من يملك حق التفسير

من يملك حق التفسير | مرابط

الكاتب: عبد الله بن صالح العجيري

2705 مشاهدة

تم النشر منذ سنتين

انطلاقا من قسمة ابن عباس لطبيعة التفسير القرآني "التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله"، فثمة مجال تفسيري يجب أن لا يتحدث فيه إلا ذوو الاختصاص من أهل العلم، وذلك لاختصاصهم بجملة من المعارف والعلوم تؤهلهم لمثل هذا النظر الشرعي في القرآن الكريم.

 

التخصص والتقليد

 

وهذه بدهية عقلية وشرعية، بأن للمختص امتيازا في مجاله العلمي عن غيره، وعليه فمنازعة أهل العلم قراءتهم للنص الشرعي في هذا المجال التفسيري لا شك خطأ، ثم ترتيب نتائج على مثل هذه المنازعة خطأ وضلال مركب، بل الواجب على من كان جاهلا سؤال العالم "فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" بدل الوقوع في مصيبة "وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ" والعلم نقطة كثرها الجاهلون، ولو سكت من لا يعلم لسقط الخلاف.
 
ومن المغالطة بل من الجهل المركب أن يقال: إن التخصص مطلوب في العلوم التطبيقية، دون العلوم الشرعية، بحجة أن الدين مكلف به كل مسلم والتكليف يستلزم العلم؟
 
هذا الكلام يشهد على صاحبه بأنه غير متخصص إطلاقا، وأنه عاجز تماما عن التصور الصحيح لمسائل العلم؛ ذلك لأن التكليف وإن كان يشترط له العلم، إلا أن الله لم يكلف الخلق كلهم أن يكونوا علمهم تفصيليا مبنيا على نظر في الأدلة وموازنة بين الأقوال والخلافات، ولو كلف الله الخلق كلهم بذلك لكلفهم فوق ما يطيقون.
 
فالمسلم ليس بالضرورة أن يكون متخصصًا حتى يقيم عباداته وتكاليفه، إذ قد جعل الله للناس مخرجًا "فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" وسؤال الناس للعالم فيما أشكل عليهم، مما تبرأ به ذممهم، ولم يكلفهم الله أكثر من ذلك، ومن ظن أن التكليف يستلزم العلم المفصل فقد أبعد النجعة وأطال الهجعة.

 

ذم التقليد

 
ومن الخلط هنا استجلاب كلام الأئمة في ذم التقليد وأنه لا يجوز إلا للضرورة كي ينقض بها مسألة التخصص؟
 
فهل معنى كلامهم أن على الجميع التوصل للحكم التفصيلي بالاجتهاد الشخصي، المبني على النظر في الأدلة والموازنة بينها والترجيح بين الأقوال؟ لو صح هذا الكلام لكان على جميع المسلمين أن يدعو علومهم الآخرى وشؤونهم الدنيوية، ويقلبوا على تعلم (الفقه، والأصول، واللغة، والعقائد والتفسير وسائر علوم الشريعة)، ولكان طلب العلم الشرعي بجميع صوره وأشكاله واجبا متعينا على كل أحد لا يجوز تركه إلا في حالات الضرورة المشابهة لأكل الميتة، وهو ما لا يمكن أن يقول به أحد.
 
أهل العلم حين يتحدثون عن ذم التقليد وإباحته حال الضرورة، إنما يعنون بذلك أهل العلم المتخصص الذي آتاهم الله العلم، ومع ذلك يصرون على تقليد علماء آخرين متخصصين مثلهم، كالأئمة الأربعة ونحوهم.
 
فمثل هؤلاء قعلهم فاسد ظاهر الفساد؛ ﻷن التقليد لا يشرع للعالم الذي يقوى على الاجتهاد، إذ عنده آلة العلم والفهم ما يؤهله للنظر واستنباط الأحكام، فليس له أن ينصرف عن علمه تقليدا لعلم آخر. أما عموم الناس، فإن التقليد مباح لهم كشرب الماء، وليس عليهم فيه أدنى حرج، ومن قال إن التقليد بالنسبة لجميع الخلق لا يجوز إلا للضرورة؛ فقد شق على المسلمين وكلفهم ما لا يطيقون.
 
وبكل حال فالخروج عن تفسير أهل العلم للقرآن موقع للإنسان في الخطأ ولا شك، وكم أتألم حين أجد متحدثا في هذه المسائل يريد أن يقرر حقه في الاستقلال بتفسير القرآن وأنه رجل في هذا الباب كما الأئمة رجال، ثم إذا سألته عن معنى شيء من غريب قصار المفصل احتار وعجز، فما أبعد هذا الصنف عن إصابة الحق.

 


 

المصدر:

  1. عبد الله بن صالح العجيري، ينبوع الغواية الفكرية، ص212
تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.
اقرأ أيضا
وضع الحجاب في الأندلس بعد الاستعمار | مرابط
تاريخ تفريغات المرأة

وضع الحجاب في الأندلس بعد الاستعمار


حظر اللباس الموريسكي الموريسكيون هم المسلمين الذين دخلوا في المسيحية حظر اللباس الموريسكي على الرجال والنساء وإلزام النساء بالإضافة إلى ذلك بكشف الوجه -لأنهن كن قد غطين الوجوه- في الزفاف وفي كل أنواع الاحتفالات تمنع رقصة السمرة وإقامة الليالي أي: تقوم الليالي بمصاحبة الآلات الغنائية ويجب أن تضل أبواب البيوت مفتوحة وتمنع النساء من التخضيب بالحناء ويحظر استعمال الأسماء والألقاب الإسلامية

بقلم: عبد العزيز الطريفي
283
الزيادة على القروض | مرابط
مقالات

الزيادة على القروض


كل زيادة على قرض فهي ربا حتى لو كانت هدية وقد بينا أن الهدية من الربا لما فيه من نفع للمقرض وكذا لما فيه من تودد لا ينبغي لأن القرض الغرض منه الإحسان فمن كان لا يهدي له صحابه قبل القرض ثم صار يهدي له فهذا ظاهر فيما ذكرنا.

بقلم: قاسم اكحيلات
336
المذاهب والفرق المعاصرة: القدرية ج2 | مرابط
تفريغات

المذاهب والفرق المعاصرة: القدرية ج2


أهل السنة والجماعة يؤمنون بالقدر إيمانا كاملا مفصلا وعقيدتهم في الإيمان بالقدر عقيدة واضحة وبينة وهم ينهون ويأمرون بالإمساك عن مسائل القدر إذا كان الخوض فيها بغير منهاج الشرع فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم والناس يتكلمون في القدر قال: فكأنما تفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب وقال: ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض بهذا هلك من كان قبلكم وهذا حديث صحيح رواه الإمام أحمد في المسند بإسناد صحيح

بقلم: عبد الرحيم السلمي
365
لماذا نحب الرسول الجزء الثالث | مرابط
تفريغات

لماذا نحب الرسول الجزء الثالث


آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهبت هذه الآثار كانت عندما كان الرسول صلى الله عليه وسلم حيا أو ما بقي منها مع الصحابة بعد موته لكن الآن آثاره صلى الله عليه وسلم فقدت ويصعب نسبتها إليه عليه السلام أي: بعض الناس يقولون: في تركيا هناك شعرة وسيف لكن ليس بمؤكد نسبتها له صلى الله عليه وسلم فلذلك لا يجوز التبرك بشيء منها بعد موته مادمنا غير متأكدين من أنها له عليه الصلاة والسلام

بقلم: محمد المنجد
659
ارتباط أعمال القلوب وأعمال الجوارح | مرابط
اقتباسات وقطوف

ارتباط أعمال القلوب وأعمال الجوارح


ومن تأمل الشريعة في مصادرها ومواردها علم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب وأنها لا تنفع بدونها وأن أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح وهل يميز المؤمن عن المنافق إلا بما في قلب كل واحد منهما من الأعمال التي ميزت بينهما وهل يمكن أحد الدخول في الإسلام إلا بعمل قلبه قبل جوارحه وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم فهي واجبة في كل وقت ولهذا كان الإيمان واجب القلب على الدوام والإسلام واجب الجوارح في بعض الأحيان فمركب الإيمان القلب ومركب الإسلام الجوارح فهذه كلمات مختصرة في...

بقلم: ابن القيم
238
التربية وضياع الأبناء | مرابط
تفريغات

التربية وضياع الأبناء


جاءني أحد الآباء يبكي بدموع حارة وقد مات ابنه ويريد أن يعرف: هل تسبب هو في ضياعه قال: كان ابني من الصالحين من الذين يحافظون على الصلوات ويحفظون القرآن وفجأة بدأت أحواله تتغير وبدأ يكثر السهر وبدأ يلازم الشارع أكثر من لزومه للبيت وبدأت طباعه تتغير والطيور على أشكالها تقع فلا تصحب أخا الفسق وإياك وإياه فكم فاسقا أردى مطيعا حين آخاه

بقلم: خالد الراشد
347