ليلة في بيت النبي الجزء الثاني

ليلة في بيت النبي الجزء الثاني | مرابط

الكاتب: أبو إسحق الحويني

238 مشاهدة

تم النشر منذ 11 شهر

 

خبر المرأة الرابعة

أما المرأة الرابعة فقد وصفت زوجها وصفًا جميلًا، وهي أول امرأة تصف زوجها بخير، تقول: (زوجي كليل تهامة)، ومعروف أن ليل تهامة من أفضل الأجواء.. (زوجي كليل تهامة، لا حر ولا قر ولا مخافة ولا سآمة)، أي: لطيف المعشر، وحسن العشرة، (لا حر): أخلاقه ليست شديدة، (ولا قُر): أي: ليس باردًا، (ولا مخافة ولا سآمة)، فالمرأة تأخذ راحتها في الحوار، فتتكلم معه ولا تسكت.

وأردأ الرجال هو الرجل الذي لا تشعر المرأة بالأنس معه، وقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام يجلس لأزواجه ويستمع شكايتهن، ويحل المواقف العصيبة جدًا بكل راحة واطمئنان، ولو تعلمنا من النبي عليه الصلاة والسلام صفة الزوج الصالح لانتهت مشاكل البيوت.

ففي الصحيحين عن عائشة قالت: (ما رأيت صانعة طعام أجود من صفية، ففي يوم من الأيام أرسلت صفية رضي الله عنها إناء فيه طعام إلى بيت عائشة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها ومعه ضيوف، فأخذت عائشة الإناء وكسرته، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال لأصحابة: غارت أمكم، ثم أخذ إناءها وأرسله إلى صفية، وقال: طعام بطعام وإناء بإناء)، فانتهت المشكلة، وحُلت بابتسام، وهكذا إذا عز أخوك فهُن، فإذا كانت المرأة متعصبة ومتصلبة فهُن، ولا يأخذ الرجل العناد والأنفة ويبادر بالطلاق، فيصرح به في وقت، ويكني في وقت آخر، كما لو كان الطلاق سيسحب منه، فيريد أن يستخدمه قبل أن يسحب منه.

لابد أن يعلم الزوج أن المرأة أسيرة عنده، وهذا الوصف وصفها به النبي عليه الصلاة والسلام عندما أوصى بالنساء في آخر ما تكلم به عليه الصلاة والسلام قبل أن يموت، فقد قال: (استوصوا بالنساء خيرًا فإنهن عوان عندكم)، عوان: يعني أسيرات، فحتى لو أن المرأة فرت منك فإنها لا تستطيع أن تتزوج غيرك إلا إذا أعطيتها الإفراج، وإلا فستظل في سجنك مدة طويلة، وبعض المذاهب كالأحناف يقولون: تظل في سجنك مدى الحياة، والمالكية يقولون: القاضي يطلق إذا ثبت الضرر، لكن على أي حال هي في السجن، فعندما تكون المرأة مسجونة وأنت السجان، فلابد أن تقدر هذه العلاقة، وأن المرأة في النهاية لا تستطيع أن ترغم أنفك على شيء، فكن معها حليمًا، وحاول أن تحل أصعب المواقف بالابتسامة وبالكلمة الطيبة.

إن من جوانب عظمة الرسول عليه الصلاة والسلام أنه تزوج تسع نسوة ومع ذلك فعل الذي فعل في حياته صلى الله عليه وسلم، والرجل منا لو تزوج مثلًا بامرأتين، وابتلاه الله عز وجل بإحداهن أو بهن معًا؛ فإنك تجده يكلم نفسه في الشارع، ويتمتم وهو يمشي، فيظن من يراه أنه يسبح ويقول: يا فلان أنت تسبح؟ فيقول: لا. أنا أحسبل، أي: يقول: حسبي الله ونعم الوكيل! مع أنهن امرأتان فقط.

وأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان معه تسع نسوة، ومرت عليه مواقف صعبة تتعجب من تصرفه فيها! ففي الصحيحين من حديث عائشة -وعائشة رضي الله عنها كانت طرفًا دائمًا في كل حادثة- تقول عائشة رضي الله عنها: (كان الناس يتحرون بهداياهم ليلة عائشة)؛ لمعرفتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحبها ويقربها، فأنت إذا أحببت حبيبي فأنت حبيبي، فحبيب حبيبي حبيبي، وعدو حبيبي عدوي، هذه هي قاعدة الولاء والبراء، لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ [المجادلة:22]، فالصحابة كانوا يتحرون بهداياهم ليلة عائشة، فتكون عند عائشة هدايا كثيرة، وكان بقية زوجات النبي صلى الله عليه وسلم يردن مثل هذا أيضًا، وأردن أن يقسمن هذه الهدايا بالتساوي، فأرسلن أحب الناس إليه، وهي فاطمة رضي الله عنها، قالت عائشة : (فجاءت فاطمة لا تخطئ مشيتها مشية النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في لحافي، فدخلت، فلما رآها قال: أهلًا بابنتي، فجلست فقالت: يا رسول الله! إن أزواجك يسألنك العدل في ابنة ابن أبي قحافة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أي بنيتي! أتحبينني؟ قالت: أجل، قال: فأحبي هذه)، ففهمت الجواب، وهو أنها لا تراجعه، وكان جميع زوجات النبي صلى الله عليه وسلم مجتمعات في بيت إحداهن ومنتظرات النتيجة، فدخلت فاطمة رضي الله عنها وقالت: (والله لا أراجعه فيها أبدًا)، فلم ييأسن وأرسلن أحب أزواجه إليه بعد عائشة، وهي زينب رضي الله عنها، تقول عائشة رضي الله عنها: (فجاءت زينب وأنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في لحافي، فتكلمت، وفي بعض الروايات تقول عائشة: وجدعت، أي: قالت كلام ثقيلًا، قالت عائشة رضي الله عنها: فنظرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم هل يكره أن أنتصر؟ وهي بخبرتها وعشرتها معه تعرف إذا كان كارهًا أو غير كاره.

فهذا درس للنساء يتعلمن منه، وينظرن إلى هذا الوفاء، فإذا كان هذا الفعل يعكر على الزوج فلا تفعله، فإن عائشة رضي الله عنه ما قامت ودافعت، إنما قالت: (فنظرت إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم هل يكره أن أنتصر؟)، فهذا درس تعلمه السيدة عائشة للنساء، أنها تراعي زوجها، فإذا كان زوجها يتعكر من صفة معينة، فلا يجوز أن تفعلها أبدًا، وهذا هو مقتضى الوفاء والعشرة بالمعروف.

وهذه أسماء رضي الله عنها تقول كما رواه البخاري في صحيحه: (تزوجني الزبير بن العوام وما له في الأرض شيء، غير أرض أقطعه النبي صلى الله عليه وسلم إياها على بعد ثلثي فرسخ من المدينة)، والزبير بن العوام كان شديدًا، وكان متزوجًا بامرأتين، فإذا أراد أن يضربهما ربط ظفائرهما في بعض حتى لا تهربان، فكانت المرأة الأخرى تتقي الضرب بيديها، أما أسماء فما كانت تحسن ذلك، فكان يظهر أثر الضرب عليها وينتفخ وجهها، فتذهب وتشتكي الزبير، فيقول أبو بكر لها: (ارجعي يا ابنتي فإن الزبير رجل صالح).

وقال لها: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (المرأة لآخر أزواجها)، أي أن المرأة إذا مات زوجها، وكانت تحبه، وهي تستطيع أن تعيش وحدها بلا زوج، فلا تتزوج؛ حتى تكون زوجة زوجها الذي تحبه ومات عنها؛ لأن المرأة لآخر أزواجها، حتى إن أم الدرداء الفقيهة عندما أرسل إليها معاوية بن أبي سفيان يريد أن يخطبها، ومعاوية كان أمير المؤمنين، فقالت له أم الدرداء : (يا معاوية! ما مثلك يرد، ولكني عاهدت أبا الدرداء عهدًا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المرأة لآخر أزواجها)، فقال لها أبو الدرداء : (تعالي نتعاهد -وهو حي- ألا تتزوجي بعدي)، حتى تكون زوجته في الآخرة.

فكان أبو بكر يقول لـأسماء : (يا بنيتي! إن الزبير رجل صالح)، فقسوة الزبير رضي الله عنه وشدته كانت معروفة عنه، حتى إنه ذات مرة كان جالسًا مع عمر بن الخطاب يتكلمون، فقال الزبير : (أنا مؤمن الرضا كافر الغضب)، يعني: عندما أرضى أكون كالنسيم، وعندما أغضب أتغير كثيرًا، فقال له عمر مداعبًا: (أظنها لو آلت إليك -يعني الخلافة- لظللت يومك بالبرحاء تقاتل على مد من شعير)، أي: من الممكن أن تعلن حالة الطوارئ القصوى إذا أخذ أحد قليلًا من الشعير، فكان هذا معروفًا عن الزبير رضي الله عنه، وهو أحد العشرة الذين بشرهم النبي عليه الصلاة والسلام بالجنة، وقال فيه : (لكل نبي حواري وحواريي الزبير بن العوام).

فتقول أسماء رضي الله عنها أنها كانت تذهب إلى هذه الأرض التي كانت على بعد ثلثي فرسخ، وتأتي بالنوى، وتدقه للفرس، وذات مرة وهي آتية من هذه الأرض تحمل النوى على رأسها، رآها النبي صلى الله عليه وسلم وكان يركب دابته ومعه نفر من أصحابه، قالت: (فأناخ النبي صلى الله عليه وسلم البعير ودعاني للركوب خلفه، قالت: فاستحييت، وذكرت الزبير وغيرته، فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم أنني استحييت مضى، فلما ذهبت إلى البيت ذكرت للزبير أن الرسول عليه الصلاة والسلام دعاها للركوب خلفه، فذكرت غيرته فلم تركب، فقال لها الزبير : لمشيك أشد علي من ركوبك خلفه)، فمن شدة غيرته تراعي هذه المرأة الصالحة هذا الأمر عند زوجها، والزوج كما يقول بعض العلماء: مفتاح الجنة بالنسبة للمرأة، أو أحد مفاتيحها؛ للحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـأسماء بنت يزيد : (أي هذه! أذات بعل أنت؟ قالت: نعم يا رسول الله! قال: كيف أنت له؟ قالت: ما آلوه -أي: لا أقصر في طاعته- قال: انظري أين أنت منه، فإنما هو جنتك ونارك)، فحق الزوج عظيم جدًا.

تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: (فنظرت إليه هل يكره أن أنتصر؟ فلما علمت أنه لا يكره أن أنتصر، قمت لها فأفحمتها، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (إنها ابنة أبي بكر)، وانتهى الإشكال، بل لا إشكال أصلًا، فانظر إلى حلمه عليه الصلاة والسلام، وكل نشوزٍ أو جل النشوز في البيوت سببه الرجل؛ لأنه لا يقوم بحق القوامة، ولو قام بحق القوامة لقل أن تنشز المرأة، وأنا لا أقول هذا الكلام من كيسي؛ بل أقول هذا الكلام بالبحث الميداني، وقد رأيته بعيني، فلا تنشز المرأة إلا بعدما يهدر الرجل قوامته أو بعضها أو يتسامح فيها.

فالمرأة ضعيفة وهي مجبولة على أن تأنس بالرجل، وقوتها في ضعفها، والذين أرادوا أن يحرروا المرأة أرادوا أن يحرروها من الزوج، وأرادوا أن تصير لها مواصفات الرجل، وهذا لا يمكن؛ إذ لا يمكن أن يعيش الرجل مع رجل في البيت أبدًا، فالمرأة قوتها في ضعفها، والرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي قال لنا ذلك، فقد قال: (ما رأيت أذهب للب الرجل الحازم منكن)، فلا يوجد أحد يستطيع أن يخدعك إلا المرأة، فقوتها في ضعفها. وأهم شيء عند المرأة أن تشعر بالدفء، وأول ما تبدأ تشعر بالبرودة، تبدأ تكبت وتخون زوجها مثلًا بالمال، فتسرق زوجها؛ لأنه ليس له أمان، وتكذب؛ لأن الرجل لا يقبل اعتذارًا، فالرجل هو الذي يعلمها الكذب، وهذا هو الإرهاب، لكن المرأة إذا أعطيتها الدفء تأخذ منها كل شيء، وتكون امرأة صالحة.

فهذه المرأة تقول: (زوجي كليل تهامة لا حر ولا قر).. أي: ليس نارًا على زيت حار، كلما يتكلم يتطاير الشر من عينيه، (ولاقر) أي: بارد ليس عنده إحساس أبدًا، وقلما يتحرك، فهو لا هكذا ولا هكذا.. (ولا مخافة): أي: لا تخاف أنها تقول أي شيء بحضرته؛ لأنه يعذرها دائمًا، كما كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يفعلن، فمثلًا: النبي صلى الله عليه وسلم يقول لـعائشة: (إني لأعرف غضبك من رضاك) مع أن رضاها أو سخطها لا يضره؛ بل رضاه وسخطه هو الذي يضرها أو ينفعها يقول: (إني لأعلم إن كنت عني راضية أو علي غضبى، فقالت: وكيف تعلم ذلك يا رسول الله؟ قال: إذا كنت عني راضية تقولين: لا ورب محمد، وإذا كنت علي غضبى تقولين: لا ورب إبراهيم)، مع ان المعنى واحد.

ومثل هذا فعل ابن عمر، فقد كان له جارة عجوز، فكان يقول لها: (خلقني خالق الكرام، وخلقك خالق اللئام)، فتبكي، مع أن خالق الكرام واللئام واحد وهو الله عز وجل.

فـعائشة رضي الله عنها تعترف وتقول: (نعم والله ما أهجر إلا اسمك)، فتعترف وهي آمنة، طالما أنها لم تأت معصية لله عز وجل، فهي آمنة، حتى لو ساء خلقها مثلًا على زوجها، والمرأة تحب هذا الطراز من الرجال الذي تعيش آمنة في كنفه.

 

خبر المرأة الخامسة

وقالت الخامسة: (زوجي إذا دخل فهِد، وإذا خرج أسد، ولا يسأل عما عهد). اختلف شراح الحديث هل قولها هذا خرج مخرج الذم أم خرج مخرج المدح؟ لكن الظاهر أنه خرج مخرج المدح، فقولها: (زوجي إذا دخل فهد) يقولون: من طبع الفهد -وهو الحيوان المعروف- أنه كثير النوم، فهي تصفه بالغفلة، والرجل الذي يزيد ذكاؤه عن الحد، والذي يتتبع كل صغيرة وكبيرة، رجل متعب جدًا، فلا بد من شيء من التغافل.

قيل لأعرابي: من العاقل؟ قال: (الفطن المتغافل). يعني: الذي يتجاهل بإرادته، وليس لازمًا أن يُعرفها أنه يعرف، ولكنه يتجاهل بإرادته؛ لأن هذا يضيع حلاوة التغافل.

فلابد للرجل -وإن كان سيدًا مطاعًا أو ملكًا متوجًا- أن يداري رعيته.. والمداراة من خلق المسلم الحاذق، وكم من مشاكل تحصل في البيوت بسبب أن الرجل لا يداري! مع أنه يمكن أن تمر هذه المشاكل بسلام لو أن الرجل تغافل قليلًا، وقد أوصانا الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا التغافل فقال: (إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإذا ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته ظل على عوجه، فاقبلوهن على عوج).

أي: أن المرأة فيها عوج، والمطلوب من الرجل أن يميل مع هذا العوج ولا يظل مستقيمًا دائمًا، وهذا معناه أن الرجل ينزل من مكان الرجولة إلى مستوى المرأة، والرسول عليه الصلاة والسلام أفضل من مشى على الأرض بقدميه، وأعبد من عبد لله عز وجل، ما نقص من هذه المكانة العظيمة شيئًا لما قال للصحابة يومًا: (تقدموا، ثم قال لـعائشة : تعالي أسابقك، قالت: فسابقته فسبقته، قالت: فتركني حتى نسيت، وحملت اللحم -أي: صارت سمينة- وفي غزوة من الغزوات قال لهم: تقدموا، ثم قال لها: تعالي أسابقك، قالت: فسابقته فسبقني، فجعل يضحك، ويقول: هذه بتلك)، فهذا الفعل ما نقص من قدره صلى الله عليه وسلم؛ بل زاد فيه.

فأنت إذا أردت أن ترفع مستوى المرأة حتى تصير مثلك؛ فكأنك تريد رجلًا آخر في البيت، وهذا لا يصلح؛ لأنك لا تستطيع أن تعيش مع رجل آخر، والمرأة لو كان فيها جدية وطبيعتها مثل الرجال فلن تستطيع أن تعيش معها أبدًا، فاللازم أنك تكون على مستوى المرأة، وتنزل من مكان الرجل إلى مستوى المرأة، وهذا النزول اسمه: المداراة، فمثلًا: رجل من طبع امرأته أنها لا تكاد ترضى، بل دائمًا تصفه بأنه لا يفهم، ولا يعرف شيئًا، والناس كلهم يخدعونه، فذهب واشترى حذاء مثلًا، والبائع أكرمه فعلًا. فتسأله: بكم اشتريته؟ فيقول: بأربعين جنيهًا، فتقول: لقد خدعك.. لو كنت أنا الذي أشتريه لاشتريته بعشرين جنيهًا فقط، فتكدر على الرجل هذه الهدية، بدلًا من أن تقول له: الله يبارك فيك، الله يحفظك، الله يوسع عليك، ونحن دائمًا نتعبك.. مع أنها لن تخسر شيئًا إذا قالت هذا الكلام.

والرجل إذا ذهب واشترى شيئًا وهو يعلم أن امرأته ستظل تقول له: لقد خدعوك، فإنه يتخلص ويقول لها: هذا هدية، وينهي الأمر بدلًا من أن يكدر حاله، فإذا كنت تعرف أن هذا الخلق موجود في المرأة، فلا داعي لأن تكدر الحياة؛ بل لا بد من المداراة؛ إذ هي خلق المسلم الحاذق، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يداري، وقد علمنا ذلك.

أما دليل المداراة: فهو حديث في الصحيحين أن عائشة رضي الله عنها قالت: استأذن رجل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (بئس أخو العشيرة)، فلما دخل الرجل، ألا الرسول عليه الصلاة والسلام له الكلام، واستقبله استقبالًا حافلًا، وأخذ الرجل حاجته ومضى، وعائشة رضي الله عنها ترى وتسمع الموقف، فقد قال له أولًا: (بئس أخو العشيرة)، وهذا ذم له، والآن يلين له الكلام، ويفرش له العباءة، فقالت: (يا رسول الله! قلت ما قلت وفعلت ما فعلت!) فقال عليه الصلاة والسلام: (إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من يتقى لفحشه)، أي: الذي تحترمه لأنه قليل الأدب، وتحترمه لأن لسانه شديد، فهذا شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة. فهذا الحديث أصل في المداراة، وهناك فرق واضح جدًا بينها وبين النفاق.

فهذه المرأة تمدح زوجها وتقول: (إذا دخل فهد)، فوصفته بالغفلة؛ لأن الفهد موصوف بالغفلة وكثرة النوم.

ثم أردفت تقول: ولا تظنوا أنه مغفل في وسط الرجال؛ بل (إذا خرج أسد) أي: كالأسد، فوصفته بأنه يتغافل عما يكون في البيت، لكنه إذا خرج فهو رجل في وسط الرجال.

عدم سؤال الرجل امرأته عن كل شيء

قالت: (ولا يسأل عما عهد)، فلا يأتي ويقول لها: أنا أعطيتك موزًا فأين ذهبتِ به؟ مثل ما يذكرون عن بعض البخلاء أنه كان كلما يحضر لحمًا كان يعد اللحم، فيأتي فيلقى اللحم ناقصًا ثلاث قطع أو أربع. فيسأل: أين باقي اللحم؟ فتقول له: أكلها القط، فيأتي بميزانه إذا خرج، فيزن اللحم، ويزن القط، وبعد ذلك يذهب لعمله ثم يأتي، فيجد ثلاث قطع قد ذهبت، فيحضر القط ويزنه فلا يجد شيئًا.. وهذا لا ينبغي؛ بل كن كريمًا، فربما كانت المرأة مثلًا تعطي بعض الشيء لأهلها، أو تتصدق، أو نحو ذلك، فلا تحرجها؛ بل وسع عليها، فالمرأة هذه تقول: (ولا يسأل عما عهد). وهذا من كرمه وإغضائه، إذًا: فهذه المرأة مدحت زوجها.

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#الحويني #حديث-أم-زرع
اقرأ أيضا
الهروب عن النص إليه | مرابط
فكر مقالات

الهروب عن النص إليه


إن أردت الظفر بالمعنى والحجة الأكثر حضورا لدى خصوم النص الشرعي في كافة قضاياهم التي يصادمون بها النصوص والأحكام الشرعية فهي - بجدارة - الحجة والبيان القائل: هي مخالفة لفهم معين للنص الشرعي وليست مخالفة لذات النص الشرعي وقد تصاغ بأشكال فنية مختلفة لكن مفعولها إنما يتحرك حين يستشعر أن ثمة تخطيا أو تعديا لنص شرعي ما

بقلم: فهد بن صالح العجلان
346
الاستغاثة بالأموات | مرابط
مقالات

الاستغاثة بالأموات


سؤال الميت والغائب نبيا كان أو غيره من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين لم يأمر الله به ولا رسوله ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا استحسنه أحد من أئمة المسلمين وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين المسلمين

بقلم: شيخ الإسلام ابن تيمية
69
حيثما كان العدل فثم شرع الله | مرابط
تعزيز اليقين فكر مقالات

حيثما كان العدل فثم شرع الله


وليس للمسلم أن يطرح حكم الشريعة طلبا للعدل استقلالا عنها فإن هذا فاسد من جهة الدين والذي يلزم المسلم بالاحتكام للشرع وليكن على ثقة أنه متى التزم حكم الشريعة فسيؤول به الأمر إلى تحقيق العدل وأنه متى خالفها فسيقع في مناقضة العدل إذ اطراح الحكم والحالة هذه اطراح للعدل أيضا

بقلم: عبد الله بن صالح العجيري وفهد بن صالح العجلان
1813
بين المتقدمين والمتأخرين | مرابط
اقتباسات وقطوف

بين المتقدمين والمتأخرين


وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين أنه أعلم ممن تقدم فمنهم من يظن في شخص أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة ومن بعدهم لكثرة بيانه ومقاله! ومنهم من يقول هو أعلم من الفقهاء المشهورين المتبوعين

بقلم: ابن رجب
62
عصر انتكاس الفطر | مرابط
النسوية الجندرية

عصر انتكاس الفطر


تخيل لو حقق قوم لوط تقدما تكنولوجيا كبيرا وحازوا العلوم الدنيوية كلها هل كان ذلك يشفع لهم عند الله؟ هل يمكن أن يوصفوا بأن حضارتهم أفضل وأكثر تقدما؟ قطعا لا! لن يمكنك أن تصفهم بهذا الوصف بعد أن غرقوا في ظلمات اللوطية وبعد أن انتكست فطرتهم وانقلبت رأسا على عقب فارتضوا اللواط..

بقلم: محمود خطاب
107
مدمنو البيانات | مرابط
ثقافة

مدمنو البيانات


شبكة الإنترنت خلقت نوعا جديدا من السلوك القهري يشتمل على الإفراط في تصفح الشبكة والبحث في قواعد المعلومات وهؤلاء الأفراد يبددون كمية غير مناسبة من الوقت في البحث وجمع وتنظيم المعلومات وهو ما يسمى بالإفراط في تحميل المعلومات

بقلم: إبراهيم السكران
166