نظرة الإسلام للثقة بالنفس

نظرة الإسلام للثقة بالنفس | مرابط

الكاتب: عبد الرحمن بن ناصر البراك

369 مشاهدة

تم النشر منذ سنتين

السؤال: سمعتُ بعض المنتسبين إلى العلم يقول: إنَّ لفظ "الثقة بالنفس" لا يجوز، وعلَّلوا ذلك بأن على المرء أن يثق بالله في كل شؤونه لا بنفسه؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الدعاء: «ولا تكلني لنفسي طرفة عين»،[1] ويتناولُ علمُ النفس وبعضُ المختصين فيه من المسلمين هذا اللفظ "الثقة بالنفس" على أنه ضرورة ملحَّة لكل مسلم؛ إذ إن القدر المعقول من الثقة بالنفس غير المؤدية للغرور والتكبر، تمكِّن الإنسان مِن التقدُّم في الحياة، وتحمِّل الأمانة، وقول الحق، والصبر والدعوة والأمر بالمعروف؛ فإن الإنسان الذي لا يثق بقدرته وعلمه وإمكاناته، لن يستطيع تحمل أعباء الحياة، حتى التكاليف الشرعية في حدها الأدنى، فإنه سيعجز عنها، وقالوا: إن الثقة بالنفس لا تنافي الثقة بالله، بل تخرج عنها لأنها من قبيل قولنا: إن لكل إنسان مشيئة خاصة لا تخرج عن مشيئة الله العامة. فلعكم تعطون الجواب في ذلك وافيًا، بارك الله حياتكم وعلمكم.
 
الجواب: الحمدُ لله، وصلَّى الله وسلَّم على محمَّد، أما بعد:

فعبارة "الثِّقة بالنفس" تأتي في كلام الناس على وجهين:

أحدهما: أن يُراد بها الاعتماد على الحول والقوة وما أوتيه الإنسان من قُدَرٍ عقليَّة وبدنيَّة، وأنَّه بما أُوتي من ذلك يصل إلى مطالبه غافلًا عن ربِّه الذي لا يكون شيءٌ في هذا الكون إلا ما شاءه سبحانه؛ فالثِّقة بالنفس من هذا الوجه هي من قَبيل الاعتماد على الأسباب، وهذا نوعٌ من الشرك، وهو مناقضٌ لما يجب من التَّوكِّل على الله، فهذا هو الوجه المذموم الذي يجب النهي عنه، فلا يجوز إطلاق هذه العبارة مرادًا بها هذا المعنى.[2]

الوجه الثاني: الثِّقة بالنفس، بمعنى الشُّعور بما أنعم الله على العبد من قُدَرٍ ومواهبَ تمكِّنه من الوصول إلى مطالبه، مستحضرًا فضل الله عليه، فهو بذلك لا يحتقر نفسه عن المطالب العالية، خلاف من يشعر بالنقص والعجز؛ فإنه لا يُقدِم في مواضع الإقدام، لأنه غيرُ واثقٍ بقدرته على هذا المطلوب، فتصغرُ همَّته، ويغلبُ عليه الجبن، أمَّا الواثق بنفسه شعورًا بما وهبه الله فإنه شجاعٌ مِقدامٌ طموحٌ إلى المراتب العليا، وهمَّتُه عالية؛ فنفسه بذلك كبيرة يصدق عليه قول الشاعر:
وإذا كانتِ النفوسُ كبـارًا       تعبتْ في مـرادِها الأجســـامُ[3]

ويدخل في هذا الوجه من معنى الثِّقة بالنَّفس: استغناءُ الإنسان عن الناس، بعدم الالتفات إليهم للوصول إلى مطالبه، متوكِّلا على ربِّه مفتقرًا إليه جلَّ وعلا؛ فهذا الوجه من الثِّقة بالنفس من أنواع الكمالات الإنسانيَّة، وهو الذي يتعلق به المدح؛ لأنه يجمع بين التَّوكِّل على الله وحده وفعل الأسباب؛ فإطلاق العبارة بهذا المعنى لا بأس به، وهذا هو الصراط المستقيم في هذا المقام، والله هو الهادي من يشاء إلى صراط مستقيم. والله أعلم.[4]
 


 

المراجع:

  1. أخرجه النسائي في الكبرى (10330)، والحاكم -ط الحرمين-(2052) عن أنس بن مالك رضي الله عنه وقال الحاكم: " " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه"، وحسنه الألباني في الصحيحة (227). وأخرجه أحمد (20430)، والبخاري في الأدب المفرد (701)، وأبو داود (5090)، عن أبي بكرة رضي الله عنه وصححه ابن حبان (970)، وحسنه الألباني في تخريج الكلم الطيب (رقم 121).
  2. ينظر: فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم (1/170 رقم 87).
  3. ديوان المتنبي -ت عزام- (ص289).
  4. ينظر توجيه بنحوه للشيخ ابن عثيمين في: فتاوى إسلامية- جمع وترتيب محمد المسند- (4/480).
تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#الثقة-بالنفس
اقرأ أيضا
إن الحلال بين وإن الحرام بين | مرابط
اقتباسات وقطوف

إن الحلال بين وإن الحرام بين


قد يقع الاشتباه في الحلال والحرام بالنسبة إلى العلماء وغيرهم من وجه آخر وهو أن من الأشياء ما يعلم سبب حله وهو الملك المتيقن. ومنه ما يعلم سبب تحريمه وهو ثبوت ملك الغير عليه. فالأول لا تزول إباحته إلا بيقين زوال الملك عنه اللهم إلا في الأبضاع عند من يوقع الطلاق بالشك فيه كمالك أو إذا غلب على الظن وقوعه كإسحاق بن راهويه. والثاني: لا يزول تحريمه إلا بيقين العلم بانتقال الملك فيه.

بقلم: ابن رجب
284
اللغة العربية ودعوات العامية | مرابط
لسانيات

اللغة العربية ودعوات العامية


إذن اللغة العربية هي لغة متخطية للحدود التاريخية والجغرافية والقومية بل والحدود الزمكانية إن صح التعبير فهي لغة كلام الله المنزه المنزل من فوق سبع سموات وهي لغة أهل الجنة.. فكيف لا تكون الحرب عليها بهذه الضراوة؟! بكلتا النقطتين يتبين لنا ملمح مهم من ملامح الإعجاز القرآني بخلاف الإعجاز اللغوي والعلمي والتشريعي وما إلى ذلك.. ألا وهو صيانة هذه الأمة والحفاظ على وحدتها ووجودها إلى قيام الساعة..

بقلم: عمرو كامل
368
حقوق المال في الإسلام | مرابط
تعزيز اليقين مقالات

حقوق المال في الإسلام


وضح لنا ديننا الواجبات المالية توضيحا تاما مجملا ومفصلا فأمرنا بأداء الحقوق المالية والإنفاق مما رزق الله وأثنى على القائمين بها وذم المانعين لها أو لبعضها وفصل ذلك فذكر الأموال التي تجب فيها الزكاة من الحبوب والثمار والمواشي والعروض والنقود وذكر شروطها ونصبها ومقدار الواجب منها ولمن تدفع للمصالح المحتاج إليها وللمحتاجين

بقلم: عبد الرحمن بن ناصر السعدي
1123
حارب إعلامهم بابتسامتك | مرابط
فكر

حارب إعلامهم بابتسامتك


زرت بيت جدي فكان يتابع مسلسلا يظهر مجموعة من الملتحين بمظهر منفر يتحدثون بالفصحى بتشدق تابعت 15 دقيقة من المسلسل فلما خرجت إلى الشارع أصبحت إن رأيت ملتحيا كرهته لا شعوريا هذا مع أني ملتح ولم أتابع إلا 15 دقيقة فكيف بمن يعيشون مع هذه المسلسلات

بقلم: د إياد قنيبي
603
احتساب السلف لأعمارهم وجهدهم في طلب العلم | مرابط
تفريغات

احتساب السلف لأعمارهم وجهدهم في طلب العلم


إن أشرف ما يستثمر باتفاق العقلاء هو الوقت لأن الوقت هو العمر وبمقدار ما يستثمر المرء هذا الوقت بمقدار ما تكون له المكانة في الدار الآخرة لأن حياته في الآخرة إنما هي باستثماره لعمره فإذا ضيعه خسر هناك وإذا استثمره حق استثماره ربح ولا أفضل ولا أجود من ضرب المثال في استثمار الوقت بحياة العلماء لأنهم هم الذين عرفوا شرف هذا العمر فلذلك نضرب المثل بهم فهم القدوة وهم الذين نأخذ عنهم الفتوى

بقلم: أبو إسحق الحويني
582
منهج السلف في إثبات أسماء الله وصفاته ج1 | مرابط
تفريغات

منهج السلف في إثبات أسماء الله وصفاته ج1


لقد كان الصحابة يثبتون لله الأسماء والصفات كما أثبتها القرآن والسنة ولذلك نحن نقول: كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة وبين يديكم تفريغ لمحاضرة هامة للشيخ أبو إسحق الحويني يقف فيها على مسألة الأسماء والصفات وعقيدة السلف في ذلك

بقلم: أبو إسحق الحويني
622