مراجعات نقدية للخطاب المدني الديمقراطي ج2

مراجعات نقدية للخطاب المدني الديمقراطي ج2 | مرابط

تابع: أولويات الخطاب المدني الديمقراطي:

والحرية التي يتحدث عنها هذا الخطاب هي الحرية السياسية ولهذا يقرنها مع ضدها وهو الاستبداد، وبعض الإخوة من المتأثرين بهذا الخطاب الذين لا تزال للعقيدة مكانة عندهم يزعمون أنهم يقصدون بالحرية التحرر من رق المخلوقين وهذا عين التوحيد، ومع أن السائد في كتابات هذا الخطاب المعنى الأول إلاّ أن هذا الزعم لبعضهم يدل على الاضطراب في خطابهم، ولهذا نقول لإخواننا هؤلاء إذا كنتم تقصدون بالحرية عين التوحيد فلماذا لا تسمون الأمور بأسمائها الشرعية وتتكلمون بما تكلم به الله ورسوله وهو التوحيد؟ ولماذا لم تفكروا في سبب ترك الشرع للفظ الحرية والاستغناء عنه بالتوحيد؟ ثم إن الإشكال ليس هنا فحسب بل يتجاوزه إلى أن الحرية مفهوم عام يشمل ما يكون حقًا وباطلًا، ولا يتميز الإّ بنية القلب، وهذه النية القلبية - إذا كانت مخلصة لله تعالى - هي التوحيد، ولهذا استعمل الشرع لفظ التوحيد ولم يستعمل لفظ الحرية لهذا الغرض التعبدي الإيماني الذي هو مقصود الشرع.

وهذا الخطاب المدني يستند في إطلاق أولوية الحرية السياسية إلى أهمية الحرية وفوائدها، ومخاطر الاستبداد، وقد تقدم أن الكلام في الأهمية متفق عليه، ولكن الخلاف في الأولوية على العقيدة، وهو مالم يأتوا بدليل شرعي صحيح عليها، ولا يمكن لهم ذلك، لأنها مخالفة للإجماع، فلم يقل أي عالم معتبر بأولوية الحرية في اختيار الحاكم على العقيدة والتوحيد، كما لم يوجد من يقول بأن الاستبداد أكبر عند الله تعالى من الشرك والبدع.
 
ومن أكبر الأخطاء المنهجية لدى هذا الخطاب بعد دعوى أولوية الحرية على العقيدة هو أنه جعل الحرية - التي لها كل هذه القيمة على العقيدة - وسيلة إجرائية معينة في اختيار الحاكم وهي الديمقراطية، فقد زعم هذا الخطاب أن الحرية لا يمكن أن تتحقق إلا بالديمقراطية، وهو يقصد الديمقراطية كآليات إدارية إجرائية تتيح الحريات ويتم اختيار الحاكم فيها من الشعب، ومع أنني أختلف معهم في الديمقراطية كآليات تحقق الحرية ولكن محور نقدي ليس في هذه القضية بل يتجاوزها إلى اعتبار كلامهم هذا من المجازفة والتهور الغريب؛ إذ كيف يجوز أن تجعل وسيلة إجرائية - مهما كانت مهمة - ذات أولوية على العقيدة والتوحيد، يا سبحان الله أين ذهبت عقول هؤلاء الإخوة فضلًا عن ديانتهم؟!.
 
 إن أكبر ما يستدل به من أباح الديمقراطية عند من شم رائحة العلم الشرعي هو أن الشريعة الإسلامية تركت الوسائل الإجرائية في اختيار الحاكم للأمة، فهي عندهم من الامور الدنيوية وليست من الأمور الدينية، فهل يليق بالمسلم أن يجعل اختراعًا إداريًا دنيويًا مثل الأمور التي أمر الله تعالى بها، ورتب النجاة في الدنيا والآخرة عليها؟
 
لو كانت وسائل اختيار الحاكم لها هذه المنزلة العظيمة في دين الإسلام لما تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولبين أولويتها على التوحيد الذي هو أصل الدين وأساس الإسلام!!
 
إنني لا أقلل من أهمية الحرية ومخاطر الاستبداد ومشاكله الكبرى في الأمة لكن أن يجعل ذلك مبررًا لدعوى الأولوية على العقيدة، فهذا هو الانحراف الذي يجب نصح هؤلاء عنه.
 
إن هذه الحالة والمحنة التي يعيشها هذا الخطاب تشابه إلى درجة كبيرة حالة المتكلمين الذين عظموا العقل ( وأهمية العقل لا تخفى !! )كما عظم هؤلاء الحرية، ثم زعموا أن معرفة الله تعالى لا تحصل إلا بالنظر العقلي، ولا يتحقق النظر إلا بدليل حدوث الأجسام، تماما كما قال هذا الخطاب أن الحرية لا تتحقق إلا بالديمقراطية، فالمتكلمون جعلوا دليل حدوث الأجسام هو العقل الذي يعارضون به النصوص، والخطاب المدني جعل الديمقراطية هي الحرية يعارضون بها الشرع فيما يظنون انه يقيد الحرية، والطائفتان قدمت ما تعظمه على التوحيد، وجعلته أول واجب على المكلف.
 
إن الحرية وحدها لا تتضمن طاعة إلاّ إذا قصد الإنسان بها وجه الله تعالى، وهذا مفترق الطرق بين الخطاب المدني الدنيوي، والخطاب الديني التعبدي، وبدون هذا القصد فإنه لا يوجد فرق بين الشخصيات المسلمة وغير المسلمة، فشخصية ثائرة مثل غيفارا كان يشدوا الحرية، وكذلك ثوار الثورة الفرنسية ولكنها حرية مدنية ديمقراطية مشركة مهما حققت من المصالح الدنيوية، ولهذا ما لم يمحص هذا الخطاب منطلقه ويراجع مرجعيته وينفذها في الواقع ويستعمل المفاهيم والمصطلحات الشرعية فإنه سيظل سائرًا في طريق العلمنة مهما زعم أنه ذو مرجعية إسلامية، فالدعاوى لا بد لها من إثبات، وإثباتها يتبين من خلال الكلام التفصيلي، فبعض الحكومات العربية تدعي أنها ديمقراطية ولم يقبل هذا الخطاب دعواها.
 
لقد حوّل هذا الخطاب الحرية والمدنية من وسيلة لتحقيق المقاصد التعبدية إلى غاية في ذاتها، بل جعلوا لها الأولوية على العقيدة والتوحيد، ولهذا أصبح بعض الإخوة يهيم بالحرية أيًّا كان مقصدها وهدفها فتجد الإشادة والإعجاب والفرح بأحرار فرنسا وحركة التنوير فلا تفارقهم عبارات فولتير وغيره من ملاحدة الثورة الفرنسية، بل تجاوزوها إلى أقوال غيفارا والزعماء الشيوعيين، بل ربما يتمنى الموت في سبيل الحرية!!.
 
إن القارئ لكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم سوف يجد أن الغاية من الوجود الإنساني على الأرض هو التعبد لله بمعناه الشامل، وكل ما يتعلق بالبناء الدنيوي بكل أشكاله هو وسيلة لتحقيق هذه الغاية، ولهذا قارن الله تعالى بينهما في قوله: " يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون"، وتعظيم المدنية على حساب الدين لم يكن هذا الخطاب هو السابق له، فقد سبقت المدرسة العصرانية له من فترة طويلة، وأذكر أني قرأت لكاتب إسلامي يقول كيف يجوز أن نعتقد أن أديسون المخترع للكهرباء ونفع الإنسانية سوف يدخل النار لأنه لم يسلم، وفلاح مصري أحمق يدخل الجنة لأنه مسلم، فهذا الكاتب الإسلامي !! لم يدرك عقله ذلك لأن ميزان الأولويات في ذهنه مختل، وعلى كتب هؤلاء يعتمد بعض كتاب الخطاب المدني الديمقراطي.
 
إنني ناصح لهؤلاء الإخوة أن يراجعوا أفكارهم، وأن لا تنسيهم السكرة خطورة الفكرة، وأن يتجاوزوا المراهقة والاستفزاز، وأن يعلموا أن المحافظة على حقائق الدين أهم من أي مكاسب مظنونة فهي المكسب الأعلى، وأن يبحثوا المسائل بطريقة شرعية سليمة، واذا كانوا لا يمتلكون أدوات البحث الشرعي فإن السكوت خير لهم من النطق الآثم.
 
إنني أتعجب من هؤلاء الإخوة الذين يتكلمون عن النهضة وسننها الكونية ثم يمارسون دورًا سلبيًا في الساحة لن يحقق إلا الاستفزاز والصخب الذي يزول دون أي أثر نهضوي.
 
فما يقومون به من  استفزاز ونقد سلبي لن يوصل إلى نهضة أو حرية أو ديمقراطية بل يكرس التفرق والفوضى والمخالفة للأحكام الشرعية، والكلام في الدين بغير علم، ونحو ذلك من السلبيات.
 
الغريب حقًا أنهم يسعون إلى التقارب مع التيارات الفكرية الأخرى بحجة الوحدة الوطنية في الوقت الذي يكرسون التفرق والاختلاف مع المنهج السلفي الأقوى علما،ً ودعوة، وصدقًا بالأفكار المخالفة للشرع، والأساليب البعيدة عن روح النصح.

 


 

المصدر:

موقع الدرر السنية

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#الديمقراطية
اقرأ أيضا
من قصص المرأة الغربية | مرابط
تفريغات المرأة

من قصص المرأة الغربية


إن جولة واحدة في مجتمعات الانحلال تكفي لإدراك ذلة النساء للرجال فالمرأة هناك تشتغل حمالة حقائب في المطار وعاملة نظافة في الطريق ومنظفة حمام في الشركة وإن كانت جميلة اشتغلت في مرقص أو بار فهذا سكير يعربد بها وذاك فاجر يعبث بجسدها والثالث يتخذها سلعة يتكسب منها فإذا قضوا حاجتهم منها صفعوا وجهها أو ركلوها بأقدامهم وإذا كبرت ألقيت في دار العجزة التي هي أشبه بالسجون أو المقابر

بقلم: محمد العريفي
92
سحر النبي صلى الله عليه وسلم | مرابط
أباطيل وشبهات تعزيز اليقين مقالات

سحر النبي صلى الله عليه وسلم


تعرض النبي صلى الله عليه وسلم للسحر وهذا يلقي بظلال الشك على ما أتى به من أخبار إذ قد يكون بعض ما يقرأه على أنه من القرآن إنما هو من تأثير السحر وهذا يوجب الشك في كل القرآن وفي هذا المقال للدكتور منقذ محمود السقار رد على هذه الشبهة وتمحيص لها

بقلم: د منقذ محمود السقار
2002
أشراط الساعة رواية ودراية: الدرس الثاني ج1 | مرابط
تفريغات

أشراط الساعة رواية ودراية: الدرس الثاني ج1


ومسألة ذهاب الصالحين هي من أشراط الساعة التي يدخل فيها ذهاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبض العلم فإنه لا يمكن أن يوجد علم مع عدم وجود الصالحين الذين يقومون به وقبض الصالحين لازم لظهور الجهل وعدم العدل أيضا ومن الأصول ظهور الفتن في الناس ولازم ظهور الفتن ظهور الزنا وشرب الخمر والجهل والهرج وهو القتل وغير ذلك

بقلم: عبد العزيز الطريفي
286
الاحتجاج بزلل العلماء والفقهاء | مرابط
مناظرات اقتباسات وقطوف

الاحتجاج بزلل العلماء والفقهاء


لا ينبغي أن يقف المسلم عند زلة العالم ويحتج بها أو يعتقد فيها رخصة له ليفعل المثل أو يواجه النص الصحيح الثابت بها فهذا ما لا يقبله عقل بالطبع وكل العلماء وكل أهل العلم لهم زلاتهم ولو وقف الواحد منا عند كل ذلة لأنشأ لنفسه دينا جديدا بعيدا عما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم

بقلم: شيخ الإسلام ابن تيمية
1627
محور دعوة الرسل والمزاحمات المعاصرة الجزء الثاني | مرابط
تعزيز اليقين فكر مقالات

محور دعوة الرسل والمزاحمات المعاصرة الجزء الثاني


من أظهر الأمور الدينية: أن المهمة الأولى لدعوة الرسل والهدف المركزي فيها هو تعبيد الناس لله تعالى وغرس التعلق به في كل حياتهم كما قال تعالى:ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة النحل:36 فمقصد بعثة الرسل وأساس دعوتهم ومنتهى أعمالهم وغاية جهادهم وقطب الرحي في حياتهم والفكرة التي حولها يدندنون ومنها يقصدون وإليها يرجعون وفيها يبذلون هي: عبادة الله وحده وغرس فكرة العبودية في عقول الناس وقلوبهم وإنكار عبادة كل الأوثان

بقلم: سلطان العميري
1748
السياسة الرشيدة في الإسلام | مرابط
تعزيز اليقين فكر مقالات

السياسة الرشيدة في الإسلام


أتى على العالم حين من الدهر وهو يتخبط في جهل وشقاء ويتنفس من نار البغي الطاغية على أنحائه الصعداء حتى نهض صاحب الرسالة الأعظم - صلوات الله عليه- بعزم لا يحوم عليه كلال وهمة لا تقع إلا على أشرف غرض فأخذ يضع مكان الباطل حقا ويبذر في منابت الآراء السخيفة حكمة بالغة وما لبثت الأمم أن تقلدت آدابا أصفى من كواكب الجوزاء وتمتعت بسياسة يتجلى بها العدل في أحسن رواء وأرفع سناء

بقلم: محمد الخضر حسين
655