه الشامل، وعلمه وحكمته بضعف الإنسان من جميع الوجوه، ضعف البنية، وضعف الإرادة، وضعف العزيمة، وضعف الإيمان، وضعف الصبر، فناسب ذلك أن يخفف الله عنه، ما يضعف عنه وما لا يطيقه إيمانه وصبره وقوته.

تأمل هذا الكلام مثلا:

ثم هذه الصورة المتوهمة عن المرأة المسلمة التي ترفعها إلى منزلة الملائكة = هي محض وهم! .. هذه ليست شجاعة، إنه جهل مدقع بطبيعة القلوب والنفوس! ودليل ذلك أن تتأمل في حال السلف الصالح، وحال الرسول نفسه، صلى الله عليه وسلم!

من الدين الفرار من الفتن

لك أن تتخيل أن أرسخ الناس وأكملهم، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كان يتعوذ من فتنة المحيا والممات، ويقول أنس بن مالك: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يُكثرُ أن يقولَ يا مقلِّبَ القلوبِ ثَبِّتْ قلبِي على دينِك. فقلت: يا نبيَّ اللهِ آمنَّا بك وبما جئتَ به فهل تخافُ علينا؟ قال: نعم إن القلوبَ بينَ إصبعينِ من أصابعِ اللهِ يُقلِّبُها كيفَ يشاءُ

وتأمل ما قرره ابن قدامة المقدسي، رحمه الله، من أن المرأة تتيمم إذا كان بينها وبين الماء فسّاق.. قال:
ولو كان الماء بمجمع الفساق، تخاف المرأة على نفسها منهم، فهي عادمته..، بل لا يحل لها المضي إلى الماء؛ لما فيه من التعرض للزنا، وهتك نفسها وعرضها، وتنكيس رءوس أهلها، وربما أفضى إلى قتلها، وقد أبيح لها التيمم حفظا للقليل من مالها، المباح لها بذله، وحفظا لنفسها من مرض أو تباطؤ برء، فهاهنا أولى (1)

لم يقل ابن قدامة رحمه الله، أن المرأة المؤمنة لا يُخشى عليها أن تلج إلى مواقع الفساق لتتوضأ ثم تعود فقط! وأنها لا يُخشى عليها طالما أنها مؤمنة راسخة العقيدة.. بل لم يفصل ويقل أن الأمر مباح إن كانت تعرف في نفسها إيمانا وأنه لا يجوز إن كانت ضعيفة الإيمان.. بل قال قولًا واحدًا فقط، لا يجوز لها، وفقط تتيمم! وهذا هو منهاج السلف: الفرار من مواطن الفتن. وقد بوب البخاري رحمه الله في صحيحه “من الدين الفرار من الفتن

وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن إبراهيم التيمي قال: من يأمن البلاء بعد قول إبراهيم "واجنبني وبني أن نعبد الأصنام"؟(2)

فأي أمن يأمنه المسلم على نفسه من الفتن بعد هذا؟
هذا رسولنا صلى الله عليه وسلم يلحّ في الدعاء بأن يثبت الله قلبه على الدين، وأن يعيذه من فتنة المحيا والممات ومن فتنة الدجال. وهذا إبراهيم الخليل عليه السلام يدعو الله بأن بجنّبه عبادة الأصنام وهو المعصوم!
فمن هذا الذي يأمن على نفسه فيلج إلى مواطن الفتن غير آبه؟ ومن تلك التي تحسب نفسها من الملائكة فترد مواضع الشبهات غير عابئة بأي شيء؟

يقول الله جل وعلا “وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا”، ثم يأتي من يقول: لا! بل المرأة الصالحة تأمن على نفسها ودينها ولا تزل ولا تُفتن حتى لو كانت في لاس فيجاس!

يقول ابن القيم حول الآية السابقة: قال طاووس ومقاتل وغيرهما: لا يصبر عن النساء. وقال الحسن: هو خلقه من ماء مهين، وقال الزجاج: ضعف عزمه عن قهر الهوى. والصواب أَن ضعفه يعم هذا كله، وضعفه أَعظم من هذا وأَكثر: فَإنه ضعيف البنية، ضعيف القوة، ضعيف الإرادة، ضعيف العلم، ضعيف الصبر، والآفات إليه مع هذا الضعف أَسرع من السيل في الحدور. فبالاضطرار لا بد له من حافظ معين يقوّيه ويعينه وينصره ويساعده، فإن تخلى عنه هذا المسعِد المعين فالهلاك أقرب إليه من نفسه! (3)

وتأمل ما يقوله هذا التابعي الجليل، أبو قلابة عبدالله بن زيد الجرمي: لا تُجالِسوا أهلَ الأهواء ولا تُجادلوهم؛ فإنِّي لا آمَن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يُلبِّسوا عليكم ما كنتم تعرفون.
لم يقل بجواز مجالسة أهل الأهواء إن كان إيمانك راسخًا، وأنه لا قلق عليك.. بل يرى عدم مجالستهم؛ فقد يُفتن المسلم أو يلبس عليه ما كان يعرف = فيَضِل!

بل تأمل ما قال ابن أبي مليكة: “أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل”
ثلاثون من الصحابة وهم الذين قد شرفوا بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم، وهم جبال الإيمان والثبات كما تعرفون: يخافون على أنفسهم النفاق!

وعن جبير بن نفير قال: دخلت على أبي الدرداء رضي الله عنه منزله بحمص فإذا هو قائم يصلي في مسجده، فلما جلس يتشهد جعل يتعوذ بالله من النفاق، فلما انصرف قلت له: غفر الله لك يا أبا الدرداء، أما أنت والنفاق، ما شأنك وشأن النفاق؟! فقال: اللهم غفرا، (ثلاثا) لا يأمن البلاء من يأمن البلاء، والله إن الرجل ليفتن عن ساعة واحدة فيقلب عن دينه (4)

انظر عبارته الماتعة “لا يأمن البلاء من يأمن البلاء”.. فمن أمنت الفتنة على نفسها ودينها وأوردت نفسها مواطن الفتن والشهوات والشبهات: زلت وفُتنت!

ولو شككوا لشكوا!

وما سبق هو توضيح سريع لحال السلف وحال رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، في أمر ورود مواطن الفتن.. ثم لنسأل الآن، من منا أصلًا يملك إيمانا يعادل إيمان الصحابة الكرام؟ بل إن أصحاب هذه الفكرة المغلوطة غالبًا هم عوام الناس، وهم أصحاب إيمان مجمل، لم يصلوا إلى حقيقة الإيمان بعد (ولو وصلوا لما قالوا مقالتهم تلك) فكيف هو حال عامة الناس؟

يقول ابن تيمية: فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر أو ولدوا على الإسلام والتزموا شرائعه وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله فهم مسلمون ومعهم إيمان مجمل ولكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم إنما يحصل شيئا فشيئا إن أعطاهم الله ذلك وإلا فكثير من الناس لا يصلون لا إلى اليقين ولا إلى الجهاد ولو شككوا لشكوا ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا وليسوا كفارا ولا منافقين بل ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدرأ الريب ولا عندهم من قوة الحب لله ولرسوله ما يقدمونه على الأهل والمال وهؤلاء إن عوفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة.

وإن ابتلوا بمن يورد عليهم شبهات توجب ريبهم فإن لم ينعم الله عليهم بما يزيل الريب وإلا صاروا مرتابين وانتقلوا إلى نوع من النفاق..، ولهذا لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أسلم عامة أهلها فلما جاءت المحنة والابتلاء نافق من نافق. فلو مات هؤلاء قبل الامتحان لماتوا على الإسلام ودخلوا الجنة ولم يكونوا من المؤمنين حقا الذين ابتلوا فظهر صدقهم. (5)

فتأمل عباراته "لا يصلون إلى اليقين" وقوله “لو شككوا لشكوا”، ثم كلامه عن المحنة التي امتُحن بها الناس: فنافق من نافق!، إلى آخر ما قاله؛ كل هذا يدل على أن هؤلاء معافون من الزلل والفتن بفضل الله، ولكنهم لو وردوا مواطن الشبهات والفتن = ربما لا يثبتون بما معهم من إيمان مجمل! ولو شككهم أحد في دينهم = لشكوا وانتقلوا إلى نوع من النفاق.
ويبدو والله أعلم أن هذا حال معظم المسلمين اليوم، ولا يعني هذا أن نعيبهم أو ننتقص منهم لأنهم لم يصلوا لدرجة أكبر من الإيمان، بل يعني أن يعرف كل مسلم قدره ويخاف على نفسه أن يزل ويسأل الله الثبات فقط!

والخلاصة من كل هذا أن المؤمن لا يزج بنفسه إلى مواطن الشبهات والفتن، ولا يورد نفسه مواضع الزلل ثم ينتظر ألا يزل!
والمعصوم = من عصمه الله من الوقوع.
والثابت = من ثبته الله جل وعلا.
والمهتدي = من هداه الله فقط.

أما الإنسان نفسه: فلا يملك لنفسه شيئًا ولا يملك من أمره شيئًا، والأمر كله لله وحده، يضل من يشاء ويهدي من يشاء، ومن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.. ونسأله السلامة والنجاة وألا نزل أو نُفتن.. وأن يتوفانا مسلمين.


الإشارات المرجعية:

  1. ابن قدامة، المغني، ج1، ص151
  2. جلال الدين السيوطي، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ج8 ص556
  3. ابن القيم، طريق الهجرتين وباب السعادتين ص228
  4. أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (47/ 182)
  5. شيخ الإسلام ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج7
تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#الفتنة #الثبات #العصمة
اقرأ أيضا
هم يسمحون لنا فلنسمح لهم | مرابط
أباطيل وشبهات مقالات

هم يسمحون لنا فلنسمح لهم


هم يسمحون لنا ببناء المساجد فلماذا لا نسمح لهم ببناء الكنائس وهم يسمحون للمسلمين بالدعوة إلى الإسلام فلماذا لا يسمح لهم بمثل ذلك وهم يهنئوننا بأعيادنا الدينية فلماذا لا نقابلهم بالمثل ومقولات أخرى تكرر ذات المعنى: كما أن غير المسلمين يفعلون معنا شيئا معينا فلماذا لا نقابلهم بالمثل فنفعل لهم الشيء نفسه في هذا المقال رد على هذه التساؤلات

بقلم: عبد الله بن صالح العجيري وفهد بن صالح العجلان
2013
قراءة الأحداث بعيون زرقاء | مرابط
فكر

قراءة الأحداث بعيون زرقاء


رغم أن الأعين الزرقاء لم يأت بجديد في قراءة الأحداث إلا أن ضحايا الاستبداد الثقافي يتلهفون دائما للحصول على ختم الصلاحية لأفكارهم وعقائدهم ولذلك يفرحون إذا وافقتهم الثقافة الغربية في فكرة أو فكرتين.. ويطيرون إذا قال الرجل الأبيض شيئا موافقا لثقافة وأفكار المسلمين! فهذا يأتي بمثابة صك الصلاحية وكأن لسان حالهم: الآن لا نخجل مما نعتقده الآن لا حرج على أفكارنا!

بقلم: محمود خطاب
276
المذاهب والفرق المعاصرة: العلمانية ج1 | مرابط
تفريغات العالمانية

المذاهب والفرق المعاصرة: العلمانية ج1


فكرة العلمانية التي ظهرت أفرزت كثيرا من المذاهب وكثيرا من الأفكار بعضها صارت مشهورة ومعروفة عند الناس وبعضها صارت مغمورة وبعضها أقل من ذلك وبعضها أكثر وصارت هناك عشرات النظريات بل مئات النظريات الغربية التي انطلقت من هذا المنطلق وهو العلمانية وأنه ينبغي لك أن تبحث وأن تفكر بغض النظر عن الدين ويسمون الدين اللاهوت ويقولون: اللاهوت هو عبارة عن أشياء روحانية تؤديها في مكانها المخصوص وهو الكنيسة بالنسبة للغربيين والعلمانيون المنتسبون للإسلام يقولون: المسجد وأما بقية الحياة فلها شأن آخر

بقلم: عبد الرحيم السلمي
670
صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ج3 | مرابط
تفريغات

صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ج3


إن الله سبحانه وتعالى قد فرض فرائض وشرع شرائع وأمر بلزومها ومن أعظم هذه الشرائع هي أركان الإسلام الخمسة التي أمر الله عز وجل بها وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بركنيتها للإسلام كما جاء في حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين وغيرهما في قوله عليه الصلاة والسلام: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا

بقلم: عبد العزيز الطريفي
634
خلط الإسلام بالديمقراطية إساءة كبيرة للإسلام ج1 | مرابط
فكر الديمقراطية

خلط الإسلام بالديمقراطية إساءة كبيرة للإسلام ج1


الديمقراطية لما كانت تعني باختصار حكم الشعب - سواء في وضعها البدائي عند اليونان أو في تطبيقاتها المعاصرة - صار الشعب عندهم هو مصدر السلطات بما فيها أهم وأكبر السلطات وهي السلطة التشريعية التي تعد في الإسلام خالص حق الله وحده لاشريك له وبذلك أصبح الشعب في الوضع الديمقراطي المرجع الوحيد في التحليل والتحريم فالمحرم ما حرمه الشعب والمباح ما أباحه بقطع النظر عن وجود حكم شرعي مغاير بالكلية لاختيار الشعب في القرآن والسنة وإجماع الأمة عبر القرون

بقلم: د عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
2720
النفس لا تخلو عن الشعور والإرادة | مرابط
اقتباسات وقطوف

النفس لا تخلو عن الشعور والإرادة


النفس لها مطلوب مراد بضرورة فطرتها وكونها مريدة من لوازم ذاتها لا يتصور أن تكون نفس الإنسان غير مريدة ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: أصدق الأسماء: الحارث وهمام وهي حيوان وكل حيوان متحرك بالإرادة فلا بد لها من حركة إرادية وإذا كان كذلك فلا بد لكل مريد من مراد

بقلم: شيخ الإسلام ابن تيمية
659