مش متدين لكنه طيب

مش متدين لكنه طيب | مرابط

الكاتب: د إياد قنيبي

1697 مشاهدة

تم النشر منذ سنة

 

من المفاهيم التي تحتاج تصحيحًا -وبشدة!:
 
(فلان أو فلانة مش متدين لكنه طيب، محترم، "جنتل"، مستقيم، مُتقن لعمله)..
 
وكأنَّ هذه الصفات كلها ليست جزءًا من التدين!
 
وهذا ناتج عن تصور "التَّدَيُّن" وكأنه محصور في شعائر معينة كالحجاب واللحية، واجتناب العلاقات غير المنضبطة بين الجنسين وما إلى ذلك.
 
والصحيح أن علينا أن نوسع دائرة التدين في حِسِّنا وتَصَوُّرنا لتشمل كل خُلق جميل وكل معنىً من المعاني السامية كالخيرية والطيبة وحسن التعامل ومعونة الناس وإتقان العمل.
 
ألم تسمع قول الله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يَعِظُكم لعلكم تذكَّرون}..
 
ورسولُنا صلى الله عليه وسلم وسَّع الدائرة في الحديث الذي صححه الألباني: مر على النبي رجلٌ فرأى أصحابُ النبي من جَلَده ونشاطه ما أعجبهم، فقالوا: (يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله)!
 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن كان خرج يسعى على ولده صغارًا فهو في سبيل الله، وإن خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج رياء وتفاخرًا فهو في سبيل الشيطان}.
 
لا شك أن المهم في هذا كله أن يكون الذي نتكلم عنه مسلمًا أو مسلمة، بحيث لم يفعل ما يحبط عمله أو يخرجه من دائرة الإسلام، المسلم الذي يعظم الله ويحب الله ورسوله ويُقر بأن المرجعية هي لشرع الله عز وجل، ويعترف لله بأخطائه وذنوبه ولا يبررها..

المسلم الذي يقوم بأركان الإسلام لا يهدمها، فهو أو هي يصلي ويصوم ويزكي وإن استطاع حجَّ، ولا يقلل من شأن هذه الأمور بدعوى أن المهم حسن التعامل مع الناس، بل هو معترف بحق رب الناس سبحانه وتعالى. هذا المسلم كل خُلق طيب لديه وكل عمل صالح يعمله هو "تَدَيُّن"، حتى وإن كان عاصيًا مذنبًا في جانب من الجوانب.

في المقابل، من العبارات الخطيرة: (فلان متدين لكنه جلف في التعامل مع والديه/مهمل لأبنائه/"عواطلي" أو اتكالي لا يسعى على رزق عياله/يستدين من الآخرين ولا يهتم بسداد الدَّين/حقود...إلخ). (فلانة متدينة لكنها تغتاب زميلاتها، تحسدهن، تعاملها سيئ...إلخ)..
 
وكأن هذه الذنوب لا تقدح في وصف "التدين"!  
 
كما أن كبائر الجوارح تقدح في "التدَيُّن" فكذلك كبائر القلوب تقدح في التدين، بل كثيرًا ما تكون أسوأ من كبائر الجوارح كما نص ابن القيم، رحمه الله... فكم من شخص يوصف بأنه "متدين" وعنده حسد/سوء ظن بالمسلمين/عُجب/كبر...
 
وكم من شخص لا يصنف –بالتعريف الضيق- ضمن دائرة المتدينين وعنده من خيرية القلب وسلامة الصدر وحسن الخلق ما يجعله يسبق "المتدين" في عرف الناس، ففي الحديث الصحيح قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ لَيبلّغُ العبدَ بحُسنِ خُلُقِه درجةَ الصومِ والصلاةِ».

ولا يُقصد به طبعًا أنه يكفيه حسن الخلق ولو هَدَم ركنين من أركان الإسلام (الصوم والصلاة)! بل فيه التأكيد على أهمية شمول حسن الخلق في دائرة الطاعة و"التدين".
 
حصر التدين في شعائر معينة خلل فكري كبير يكرس للعلمانية. وصحيح أن علينا الحذر من التهوين من شأن المعاصي وإجراء المقارنات التي لا معنى لها (فلانة متبرجة وأحسن من كثير من المتحجبات)..فهي مقارنات تُذكر في سياق التهوين من شأن هذه المعاصي.
 
لكن في الوقت ذاته، علينا الحذر من تضييق دائرة "التدين"...فكل خير يجب أن يكون مشمولًا فيها، وكل صفة سيئة فإنها تنتقص منها وإن تمسك المسلم أو المسلم ببعض شعائر الدين: قال الله تعالى {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ (47)}

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#إياد-قنيبي
اقرأ أيضا
طاعة المرأة: للزوج أم للوالدين | مرابط
المرأة

طاعة المرأة: للزوج أم للوالدين


وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية: عن امرأة تزوجت وخرجت عن حكم والديها. فأيهما أفضل: برها لوالديها أو مطاوعة زوجها؟

بقلم: شيخ الإسلام ابن تيمية
56
العقيدة الصحيحة وما يضادها من العقائد الفاسدة ج1 | مرابط
تفريغات

العقيدة الصحيحة وما يضادها من العقائد الفاسدة ج1


إنني لا أريد أن أحدثكم عن المرارة والأسى التي كانت تخيم على الذين لم يعرفوا هدي السماء من الفلاسفة والمفكرين ولكني أحدثكم عن الذين ينتسبون إلى الإسلام ولكنهم انحرفوا في مسارهم شيئا ما فلما شارفت شمس العمر على المغيب ناحوا على أنفسهم وأعلنوا للناس من حولهم أنهم لم يصلوا إلى اليقين الذي جروا وراءه طويلا

بقلم: عمر الأشقر
326
حقوق الأبناء على الآباء والأمهات | مرابط
تفريغات

حقوق الأبناء على الآباء والأمهات


فإذا اختارت الأم بعلها واختار الزوج زوجته فإن الله سائلهما فأول حقوق الولد عليك -أيها الأب-: أن تحسن الاختيار لأمه فكم من أم نشأت وربت وأصلحت لما أحسن البعل اختيارها وكم من أم أفسدت وأشقت وأضلت حينما أساء الزوج اختيارها فالله الله في اختيار الأزواج والزوجات إن اختيار الآباء والأمهات مسئولية عظيمة على الأزواج والزوجات فليتق العبد بارئه وليعلم أنه ملاقيه وسائله عن اختياره لزوجه وولده

بقلم: محمد مختار الشنقيطي
102
من آداب الإسلام: إكرام الجار | مرابط
اقتباسات وقطوف

من آداب الإسلام: إكرام الجار


مقتطفات من كتاب جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم للإمام زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين الشهير بابن رجب رحمه الله وهو من أشهر وأبرز المؤلفات الجامعة لأصول وكليات الدين

بقلم: ابن رجب الحنبلي
106
كيف نقرأ القرآن؟ | مرابط
تعزيز اليقين تفريغات

كيف نقرأ القرآن؟


كيف نستطيع أن نبحث عن المعنى في كل آية نقرأها في كتاب الله وأنا أقرأ أحاول أن أفهم ماذا يريد الله مني في هذه الآية لأتفكر وأتدبر وأعمل بما يريده الله عز وجل كيف أستطيع البحث عن هذا المعنى؟ هذا ما يجيب عنه الدكتور أيمن السويد في هذا المقطع القصير.

بقلم: د. أيمن السويد
139
أدلة الكتاب والسنة على عموم رسالته صلى الله عليه وسلم | مرابط
اقتباسات وقطوف

أدلة الكتاب والسنة على عموم رسالته صلى الله عليه وسلم


وفي القرآن من دعوة أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن دعوة المشركين وعباد الأوثان وجميع الإنس والجن ما لا يحصى إلا بكلفة وهذا كله معلوم بالاضطرار من دين الإسلام فكيف يقال: إنه لم يذكر أنه بعث إلا إلى العرب خاصة وهذه دعوته ورسله وجهاده لليهود والنصارى والمجوس بعد المشركين وهذه سيرته صلى الله عليه وسلم فيهم

بقلم: شيخ الإسلام ابن تيمية
243