ينابيع النزعة الدينية في النفس البشرية

ينابيع النزعة الدينية في النفس البشرية | مرابط

الكاتب: محمد عبد الله دراز

1750 مشاهدة

تم النشر منذ سنة

(١) نزعة التدين امتداد لقوى النفس الثلاث

 

ما هذه إِذن تلك القوة الغلابة، التي لا تزيدها المقاومة إِلا عنفًا واشتعالًا، والتي تَقهر في النهاية أنصارها وأعداءها على السواء؟ أليست هي قوة الفطرة التي إِن تورق وتثمر كلما عاودها الربيع فبلل ثراها وسقى أصولها؟ بلى! وإِن هذا الربيع قد تكفي منه قطرةٌ، وربما تبلور في نظرة، فما هي إِلا طُرفة من تأمل الفكر، أو لحظة من يقظة الوجدان، أو أزمة من صدمات العزم.. فإِذا أنت تسبح بخيالك في عالم الغيب الذي منه خرجت، أو في عالم الغيب الذي إِليه تصير.

 

(١-١) قوة الفكر في التطلع إِلى الأسباب الأولى

 

لو كانت نزعة الإِيمان بالغيب والتطلُّع إِليه من ناحية طرفيه: الماضي والآتي، عنصرًا من عناصر الفكرة الدينية وحدها، لكان الإِنكار لِمَا وراء الحس إِلحادًا فحسب. ولو كانت هي النتيجة الختامية لتقدم العلوم واتساع أفقها -كما رأينا- لَكان هذا الإِنكار نقصًا في العلم وقصرًا في النظر وكفى. أما وتلك النزعة بنت الغريزة والجبلة، فإِن الأمر أعظم من ذلك وأخطر؛ إِنه نكسة في فطرة الإِنسان ترده إِلى مستوى الحيوان الأعجم، ولا نقول: إِلى مستوى الطفولة الغافلة؛ فإِن كثيرًا من الأطفال ذوي الفطر السليمة لا يقنعون بالأمر الواقع المشاهد، ولا يقفون في تعليله عند حلقة من حلقات أسبابه وغاياته القريبة، بل يصعدون دائمًا إِلى أسبابه الأولى، ويسترسلون في تعرف نتائجه الأخيرة، فهذه صورة مصغرة من تلك النزعة الفكرية الإِنسانية التي هي أبدًا في حركة وتقدُّم يأبيان الوقوف والجمود.
 
إِن غريزة التطلُّع هذه هي مبدأ العلم والإِيمان معًا، وإِن الذي يقف بها عند حدود الواقع الحاضر في الحس لَيصد الإِنسانية عن سبيل الكمال، ويحرم العالم من خير كثير؛ فضلًا عن أنه بذلك يقاوم طبيعة الأشياء، ويحاول تبديل الفطرة التي فطر اللهُ النَّاس عليها.
 
غير أن العقول حين تنفذ بنورها من نطاق هذا العالم الحسي، سعيًا إِلى الاطلاع على مبدئه ومصدره، وعلى مصيره وغايته؛ ليست على درجة واحدة في هذا السعي، «فأما» العقل القانع المتعجل فإِنه يقف عند أدنى مبادئ الغيب وأقرب غاياته، مكتفيًّا في كل فصيلة من الظواهر الكونية المتشابهة بأن يلمح من ورائها مبدأً يدفعها وينظمها، ومن أمامها قبلة معينة تتجه نحوها؛ وقلما يعود إِلى السؤال عن منشأ كل واحد من المبادئ ومآله، أو إِلى السؤال عن مبدأ الكائنات جملة أو عن وجهتها الكلية من حيث هي كتلة واحدة، ذات وظائف متساندة، وهكذا تتعدد في نظره القُوى المدبرة، أو الآلهة المقدرة: فللريح إِله، وللخصب إِله، وللحياة إِله، وللموت إِله، وللشعر إِله …
 
«وأما» العقول الواعية، الطليقة، المتسامية، التي تسعى إِلى هدفها على بصيرة فيما تطلب، وفيما تأخذ أو تدع، غير متعرجة في السير، ولا متناقضة في الحكم، فإِنها من جهة ترى أن مطلبها أسمى من أن تحده حدود المكان، أو تقيده قيود الزمان.. حتى إِنه لو أحصى لها العادُّون ما جمعته البشرية وما ستجمعه من علوم وفنون، ومُتع بدنية وعقلية؛ لَبقي أمامها في طرفي الوجود شيء لا تفسره العلوم، ولا تحققه الفنون، ولظل فيها فراغٌ عميقٌ لا يملؤه الماضي ولا الحاضر، ولا المستقبل القريب ولا البعيد … ولن يتوقف منها هذا التطلع والتسامي، ولن يستقر فيها هذا القلق والاضطراب، ولن ينحسم عنها هذا اللجاج في الطلب.. إِلا بحقيقة هي اللبنة الأولى واللبنة الأخيرة لكل الحقائق، حقيقة تأبى طبيعتها الأفول في أُفُق الحدوث والإِمكان، ولا تدع مجالًا للسؤال عن قبل أو بعد في الزمان أو المكان.
 
ومن جهة أُخرى فإِن هذه العقول الفسيحة الأفق تطلب دائمًا تحت كل اختلاف ائتلافًا، ومن وراء كل كثرة وحدة؛ ولذلك تأبى الوقوف عند المقاييس النسبية، والتفسيرات الجزئية، ولا ترضى بآحاد القوانين حتى تسمو إِلى قانون القوانين. بل إِنها لتستشرف إِلى اليد التي جمعت تلك القوانين ونَسَّقَتْها، وجعلتها تتعاون على أداء الوظيفة المشتركة لهذا البنيان الكوني، يا سبحان الله! أليست وحدة النظام بين هذه الكتائب المختلفة الطبيعة، المتنوعة العمل، من الكائنات السماوية والأرضية، آيةً على وحدة القيادة العامة التي تُشرف عليها، وعلى وحدة الخطة المرسومة التي يسير على هُداها كل جهاز من أجهزة هذه الآلة الكبرى؟
 
وجملة القول: إِن العقول السامية تشرئبُّ دائمًا من وراء الحقائق الجزئية الحائلة الزائلة، إِلى حقيقة كلية أزلية أبدية، حقيقة لا يحويها شيءٌ من العلوم والمعارف، ولكنها تتشوف إِليها كل العلوم والمعارف وتلك هي الحقيقة التي تفردها الأديان العليا بالتقديس، ولا تنكرها سائر الأديان وإِن أشركتْ معها في هذا التقديس بعض الحقائق الجزئية الفانية.
 
إِن هذا الشوق الغريزي إِلى الأزلي الأبدي، وهذا الطلب الحثيث للكلي اللانهائي، له دلالتان عميقتان: إِحداهما دلالته على مطلوبه، لا كدلالة الحركة القسرية على مصدر جاذبيتها كما يقول أرسطو، بل كدلالة الأثر على صانعه، أو الخاتم على طابعه -حسب تعبير ديكارت- وثانيهما دلالته على أن في الإِنسان عنصرًا نبيلًا سماويًّا خُلِقَ للبقاء والخلود، وإِن تناساه الإِنسان وتلهى عنه حينًا، قانعًا بالدون من الحياة الجثمانية المتحطمة.
 
التديُّن إِذن -ولا سيما في أديان التوحيد والخلود- عنصرٌ ضروريٌ لتكميل القوة النظرية في الإِنسان؛ فبه وحده يجد العقل ما يُشبع نهمته، ومن دونه لا يحقق مطامحه العليا.

 

(١-٢) قوة الوجدان في إِشباع العواطف النبيلة

 

ثم هو فوق ذلك عنصر ضروري لتكميل قوة الوجدان؛ فالعواطف النبيلة من الحب، والشوق، والشكر، والتواضع، والحياء، والأمل، وغيرها، إِذا لم تجد ضالتها المنشودة في الأشياء ولا في النَّاس، وإِذا جفت ينابيعها في هذا العالم المتبدل المتبدد، وجدتْ في موضوع الدين مجالًا لا تُدرك غايته، ومنهلًا لا يَنفد مَعينه.

 

(١-٣) قوة الإِرادة لتكوين البواعث والدوافع

 

وأخيرًا هو عنصرٌ ضروريٌ لتكميل قوة الإِرادة، يمدها بأعظم البواعث والدوافع، ويدرَعها بأكبر وسائل المقاومة لعوامل اليأس والقنوط.
 
وهكذا نرى الفكرة الدينية تعبر عن حاجات النفس الإِنسانية في مختلف مَلَكاتها ومظاهرها، حتى إِنه كما صح أن يُعرَّف الإِنسان بأنه «حيوان مفكر»، أو بأنه «حيوانٌ مدنيٌّ بطبعه»، يسوغ لنا كذلك أن نُعرفه بأنه «حيوان متدين بفطرته».

 


 

المصدر:

  1. د. محمد عبد الله دراز، الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، ص95
تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#النفس-الإنسانية #الغريزة
اقرأ أيضا
نحن مثلكم ننتقد الدين | مرابط
فكر مقالات

نحن مثلكم ننتقد الدين


في عالمنا الإسلامي -العربي منه وغير العربي- مخلوقات غريبة تريد أن تجمع بين المتناقضات ولا تريد مع ذلك أن يعترض على تناقضها معترض يريدون أن يقولوا لإخوانهم الذين كفروا من أهل الغرب: إنما نحن مثلكم ننتقد الدين كما تنتقدون ولا نلتزم به كما أنكم لا تلتزمون ولا نترك فرصة للسخرية منه ومن المستمسكين به إلا اهتبلناها كما تهتبلون ونرى كما ترون أنه من حق الأديب والفنان أن ينتقد قيم المجتمع ومعتقداته ويدعو إلى نبذها لأنه لا يكون أديبا أو فنانا مبدعا إلا إذا فعل كل هذا بحرية كاملة كما تفعلون

بقلم: الشيخ الدكتور جعفر شيخ إدريس
297
الاستبدادان | مرابط
فكر مقالات

الاستبدادان


تجري كلمة الاستبداد على ألسنة كثير من الناس دون دراية بمضمونها أو مفهومها على وجهه الحقيقي حتى أن أحد هؤلاء قد يكون واقعا في معنى من معاني الاستبداد ولكنه لا يدري أو ربما يراه من أسمى معاني الحرية وفي هذا المقال يوضح لنا الكاتب معنى الاستبداد ومفهومه ويفرق لنا بين نوعين من أنواع الاستبداد

بقلم: إبراهيم السكران
1970
مخالفة المرجئة لأهل السنة والجماعة: الإيمان لا يزيد ولا ينقص | مرابط
أباطيل وشبهات تعزيز اليقين فكر تفريغات

مخالفة المرجئة لأهل السنة والجماعة: الإيمان لا يزيد ولا ينقص


أجمع أهل السنة والجماعة على أن الإيمان درجات وشعب يزيد وينقص يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وأن المؤمنين يتفاوتون بحسب علمهم وعملهم وان بعضهم أكمل إيمانا من بعض وليس إيمان جبريل وأبي بكر وعمر كإيمان آحاد الناس وهذا خلاف عقيدة المرجئة وهو ما يوضحه الكاتب في المقال

بقلم: محمد صالح المنجد
704
محاولة لاستثارة النخوة لدى عديمي النخوة | مرابط
فكر مقالات

محاولة لاستثارة النخوة لدى عديمي النخوة


لم يعد يجدي مع بعض طبقات مجتمعاتنا أن تذكر لهم نصوصا من الكتاب والسنةفهم يرونها جزءا من تراث لا يحبونه ولا يعتزون به هم أنفسهم يدعون إلى إحياء التراث غير الإسلامي كدعوات إحياء الفخر بالحقب الفرعونية وعروبة ما قبل الإسلام

بقلم: د إياد قنيبي
287
وظن أنه الفراق | مرابط
مقالات

وظن أنه الفراق


يمكننا تلخيص فكرة الموت بأنها خروج الروح من الجسد وانفصالها عنه بعد التحام وامتزاج دام طوال العمر حيث ابتدأت العلاقة في طور الجنين قبل الإدراك حينما جاء الملك بالروح من عالم الذر ونفخها في تلك المضغة اللحمية في رحم الأم فالإنسان الحي لا يعي حالة الروح المجردة عن الجسد ولا يذكرها البتة.

بقلم: د. جمال الباشا
65
القيمة الاجتماعية لأفكار القرآن | مرابط
تعزيز اليقين مقالات

القيمة الاجتماعية لأفكار القرآن


إذا أردت أن تشهد العبقرية الاجتماعية للتشريع الإسلامي عليك أن تتوقف أمام أزمة الخمر في المجتمع العربي قبل وبعد الإسلام وترى كيف تم التدرج في تحريمها بداية من العامل النفسي وصولا إلى التحريم الصارم ثم تقارن كل هذا بمحاولة أمريكا في القرن الماضي للتغلب على أزمة الخمر في مجتمعها وترصد الفوارق الشاسعة بين الطريقتين وهذا بالضبط ما يقدمه المقال

بقلم: مالك بن نبي
1725