لغة أضاعها أهلوها

لغة أضاعها أهلوها | مرابط

الكاتب: علي الطنطاوي

369 مشاهدة

تم النشر منذ سنة

أهل اللغة الإنجليزية

في اللغة الإنكليزية –كما قالوا- حروف تُكتب ولا تُقرأ، وحروف تُقرأ وهي غير مكتوبة، وحروف تُقرأ مرة شيئًا، ومرة شيئًا آخر، ولابدَّ لكلِّ طالب لهذه اللغة أن يتعلَّم كيف تُكتب كلُّ كلمة فيها، ويتعلَّم كيف تُلفظ. وهي- بعدُ- لغة سماعية، لا يطَّرد فيها قياس، ولا تُعرف لها قاعدة. ثم إنَّها لغة ليس لها نسب ثابت، ولا أصل معروف، وحاضرها يلعن ماضيها، ويومها يسبُّ أمسها، ولا يفهم إنكليزي اليوم كلام بلغاء الإنكليز في عصر المعري والشريف الرَّضي، فضلًا عن عصر امرئ القيس وزهير، وألفاظها لمامة (لمامة من العامي الفصيح) من الطرق، ففيها كلمات ألمانية وكلمات فرنسية وكلمات من العربية... وفيها كلمات من كلِّ لسان، وهي -على هذا الضعف والعجز، وهذه المعايب كلِّها- قد سمت بها همم أهلها حتى فرضوها على ثلث أهل الأرض، وأنطقوهم بها.

أهل اللغة العربية

واللغة العربية، وهي أكمل لغات البشر، وأجودها مخارج، وأضبطها قواعد، ذات القياس المطَّرد، والأوزان المعروفة، والتي هي أقدم قدمًا من التاريخ، فلا يعرفها التاريخ إلا كاملة النمو، بالغة النضج. فمتى وُلدت؟ ومتى كانت طفولتها؟ ومتى تدرَّجت في طريق الكمال حتى وصلت إلينا كاملة مكملة، لم تحتَجْ إلى تبديل أو تعديل منذ وجد في الدنيا تاريخ؟ بل لقد أمدَّت- بما زاد عنها من ألفاظها- أكثر لغات الأرض، ففي كلِّ لغة منها أثر.

هذه اللغة العظيمة قد أضاعها أهلوها وأهملوها، فلم يَكْفِهم أن قعدوا عن نشرها وتعليمها الناس (كما فعل أجدادهم من قبل)، بل هم قد تنكَّروا لها، وأعرضوا عنها، وجهلها منهم حتى كثير ممن يدرسها في المدارس، وجهلها حتى كثيرون ممن يُدْعون (أدباء) فيها. بل لقد كان ما هو شرٌّ من هذا الجهل، هو أنَّ هؤلاء (الأدباء) يُقبِّحون مُحسِّنات الكلام، ويُزْرون على البلغاء، ويحاربون البلاغة؛ لعجزهم عن أن يأتوا بمثلها أولًا، ولأنها أسلوب القرآن ثانيًا، وهم يكرهون الإسلام، وكلَّ ما هو منه بسبب، ويتمنَّوْن أن يدع الناس أسلوب القرآن إلى أسلوب التوراة والإنجيل، وبيان النابغة والحطيئة والبحتري إلى (بيان...) شعراء المهجر!

كُتّاب اليوم

فصرتَ تقرأ كتبًا ومقالات لقوم من أشباه العوام، وهم عند الناس كُتَّاب ومؤلفون؛ يلحنون في الفاعل والمفعول، وهم من أئمة الأدب، وأعيان الأدباء، ما قرؤوا يومًا كتابًا في نحو ولا صرف، ولا تمرَّسوا بأساليب العرب، ولا عرفوا مذاهبها في كلامها، وهم أساتذة الأدب الرسميون في الثانويات والجامعات!

ولا تغتروا بما يدعون إليه من العروبة وما يهرف به هذا العجوز ساطع الحصري، الذي كان يعد مفكرًا لما كان الحلاق طبيب الأسنان والصيدلي العطار والكتاتيب رياض الأطفال، ثم تغير الزمان، فلم يعد الحلاق طبيبًا ولا العطار صيدليًّا ولا الكتاب روضة، ولا الحصري مربيًا ولا مفكرًا.

إنَّ العروبة، بل إنَّ كلَّ قومية في الدنيا، إنما تقوم على اللسان والتاريخ والعادات. وهؤلاء لا عاداتهم عادات العرب، ولا يعرفون تاريخ العرب، ولا يفهمون لغة العرب. لا أعني هذا العجوز الذي أفسد (معارف) العراق ثم أفسد (معارف) الشام ثم ذهب يفسد (معارف) مصر، والذي يتكلم الآن باللغة العرتكية [أي العربية التركية]، لا أعنيه وحده، بل أقصدهم جميعًا، ذوي اللغات العرفسية [أي العربية الفرنسية] والعركزية [أي العربية الإنجليزية]، ومن شكَّ في هذا فليتفضَّل فليرني بليغًا واحدًا في هؤلاء القوميين جميعًا، وغيرتهم على العربية كذب

تجربة فريدة

ولقد جربتهم السنة الماضية حين كنت في باكستان، وكان القوم فيها مترددين في اختيار لغة رسمية لهم بين العربية والإنكليزية. العربية لأنَّها لغة قرآنهم، ولأن فيهم – في دار العلوم في كراتشي، وفي معهد ديوبند قرب دهلي، وفي ندوة العلماء في لكنو، وفي عشرات المدارس في الهند – علماء بالعربية قلَّ أن تجد في مصر والشام من يدانيهم. والإنكليزية لأنَّها أسهل تعلمًا. ولا يمكن أن تتخذ الأوردية لغة رسمية؛ لأنَّ أهل باكستان الشرقية لا يفهمونها، ولا البنغالية؛ لأنَّ أهل باكستان الغربية لا يفهمونها، وهنا خمسة وأربعون مليونًا، وهنا خمسة وثلاثون، وبين اللغتين اختلاف في الأصل: هذه سنسكريتية، وهذه فارسية وعربية، وفي الحروف: هذي حروفها هندية، وهذه حروفها عربية.

وكانت فرصة لا تكون فرصة أعظم منها، وكنا نستطيع فيها بشيء قليل من الجهد أن نضمَّ إلى الناطقين اليوم بالعربية أكثر منهم، نضم ثمانين مليونًا. ولقد كتبت إلى هؤلاء القوميين فما اهتمَّ بذلك أحد، وإلى الحكومات العربية فما تحركت، إلا ما كان من المفوضية السورية في كراتشي ووزارة المعارف هنا، إذ استطاعتا بأربعة مدرسين فتح عشرين مدرسة لتعليم العربية في كراتشي، يدرس فيها ابن سبعين بجانب ابن سبع، ومدرسة لتخريج معلمين للعربية. والفرصة لا تزال سانحة، فإذا أضعناها لم نستطع أن نعوض مثلها. ولقد سنحت مثلها أيام السلطان سليم حين أراد أن يتخذ العربية لغة رسمية للدولة، فلم تتمَّ إرادته، ولو تمَّت لكان الأتراك كلهم اليوم عربًا.

اللغة والعالم الإسلامي

إنَّ العالم الإسلامي كلَّه مستعدٌّ للإقبال على العربية وتعلمها إن جئناه باسم الدين، أمَّا إن جئناه باسم القومية العربية فلن نجد خيرًا. وما كان شيء- علم الله- يحزُّ في نفوسنا ويخجلنا في رحلتنا إلى الهند والملايو وأندونيسيا إلا العتاب الناعم الذي يلقوننا به، على أنَّا صددنا عن اليد التي مدوها إلينا، وزهدنا في الأخوَّة التي أكنُّوها لنا، وتركنا (أو ترك ناس منا) رابطة الإسلام التي نكسب بها هؤلاء الإخوان الذين يزيدون عن ثلائمائة وستين مليونًا لرابطة قومية لم نكسب بها إلى اليوم (ويظهر أننا لن نكسب بها من بعد) أحدًا.

وفي أندونيسيا وفي سلطنة جوهور في الملايو، وفي كلِّ مكان فيه مسلمون، مدارس للعربية مملوءة بالطلاب. ولو أنَّا عرفنا لغتنا، ونشطنا لخدمتها وذهبنا نعلمها هؤلاء الطلاب الذين يريدونها، لصار العالم الإسلامي كلُّه ينطق العربية في مائة سنة فقط، كما صار ينطقها كلُّه في القرن الثالث الهجري.

ولكن العربية – مع الأسف – لغة أضاعها أهلوها وأهملوها، فذلَّت وقلَّت وهي خير اللغات، وعزَّت وكثرت لغة لا تصلح خادمًا لها حين سمت بها همم أبنائها.


المصدر:
علي الطنطاوي، فصول في الثقافة والأدب، ص149

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#اللغة-العربية
اقرأ أيضا
موسم الإنكار على منكري المنكر | مرابط
فكر الليبرالية

موسم الإنكار على منكري المنكر


إن دين الليبرالية هو أكبر قضايا المسلمين في حاضرنا وتتبع صوره المتنوعة وكشف موالجه للنفوس واجب على ذوي العلم.وكل خبيثة دسها الليبراليون قبلا بخضوع المستضعفين يوجبون الآن طاعتها بصلف الجبارين! وكل شرعة غمروها قبلا بنسبية المؤولين يبطلونها اليوم بوعيد الطاغين!

بقلم: عمرو عبد العزيز
143
أهمية الوقت عند طالب العلم | مرابط
تفريغات

أهمية الوقت عند طالب العلم


كذلك طالب العلم من أهم ما يهتم به هو الوقت وقت طالب العلم ثمين جدا لا يضيعه في الخصومات ولا يضيعه في التفاهات والسفاهات ونحو ذلك تجد طالب علم ليل نهار على الفيسوك يتكلم هنا ويكتب هنا ويروح هنا ويجيئ هنا وليس واجبا عليه ولا حتى يكتب شيئا مفيدا

بقلم: أبو علياء محمد سعد
190
السر في كون البدعة أحب إلى إبليس من المعصية | مرابط
تفريغات

السر في كون البدعة أحب إلى إبليس من المعصية


قالسفيان الثوريوغيره من العلماء: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن البدعة لا يتاب منها والمعصية يتاب منها ومن أظهر الدلائل على أن إبليس لا يكترث بالمعصية حديثجابرالذي رواه الإماممسلمفي صحيحه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن إبليس يضع عرشه على الماء فهو يضع عرشه أي: الكرسي ثم يجلس عليه وبعد ذلك يعطي للأبالسة خط سير كل واحد يذهب إلى بني آدم: يرسل سراياه تترى إلى بني آدم تترى: بعضها خلف بعض إنهم لا يكلون ولا ينامون ولا يهدءون فإبليس لا يحاسب رأس كل شهر ولا أسبوع إبليس يحاسب كل يوم ي...

بقلم: أبو إسحق الحويني
380
زهد سعيد بن جبير | مرابط
مقالات

زهد سعيد بن جبير


حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا عمر بن أيوب حدثنا جعفر بن برقان عن ابن منبه قال: طوبى لمن نظر في عيبه عن عيب غيره طوبى لمن تواضع لله من غير مسكنة ورحم أهل الذل والمسكنة وتصدق بمال جمع من غير معصية وجالس أهل العلم والحلم والحكمة ووسعته السنة ولم يتعدها إلى البدعة

بقلم: أحمد بن حنبل
394
الأمن نعمة من نعم الله | مرابط
تفريغات

الأمن نعمة من نعم الله


إن الأمن نعمة وأي نعمة فقد امتن الله بها على قريش إذ كانت تعيش في الجزيرة العربية حيث السلب والنهب واعتداء القبيلة على القبيلة الأخرى وفي وسط الجزيرة العربية كانت مكة واحة أمن ولذلك قال سبحانه: لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف قريش:1-4

بقلم: عمر الأشقر
353
الدليل العقلي عند السلف ج2 | مرابط
أبحاث

الدليل العقلي عند السلف ج2


والحق أنهم -أي السلف- أيقنوا بغناء الدلائل الشرعية بالبراهين العقلية الفطرية وكفايتها عن الابتداع في دين الله وهذا جوهر الخلاف بينهم وبين مخالفيهم فإن المخالفين لما اعتقدوا أن الدلائل النقلية تعرى عن البراهين العقلية قادهم ذلك إلى ابتداع دلائل على مسائل الدين بل جمعوا بين الابتداع في الدلائل والإحداث في المسائل. ولو أنهم علموا أن دلائل القرآن العقلية لها صفة الثبات والاستمرارية إلى يوم الدين بحيث لا يفتقر في الاستدلال على أصول الدين إلى غيرها لما وقعوا في هذه المشاقة.

بقلم: عيسى بن محسن النعمي
61