هلوع جزوع منوع.. هكذا وصف الإنسان في القرآن

هلوع جزوع منوع.. هكذا وصف الإنسان في القرآن | مرابط

الكاتب: محمد علي يوسف

22 مشاهدة

تم النشر منذ أسبوع

هلوع جزوع منوع
هكذا وُصف الإنسان في القرآن..

تلك الصفات تبدو مطلقة عامة في مفتتح ذكرها بسورة المعارج “إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا” هي أيضا صفات أصيلة متجذرة في خلق الإنسان الأجوف الذي لا يتمالك كما وُصفه النبي ﷺ 

ذلك الخلق الأجوف يحوي بداخله فراغا يسعى دوما لملئه بأي سبيل لأجل ذلك الفراغ يجمع ويمنع ويسعى ويلهث وإذا استشعر ما يحول بينه وبين ما يملأ جوفه فإنه يهلع ويجزع

هكذا خُلق بعموم وشمل.. لكن ثمة استثناءات، وثمة بشر يمكن وصفهم بأنهم استثنائيون.. بشر تمكنوا بفضل الله ورحمته من مواجهة تلك الصفات المذمومة وأحسنوا التعامل معها وامتلأ فراغ نفوسهم بأشياء أخرى

أهم هذه الأشياء الصلاة: وذلك هو أصل الاستثناء "إِلَّا ٱلۡمُصَلِّینَ" هكذا اختار الله لهم تلك الصفة لتكون علما عليهم؛ إنهم أولئك الذين اتصلوا بمعارج الطاعة وتعلقت قلوبهم بتلك العبادة التي هي منبع الراحة "أرحنا بها يا بلال" 

النبي ﷺ يلخص بتلك الجملة هذه الحالة التي لا يعرفها إلا من ذاقها.. أن يمتلىء فراغ الروح بلذة الاتصال بالمولى وأن يرتوي خواء الفؤاء بنبع الذكر وأن تخضر صحاري النفس بواحات المناجاة أثناء الصلاة.. أن يأمن الهلوع ويطمئن الجزوع ويهدأ طمع المنوع لينفق نفقة الواثق الذي لا يخشى الفقر

ببساطة لأنه اتصل وارتاح.. عندئذ تفهم لماذا كان حبيبك ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، ولذلك افتتحت صفات الاستثنائيين بالصلاة وبها اختتمت. لكن لا شك أن منا مصلين ورغم ذلك لم يزل خواء النفوس ظاهرا ولم تزل علامات الهلع والجزع والمنع جلية لا تخطئها عين

كل ذلك حقيقي ملموس وإجابته يسيرة؛ الصلاة رحلة ديمومة وحفاظ وارتقاء “الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ”، “وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ” هي إذا ليست مجرد حركات تؤدى وتلقى ليستراح منها ويؤدى الواجب والسلام

كلا.. 
ليست هذه هي الصلة التي تروي وتكفي، الصلاة المقصودة كمًا وكيفا = شيء آخر.. استثناء المصلين من الهلع والجزع عند وقوع الشر والمنع عند ملاقاة الخير ليس مطلقا كما يبدو

هناك شروط أخرى بعضها متعلق بالصلاة نفسها كمًا وكيفا وبعضها متعلق بما تنشئه الصلاة من سلوك ومشاعر. الاستثناء هو العنوان والمصلون هو اللقب المعلن الذي يزينهم 
لكن أي مصلين؟! إنهم المداومون ابتداءً المحافظون انتهاءً؛ أولئك الذين ارتبطوا بالصلاة حتى صارت صفتهم الملازمة وديدنهم الذي صار علما عليهم.

ليسوا إذًا أصحاب الصلوات الموسمية أو الذين ينتظرون مناسبة لينفضوا تكاسلهم ويقوموا إليها كسالى ينقرونها كنقر الديكة لا يذكرون الله إلا قليلا، ولا أولئك الذين يستريحون منها لا بها ويعاملونها  معاملة الواجب الدوري الثقيل.. وبين المداومة عليها وحفظ شروطها وأركانها تنشأ الصفات والسلوكيات والمشاعر التي تنفي عنهم الهلع والجزع والشح رويدا رويدا 

اتصالهم بالله يغرس يقينا في الرزق يجعل المال في أيديهم وليس في قلوبهم فينفقونه نفقة من لا يخشى الفقر عن طيب خاطر وسماحة نفس بل ويرونه حقا لإخوانهم سائلين كانوا أو محرومين "وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ" 

ثم إن اتصالهم الدائم بربهم أنبت خشية ممزوجة بمعرفة راسخة لم تجعلهم يركنوا لطاعتهم أو يأمنوا عذابه اعتمادا على تقربهم بل زادتهم خوفا ووجلا ألا يُتقبل منهم وصار هم الآخرة والإشفاق منها علامة أخرى عليهم "وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ"

هذا الهم والإشفاق أورثهم التقوى فكانت صلاتهم ناهية عن الفحشاء والمنكر فلم يستسلموا لشهوات جبلوا على أصلها وجهها الشرع إلى سبل شرعية اكتفوا بها وأعفوا أنفسهم عما دونها "وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ"

أما أصحابنا هؤلاء فليسوا من العادين.. نهتهم صلاتهم وصلتهم بالله العظيم أن يكون من المعتدين المبتغين لما لا يحق لهم
وإن كان ذلك دأبهم في شأن النساء فإنه كذلك في سائر الأشياء. إنهم قوم أهل أمانة وحسن عهد لا تسيل الأموال لعاب أطماعهم ولا تسول لهم الخيرات التي يأتمنهم عليها غيرهم أن يخونوا أو يغدروا "وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ" 

حتى إذا نُزعت الأمانة في أزمانهم كانوا هم الرجل الذي يقال عنه: في بني فلان رجل أمين، وليست فقط أمانات مادية تلك التي يرعونها.. في أمانة القول والشهادة أيضا لهم باع فلا يشهدون الزور أبدا بل يقيمون الشهادة ولا يكتمونها كذلك الآثم قلبه ولو على أنفسهم أو الوالدين والأقربين فهم ممن قال الله فيهم “وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ”

كل ذلك ليس مستغربا عليهم فهم الذين كانت الصلة بينهم وبين ربهم زادا يغنيهم عن كل تلك الرزايا التي ابتلي بها غيرهم.. كانت الصلاة زادهم ونبعا صافيا ارتوت منه أنفسهم فزال عنها الهلع والجزع والشح الذي حال بين كثير من الخلق وبين تلك الصفات التي وُفقوا إليها

ومن هنا جاء الاستثناء "إلا المصلين" 
ومن بعده جاء التكريم
في الجنة “أُولَٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ”

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#تدبر #سورة-المعارج
اقرأ أيضا
أساطير العهد القديم | مرابط
فكر مقالات

أساطير العهد القديم


يشتمل هذا المقال على مجموعة من الأخبار عن عدد بنى إسرائيل حين دخلوا مصر وحين خرجوا منها ويقف المؤلف على قدر من التزوير والتلفيق الموجود في التوراة هنا سنرى أساطير العهد القديم كما وردت في الكتاب وكيف تخالف أخبارهم بدائه العقول

بقلم: محمد الغزالي
411
شروط لا إله إلا الله | مرابط
تعزيز اليقين إنفوجرافيك

شروط لا إله إلا الله


روى البخاري عن وهب بن منبه أنه قيل له: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله قال: بلى ولكن ليس من مفتاح إلا وله أسنان فإن أتيت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح وبين يديكم إنفوجرافيك يوضح لنا شروط لا إله إلا الله والتي هي بمثابة أسنان هذا المفتاح الذي به نرجو أن يفتح الله لنا بابا من أبواب الجنة

بقلم: حافظ بن أحمد الحكمي
896
مختصر قصة التتار الجزء الثالث | مرابط
تاريخ أبحاث

مختصر قصة التتار الجزء الثالث


سلسلة مقالات مختصرة تضع أمامنا قصة التتار وكيف بدأت هجماتهم على بلاد المسلمين وكيف تغيرت الأوضاع في بلادنا الإسلامية إثر هذه الهجمات فانهار المدن وانفتحت البوابات وظهرت شخصيات قيادية وقفت في وجه هذا الإعصار التتري الرهيب سنقف على الكثير من الفوائد والعبر والمواقف الفارقة وسنعرف تاريخ أمتنا وما مرت به من محن فالمستقبل لا يصنعه من يجهل الماضي

بقلم: موقع قصة الإسلام
835
النسوية.. أخطر فكرة هدامة على الأمة الإسلامية | مرابط
النسوية

النسوية.. أخطر فكرة هدامة على الأمة الإسلامية


بعض الناس استغرب كوني اعتبرت النسوية أخطر فكرة هدامة تهدد الأمة الإسلامية اليوم! وأنها أخطر بمراحل حتى من الإلحاد.. الإلحاد يدمر فردا أما النسوية فهي تدمر أمة.

بقلم: د. هيثم طلعت
85
شبهة: اختلاط الرجال والنساء أثناء الوضوء في زمن الرسول | مرابط
أباطيل وشبهات

شبهة: اختلاط الرجال والنساء أثناء الوضوء في زمن الرسول


وأما الاحتجاج بحديث: كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعا..فلا أدري كيف يفهم منه الاختلاط فكيف يقول النبي عن الصلاة: اخير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها.. وهو قد جمعهم قبل الصلاة يتوضؤون جميعا ثم يفرقهم وقت الصلاة ولا ريب أن من فهم هذا الفهم أساء بالنبي فهما وتشريعا والمقصود به غير هذا المعنى.

بقلم: عبد العزيز الطريفي
40
العلاج بالطاقة جاهلية جديدة | مرابط
فكر

العلاج بالطاقة جاهلية جديدة


حاول جهال عصرنا التلبيس على الناس وإضفاء صفات شرعية على العلاج بالطاقة من خلال إطلاق مصطلحات إسلامية مثل: نور الله والبركة حتى جعلوا هذه الطقوس الوثنية لتساعد الناس -زعما- في حفظ القرآن من خلال التنفس العميق وهو عقيدة هندوسية معرفة تقوم على إدخال البرانا إلى داخل الجسم الباطن للتناغم مع الطاقة الكونية.

بقلم: قاسم اكحيلات
75