ابن حبك لله على أسس سليمة

ابن حبك لله على أسس سليمة | مرابط

الكاتب: د إياد قنيبي

1240 مشاهدة

تم النشر منذ سنة

ذكرنا في المحطة السابقة أن (الحبشرطي) يشرط محبته لله عز وجل باستمرار النعم الدنيوية
 

أسس الحبشرطي لمحبة الله

إذن؛ هو يؤسس هذا البيت -يعني محبة الله- يؤسسه على أسس.. هذه الأسس هي: المال، الصحة، الحرية، الاستقرار الأسري، المكانة الاجتماعية.
 
لكن، لاحظ معي:
هذه الأسس الدنيوية جميعها.. أليست قابلة للزوال؟
أليس هذا الحبشرطي مهددًا في أي لحظة:
بالفقر = زوال المال
بالمرض = زوال الصحة
بالحبس = زوال الحرية
بالمشاكل = زوال الاستقرار
 
ماذا سيحصل حينئذ إذا ابتلي بفقد أحد هذه الأسس؟
سوف يميل البيت ويسقط وينهار، سوف تنهار محبة الله المشروطة في قلب هذا العبد الحبشرطي! لأنه أسسها على أسس قابلة للزوال في أية لحظة
 

كيف نميز محبتها لله عز وجل؟

إذن؛ كيف أعرف إن كانت محبتي لله عز وجل مهددة بالزوال في أية لحظة؟
كيف أعرف إن كنت قد أسستها على أسس دنيوية؟

حقيقة، البلاء يساعدك في ذلك جدًا، وهذا من نعم الله عليك في البلاء.
 
عندما تُبتلى وتدعو الله عز وجل وتطلب منه أن يرفع عنك البلاء ويعيد لك النعم، قد يقدر الله عليك أن يستمر بلاؤك ويطول ويشتد، وحينئذ سوف تعرف إن كان حبك لله مشروطًا لهذه المصالح الدنيوية.
 
واجهت محنة حُرمت فيها فجأة من: حريتي، أهلي، أولادي، أصدقائي، مالي، وظيفتي.. فجأة!
 
ثم دعوت الله لكنه قدر أنه يستمر بلائي أطول مما ظننت. هذا وضعني حقيقة أمام السؤال المهم:
 
الآن، وبعد حرماني من هذه الأشياء، هل ما زلت أحب الله عز وجل؟
هذا السؤال ساعدني في تشخيص مقدار الحبشرطية في نفسي؛ لأعيد بناء محبة الله على الأسس السليمة الصحيحة.
 
أسألك بالله: هل أنت مستعد أن تشتري بيتًا لتسكنه إذا علمت أن هذا البيت مرتكز على أسس واهية قابلة للانهيار والزوال في أية لحظة؟! فما ظنك بمحبة الله عز وجل التي من أجلها نعيش، بل من أجلها خلقنا؟
 
فربنا خلقنا لنعبده، والعبادة محبة وتعظيم وطاعة. فهل أنت مستعد أن تغامر بمحبة الله عز وجل، وتبنيها على أسس قابلة للزوال في أية لحظة؟
إذًا، لا بد لك أن تبني محبة الله في قلبك على أسس صحيحة..
 

الأسس الصحيحة لمحبة الله عز وجل

ترى ما هي هذه الأسس؟
 
كثيرة.. منها:
 
1- اليقين باستحقاق الله سبحانه للعبادة لذاته العظيمة، والتفكر في أسماء الله وصفاته وتأمل آثارها في الواقع، وهذا هو الأساس الأعظم في بناء المحبة لله
 
2- تعلق القلب بالآخرة ونعيمها
 
3- العرفان لله بنعمة الهداية
 
4- الامتنان لله بما أنعم عليك في الماضي بغض النظر عن الحاضر والمستقبل
 
5- استحضار أن نعم الله عليك لا تُعد ولا تُحصى مهما نزل بك من بلاء ومصيبة ومهما فقدت، فلا زلت مغمورًا في فضله لكنك ألفت نعمه التي أنت فيها الآن حتى لم تعد تحس بها
 
6- تأمل محطات رحمة الله بك، صرفه للشرور عنك، تهيئة أسباب هدايتك، ستره عليك، إحاطته إياك بأناس يحبونك وكل ما كان منهم من خير فمن الله.. تأمل ذلك في محطات حياتك..
-أنا عن نفسي استعرضتها تباعا في جوف بلاء، وتلوت معها سورة (والضحى)، فأحدثت لي لذة وطمأنينة وشعورًا بمعية الله لي وأنه سبحانه يريد بي خيرًا.
 
7- ما ينعم الله به عليك، إن أقبلت عليه، من أعمال القلوب مهما كانت الظروف، كالرضا والشوق إلى الله والأنس بالله وكلامه (القرآن)
 
إذًا، هذه أشياء ثابتة لا تزول: أسماء الله وصفاته، الآخرة المرتقبة، نعم الماضي، حقيقة أنك ستبقى مغمورًا في نعم الله مهما أخذ منك.. هذه الأشياء لا تتغير، ليست مهددة بالزوال، تبنى عليها محبتك لله وأنت واثق مطمئن.
 
أما ما يستجد لك -في الحاضر والمستقبل- من نعم جديدة ورفع بلاء؛ فهذه كلها تزيد محبتك لله عز وجل، ولكنها ليست شرطًا في وجود هذه المحبة.
 

المؤلفة قلوبهم

قد يقال: لكن الله عز وجل شرع تألف قلوب الناس بإعطائهم شيئًا من نعيم الدنيا، فمعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطي قسمًا كبيرًا من الغنائم للمؤلفة قلوبهم، لكفار يريد رسول الله أن يستميلهم للإسلام، بل إن مصرفًا من مصارف الزكاة هو (المؤلفة قلوبهم)؟
 
صحيح.. لكن هذا التألف لقلوب الناس بنعيم دنيوي هو مرحلي مؤقت؛ حتى ينهار الحاجز النفسي بين قلب الغافل والإسلام، حتى تُزال الغشاوة عن بصره ليرى حقيقة الدين فتخالط بشاشة الإيمان قلبه، فلا يعود يأبه -من ثم- أُعطي أو مُنع.
 
في الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن أنس قال "إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها"
 
"إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا": يعني حبشرطي صرف! وإنما يظهر الإسلام لإرادته الدنيا..
 
"فما يسلم": يعني فما يلبث بعد إسلامه إلا قليلا حتى ينشرح صدره بحقيقة الإيمان ويتمكن من قلبه فيكون حينئذ أحب إليه من الدنيا.
 
إذن؛ تحول حبه لله إلى حب حقيقي مبني على أسس سليمة.
أما أن يعيش الإنسان حياته كلها عيشة المؤلفة قلوبهم فهذا وضع خطير غير مقبول! لأن محبته لله مهددة بالزوال في أية لحظة.
 
عندما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتد طوائف من الناس، فما الذي حصل؟
المؤلفة قلوبهم من أهل مكة الذين تألفهم رسول الله، لكنهم بعد ذلك بنوا محبتهم لله على أسس صحيحة، كانوا هم أسود الإسلام الذين نافحوا عنه أيام الردة، وبذلوا في ذلك أرواحهم ودماءهم وأموالهم.
 
بينما ارتد من بقي (حبشرطيًا) متعلقًا بالدنيا عندما تعرض لفتنة وفاة النبي وتمرد الزعماء.
إن استقرار هذا المفهوم في نفوسنا -محبة الله غير المشروط- يمنحنا فهمًا أعمق لكثير من حقائق ديننا.
 

أحب الأعمال إلى الله

فمثلًا: عندما نقرأ قول النبي صلى الله عليه وسلم "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل"
 
قد يكون من أسباب ذلك:
أن الطاعة الكثيرة المتقطعة كثيرًا ما تكون مدافعة لبلاء حل أو ابتهاجا مؤقتًا بنعمة جديدة، خاصة إذا تبعها فتور شديد في الطاعة.
 
أما العمل المستمر من الطاعات ما يكون نابعًا من حب مستقر في القلب لا يتأثر بالحوادث السارة أو الحزينة.
 

خاتمة

إذا، أخي وأختي:
إذا وجدت في نفسك هذا الداء الخطير (شرطية محبة الله)، فعليك أن تعترف به وتسعى لعلاجه؛ فهو أخطر من أية مصيبة دنيوية؛ ﻷنه مصيبة في الدين، وخلل فيما نعيش من أجله.
 
خلاصة هذه المحطة:
 

تخلص من مرض (الحبشرطية)
وابن حبك لله على أسس سليمة لا تزول بالمتغيرات

 


 

المصدر:

د. إياد قنيبي، حسن الظن بالله، ص24

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#إياد-قنيبي #حسن-الظن-بالله
اقرأ أيضا
أهل البدع يتوارثون الحقد على ابن تيمية | مرابط
تفريغات

أهل البدع يتوارثون الحقد على ابن تيمية


هذا الرجل النبيل الكريم البحر العلم الذي ما يزال يرمى بالكفر حتى هذه الساعة وكثير من المسلمين لا يعرفون شيئا عنابن تيمية حياة شيخ الإسلامابن تيميةحياة لا تعلم إلا بمطالعة كل ما كتب عنه سواء بقلمه أو بقلم أتباعه فإذا كنت ممن يحبه بالغيب تزداد له حبا وإن كنت ممن يتوقف في محبته فتحبه بلا تردد وإن كنت ممن عاديته فتراجع نفسك على أقل تقدير

بقلم: أبو إسحق الحويني
335
الأمركة والكوكلة والعلمنة | مرابط
فكر

الأمركة والكوكلة والعلمنة


الأمركة فى تصوري هى محاولة صبغ أي مجتمع أو فرد بالصبغة الأمريكية وإشاعة نمط الحياة الأمريكية ويوجد مصطلح طريف قريب منه للغاية هو مصطلح الكوكلة أو الكوكاكوليزيشن cocacolization والكوكاكولا هى رمز نمط الحياة الأمريكية وانتشارها وتدويلها وقال أحدهم أن الأمر ليس كوكلة وحسب وإنما هى كوكاكولونيالية بدلا من كولونيالية أي أن الكوكلة هى الاستعمار فى عصر الاستهلاكية العالمية وهى استعمار لا يلجأ للقسر وإنما للإغواء كما كتب أحد علماء الاجتماع كتابا بعنوان the macdonaldization of the world أي مكدلة العا

بقلم: عبد الوهاب المسيري
1379
أهمية الوقت عند طالب العلم | مرابط
تفريغات

أهمية الوقت عند طالب العلم


كذلك طالب العلم من أهم ما يهتم به هو الوقت وقت طالب العلم ثمين جدا لا يضيعه في الخصومات ولا يضيعه في التفاهات والسفاهات ونحو ذلك تجد طالب علم ليل نهار على الفيسوك يتكلم هنا ويكتب هنا ويروح هنا ويجيئ هنا وليس واجبا عليه ولا حتى يكتب شيئا مفيدا

بقلم: أبو علياء محمد سعد
147
المؤسسة السياسية الغربية | مرابط
اقتباسات وقطوف

المؤسسة السياسية الغربية


أما الوجه السياسي للحضارة الغربية فهو وجه كالح بكل معنى الكلمة فالمؤسسة السياسية الغربية مؤسسة إمبريالية استعمارية تمتص ثروات الأمم الأخرى وليس لديها أية حواجز أخلاقية أمام مصالحاه فهي ديمقراطية شفافة في السياسة الداخلية -غالبا- ديكتاتورية معتمة في السياسة الخارجية دائما

بقلم: إبراهيم السكران
120
الفرح بالله | مرابط
اقتباسات وقطوف

الفرح بالله


والفرح بالله وبأعمال الإيمان التي تقرب إلى الله جاءت الإشارة إليه في آيات متعددة بلفظ الفرح وبلفظ الاستبشار وغيره ولذلك قال ابن القيم فالفرح بالله وبرسوله وبالإيمان وبالسنة وبالعلم وبالقرآن من أعلى مقامات العارفين

بقلم: إبراهيم السكران
256
من علامات مرض القلب وصحته | مرابط
مقالات

من علامات مرض القلب وصحته


كل عضو من أعضاء البدن خلق لفعل خاص به كماله فى حصول ذلك الفعل منه ومرضه: أن يتعذر عليه الفعل الذى خلق له حتى لا يصدر منه أو يصدر مع نوع من الاضطراب فمرض اليد: أن يتعذر عليها البطش ومرض العين: أن يتعذر عليها النظر والرؤية ومرض اللسان: أن يتعذر عليه النطق ومرض البدن: أن يتعذر عليه حركته الطبيعية أو يضعف عنها ومرض القلب: أن يتعذر عليه ما خلق له من المعرفة بالله ومحبته والشوق إلى لقائه والإنابة إليه وإيثار ذلك على كل شهوته فلو عرف العبد كل شىء ولم يعرف ربه فكأنه لم يعرف شيئا

بقلم: ابن القيم
295