إياك نعبد وإياك نستعين

إياك نعبد وإياك نستعين | مرابط

الكاتب: عبد العزيز الطريفي

47 مشاهدة

تم النشر منذ شهر

وقول الله جل وعلا: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" [الفاتحة:5].

الكلام على هذا المعنى في معنى: "إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" [الفاتحة:5] هو من المعاني العظيمة الجليلة، تكلم عليها أئمة كثر في تفسيرها، وما فيها أيضًا من معاني العبودية لله سبحانه وتعالى في ربوبية الله وألوهيته وأسمائه وصفاته، وتعلق العباد ظاهرًا وباطنًا بالله سبحانه وتعالى وتجرده، فنقول: إن هذه الآية شاملة لجميع أنواع العبادة لله سبحانه وتعالى، وقد صنف ابن القيم رحمه الله في عدة مجلدات كتابه مدارج السالكين بين منازل "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" [الفاتحة:5] جمع أحكامًا كثيرة في أمور العبودية وتوحيد الله سبحانه وتعالى، وأعمال القلوب وتعلق الإنسان بربه سبحانه وتعالى، ويحسن أن يرجع إلى مثل هذا الكتاب.

وفي قوله سبحانه وتعالى: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" [الفاتحة:5] يعني: لا نشرك معك غيرك في عبوديتك سبحانك وتعاليت، "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" [الفاتحة:5]، ذكر العبودية هنا وذكر الاستعانة بعد ذلك، مع أن الاستعانة هي نوع من أنواع العبودية، ولكن ذكرها على سبيل التخصيص بعد الإجمال، وذكر الخاص بعد العام لمزية في باب الاستعانة.

معنى العبودية

وهنا العبودية في قوله: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ" [الفاتحة:5] العبودية هي التذلل والخضوع؛ ولهذا تقول العرب: طريق معبد، أي: مذلل، إذا ذلل الناس الطريق بشيء من توطينه وتهيئته للسير، يقول: طريق معبد، كذلك العبد يسمى عبدًا إذا كان متذللًا بين يدي سيده.

وهنا قال: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ" [الفاتحة:5] لا نتذلل إلا لك سبحانك وتعاليت، في هذا التذلل إلا لله جل وعلا، والعبادة في ذلك مختلفة: ظاهرة وباطنة، فالباطنة هي أعمال القلب من المحبة والخوف والرجاء والتوكل على الله سبحانه وتعالى والاستعانة والخشية، وغير ذلك من أمور العبادة، فلا يعبد إلا الله سبحانه وتعالى، وأصل ضلال البشر هو في الأمور الباطنة، فإذا ضلوا في الأمور الباطنة اختل لديهم ميزان الباطن واختل لديهم ميزان الظاهر، فإذا خشي غير الله فقد عبده من دون الله، وإذا أحب غير الله سبحانه وتعالى فقد عبده من دون الله؛ ولهذا نقول: إن أصل ومنبت الانحراف في دائرة العبودية لغير الله عز وجل أصله من البواطن.

والإنسان لا يعبد أحدًا إلا وقد صرف شيئًا من أعمال القلب له، سواء كان من الأحجار أو الأشجار أو غيرها، فالذين يعبدون الكواكب أو يعبدون الأوهام من الجن أو الغول، أو يخافون الأشباح ونحو ذلك، يوجد في قلوبهم تعظيم هذه المخلوقات التي خلقها الله سبحانه وتعالى، فصرفوا لها شيئًا من دون الله جل وعلا.

كفار قريش صرفوا شيئًا من العبودية للجن، حيث إنهم كانوا إذا نزلوا واديًا استعاذوا بعظيم ذلك الوادي، فهذه الاستعاذة من شر الجن بعظيم جن ذلك الوادي هي لياذ بذلك العظيم من دون الله؛ وذلك لأنهم عظموه، ورأوا أن له أمرًا ونهيًا على من دونه من أفراد الجن فاستعاذوا به، ولم يستعيذوا بالله سبحانه وتعالى، فصرفوا شيئًا من العبودية لغير الله سبحانه وتعالى.

لزوم الجماعة من مفهوم الآية

وقوله جل وعلا: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" [الفاتحة:5] هذا إشارة إلى أمر الجماعة، وهنا ذكر أمر الجماعة في قوله: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" [الفاتحة:5] أي: أن الأصل في أعمال الناس لله سبحانه وتعالى أن تكون جماعية، وهذا يظهر كثيرًا في مواضع من القرآن سواء الصلاة أم غيرها، مثل الإتيان بلفظ الجمع في قوله: (واعتصموا) و(سارعوا) وغير ذلك من الألفاظ، فإنه يتوجه الخطاب إلى أمر الجماعة، وهذا ظاهر أيضًا حتى في هذا الموضع؛ باعتبار أن هذه السورة تسمى سورة الصلاة، وقد أمر الله عز وجل بأداء الصلوات الخمس جماعة، كما جاء ذلك في كثير من المواضع في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك أيضًا في ظواهر القرآن في الركوع مع الراكعين، وهذا يكون في الإتيان إليها جماعة: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" [الفاتحة:5].

العبودية على ما تقدم هي: التذلل والخضوع، ونستطيع أن نقول: إن العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، سواء كانت ظاهرة أو باطنة، ومعلوم أن للقلب قولًا وعملًا، وللسان قولًا ظاهرًا، وكذلك أيضًا للجوارح أعمال كأعمال الإنسان من سجوده وطوافه وغير ذلك.

الاستعانة بالخالق والاستعانة بالمخلوق

ولهذا نقول: إن الإنسان إذا علق ظاهره وباطنه بالله سبحانه وتعالى كان من أهل التوحيد، وبقدر نقصان ذلك يكون بعده عن الله سبحانه وتعالى.

وذكر الاستعانة هنا: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" [الفاتحة:5]، أي: أن الإنسان أصل وجوده في الدنيا لعمل، فإذا أراد العمل فلا بد أن يكون معتمدًا على أحد، فإذا كان معتمدًا على أحد فهو يستعين به، فإذا استعان بغير الله سبحانه وتعالى في هذه الدنيا، فنقول: إن الاستعانة في ذلك على ضربين: الضرب الأول: هو أن يستعين بأحد فيما لا يقدر عليه، كالذي يستعين بأحد الموتى، ويستعين بالكواكب والنجوم على طلب حاجة أو قضائها من دون الله سبحانه وتعالى، ويعلم أنها لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًا، فهذا شرك مع الله عز وجل.

وأما النوع الثاني وهو أن يستعين بالناس على شيء يقدرون عليه، فيقول: يا فلان! أعني على حمل هذا المتاع، أو أعني على هذا العدو الذي تسلط عليّ، فهذا طلب إعانة، ومن العلماء من كره استعمال لفظ الاستعانة إلا بالله سبحانه وتعالى، قال: ويجوز أن يستعمل غيرها، ولكن نقول: لا حرج في ذلك، ولكن النهي في هذا هنا هو أن يصرف شيئًا من ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى لغير الله، والقدرة هي في جعل الأسباب سواء كانت الشرعية أو كانت المادية الظاهرة ألا تكون إلا بشيء ثابت.

مسألة الاستعانة بغير الله

إذًا: الأسباب وتعليقها بالذوات نقول: هي مرتبطة بأمرين: بثبوت القدرة شرعًا، إذا دل الدليل على أن هذا شيء مؤثر، فإن الإنسان لا حرج عليه أن يستدفع تأثيره بما يليق به، فنقول حينئذٍ: إنه لا حرج عليه.

الأمر الثاني: ثبوت ذلك ماديًا كأمور الأدوية والعقاقير وغير ذلك التي يتخذها الإنسان، فيكون للإنسان شيء من التعلق المادي بهذا، نقول: إذا ثبت بأحد هذين الأمرين فلا حرج عليه بقدر، ولكن يجب عليه أن يعتقد أن الله عز وجل جعل هذه أسبابًا، فالإنسان جعله الله سببًا لدفع عدو أو صائل، أو سبب إعانةٍ على حمل متاع أو نحو ذلك، لكنه هو في ذاته ليس لديه قدرة ذاتية قائمة بذاته منفصلة عن عون الله عز وجل وتسديده له.

إذًا: فوجب على الإنسان بكل حال أن يعتمد على الله جل في علاه، ثم بعد ذلك يستعين بغيره بما يستطيع.

"إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" [الفاتحة:5]، أشار بهذا إلى أمر الاستعانة، فالإنسان إنما وجد في الدنيا لأجل العمل، فيستعين عند إرادته العمل، فالاستعانة تقع عند إرادة الأعمال، وأكثر من التروك، يعني: أكثر ممن يقصد ترك شيء فلا يستعين عليه، لماذا؟ لأن الترك هو العدم، فهو يستعين على عمله، وهذا هو أكثر الضلال، وبهذا ضل كفار قريش حينما كانوا يصرفون شيئًا من العبادة لغير الله سبحانه وتعالى إذا أرادوا عملًا، فإذا أرادوا سفرًا ذهبوا إلى أزلامهم وإلى أنصابهم، أو ربما ذهبوا إلى شيء من الطيور من الهامة أو غير ذلك، أو أخذوا طيرًا آخر وطيروه، فإذا ذهب يمينًا تفاءلوا، وإذا ذهب شمالًا تشاءموا، وربما امتنعوا عن السفر؛ ولهذا نقول: إن مثل هذه الأشياء هي أسباب مادية، ولم تثبت شرعًا، والتعلق بذلك ضرب من ضروب الشرك الأصغر، وتختلف في ذلك مراتبه بحسب تعلق الإنسان به.

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#الطريفي
اقرأ أيضا
سلوك المسلم في ظل العلم الإجمالي بدين الإسلام | مرابط
اقتباسات وقطوف

سلوك المسلم في ظل العلم الإجمالي بدين الإسلام


العلم الإجمالي قلما يفيد صاحبه لأنه دائما عرضة للجهالة بما يرد على جزئياته من الشكوك التي لا تنفى إلا بالعلم التفصيلي الكامل ألا ترى أن أكثر الناس يعلمون بالإجمال أن أمهات الرذائل وكبائر المعاصي من أسباب الشقاء ولو كان هذا العلم صحيحا كاملا لا اضطراب فيه لصدرت عنه آثاره حتما

بقلم: محمد رشيد رضا
216
حاجة النبي للوحي وتأخره: دليل على مصدرية القرآن | مرابط
تعزيز اليقين اقتباسات وقطوف

حاجة النبي للوحي وتأخره: دليل على مصدرية القرآن


إذا تأملت الحالات والمواقف التي كان النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة إلى نزول الوحي ولكنه كان يتأخر ستدرك بشكل قاطع أن هذا القرآن ليس من عند النبي كما ادعى أولياء الشيطان زورا وظلما وبهتانا ولكنه وحي من عند الله وإلا لو كان غير ذلك لسهل على النبي -حاشاه- أن يصدر كلاما من تلقاء نفسه وينسبه للوحي وهذا الكلام المقتطف للدكتور محمد عبد الله دراز يناقش إحدى الحوادث التي كان فيها النبي في حاجة للوحي ولكنه تأخر

بقلم: محمد عبد الله دراز
1611
العنصرية الأمريكية ضد العرب 2 | مرابط
اقتباسات وقطوف

العنصرية الأمريكية ضد العرب 2


مقتطف من كتاب الحروب الهمجية يتحدث فيه الكاتب عن الرؤية الأمريكية للعرب والتي تقوم على العنصرية أو التعصب إذ يعد هذا هو المحرك الأبرز في التعامل مع كافة الأحداث ومن هنا توصف أعمال العنف التي يرتكبها الأمريكان أو إسرائيل على أنها دفاع عن النفس بينما أي عنف يرتكبه العرب يقع تحت وصف الإرهاب

بقلم: ستيفن سالايتا
250
الليبرالية السعودية والتأسيس المأزوم ج3 | مرابط
أبحاث الليبرالية

الليبرالية السعودية والتأسيس المأزوم ج3


المراقب الواعي إذا تجول في مخرجات التيار الليبرالي ووقف على أبرز محطاته وسلط الأضواء على مرتكزاته المعرفية تصيبه الدهشة بسبب ما يراه من الفقر الشديد في مؤهلات النمو الصحي وبسبب ما يلحظه من الهشاشة الكبيرة في مرتكزات شرعية وجوده في الساحة الفكرية وسيكتشف أن الليبرالية السعودية تعاني من أزمة فكرية ومنهجية عميقة أزمة في المصطلح وأزمة في الخلفيات الفلسفية وأزمة في السلوكيات اليومية وأزمة في الالتزام بالقيم وأزمة في الاتساق مع المبادئ وأزمة في الاطراد وأزمة في التوافق بين أسس الليبرالية وبين قطع...

بقلم: سلطان العميري
1035
شبح الحروب الصليبية الجزء الثاني | مرابط
تاريخ مقالات

شبح الحروب الصليبية الجزء الثاني


إذا أردنا أن نقف على الأسباب الحقيقية للعداء البغيض الذي تحمله أوروبا ويحمله الغرب تجاه الإسلام علينا أن نرجع عدة خطوات إلى الخلف إلى الماضي الذي شكل معالم المدنية الأوروبية وتشربه الرجل الأبيض وتوارثه مع مرور الوقت سنقف هنا أمام الحروب الصليبية لندرك أثرها على الهوية الأوروبية فيما يخص الإسلام كما يقول الكاتب: إن الشر الذي بعثه الصليبيون لم يقتصر على صليل السلاح ولكنه كان قبل كل شيء وفي مقدمة كل شيء شرا ثقافيا لقد نشأ تسميم العقل الأوروبي عما شوهه قادة الأوروبيين من تعاليم الإسلام ومثله ال...

بقلم: محمد أسد
1640
المعصية تورث الذل | مرابط
اقتباسات وقطوف

المعصية تورث الذل


يظن كثير من المسلمين أن المعاصي لا تترك أثرا على نفس المسلم وهذا الظن يدفع يهون المعصية في قلوب الناس بشكل عام والحقيقة على خلاف ذلك تماما فالمعاصي لها آثار قاتلة إذا لم ينتبه إليها المسلم ومن هذه الآثار أنها تورث الذل وبين يديكم مقتطف من كتاب الداء والدواء حول الأمر

بقلم: ابن القيم
320