الجنس الثالث

الجنس الثالث | مرابط

الكاتب: محمد محمد حسين

137 مشاهدة

تم النشر منذ 11 شهر

أحسن ما قرأته في وصف النساء المترجِّلات، اللاتي يأبين إلَّا الخروج على فطرتهن، والزجَّ بأنفسهن في ميادين الرجال، تسميةُ أحد كتاب الإِنجليز لهن "الجنس الثالث". فالواقع أن هذه التسمية وصف صادق كل الصدق لهذه الطبقة الجديدة من النساء التي برزت مشكلتها في المجتمع الأوروبي منذ أواخر القرن الميلادي الماضي، بعد أن تكاثر عددها فيه وطغى سيلها. ذلك لأنهن قد فقدن أنوثتهن فلم يعدن نساء، وابتذلن أجسادهن وأرْخَضْن مفاتهن حتى عافها الرجال وانصرفوا عنها. ثم إن فطرتهن وخلقتهن تأبى عليهن من بعدُ أن يَدْخلن في عِدَاد الرجال. من أجل ذلك سماهن ذلك الكاتب الإنجليزي الحصيف “الجنس الثالث”.

بعد أن أخرجن أنفسهن من عداد النساء واستحال عليهن أن يدخلن في عداد الرجال، فهن يخالفن الرجال طبيعة وتركيبًا، ويخالفن النساء وظائف وأعمالًا. “وقد درس هذا الأستاذ أحوالهن درسًا مدققًا فوجد أنهن يتركن الزواج. وبانتزاعهن أنفسهن من وظائفهن الطبيعية كالأمومة وما يتبعها قد تغيرت إحساساتهن عن إحساسات بنات جنسهن، وصرن في حالة من الكآبة تشبه أعراض الماليخوليا”

أساءت المرأة إلى نفسها وأساء إليها الذين ظاهروها وأعانوها ممن يزعمون أنهم أنصارها. فقد كانت ريحانة تشَمّ، فأصبحت مشكلًا يتطلب الحل، وكانت عِرْضًا يصان وأمانة تحفظ، فأصبحت حملًا ثقيلا يضيق به الأب والأخ ويتحتم معه على المرأة أن تعمل لتعيش. نشأ الجيل السابق على أن يكفلها ويكفيها حاجتها، وكان هذا التقليد عقيدة مركوزة في أعماق كل نفس، يحرسها الإجماع عليها, ولا يخطر لأب أو ابن أو أخ أو زوج أن يتخلى عنه ويخرج من عهدته، فلما عملت المرأة لنفسها وشاع ذلك في المجتمع ماتت هذه العادة، وماتت معها الروءة التي كانت تدفع إليها.

والغيرة التي كانت سببًا في المحافظة عليها، وأصبحت المرأة إذا لم تبحث عن العمل من نفسها دفعها وليها إليه دفعًا وألزمها به إلزامًا. بل لقد أصبح القانون يلزمها بالعمل في النظام الشيوعي، وأصبح الواقع يلزمها به في النظام الرأسمالي. وأصبحت التي لا تعمل في أيامنا لا تجد اللقمة ولا تجد الزوج, لأن الرجال إن عدموا ذوات المال من الزوجات بحثوا عن الكادحات الكاسبات. وكاد ذلك يصبح قانونًا من قوانين حياتنا يقضي على المستعففات بالبوار والهلاك. فهل هذا هو ما يسميه الخادعون والمخدوعون والخادعات والمخدوعات "حقوق المرأة"؟

وفي الوقت الذي يتجرع فيه الغرب آثار خروج المرأة على فطرتها ووظيفتها، كان بعض كتابنا ومفكرينا ينادون بأن نأخذ في ذلك الطريق الذي انتهى بالغرب إلى ما هو فيه من مشاكل اجتماعية واقتصادية هزت دعائم مجتمعه هزًَّا عنيفًا أفقده استقراره واتزانه وعرَّض سلامته وكيانه لأشد الأخطار.

ولقد يبدو للدارس المتأمل أن المرأة لا توضع الآن حيث تدعو الحاجة - صحيحة كانت أو مزعومة - إلى أن توضع، ولكنها توضع لإِثبات وجودها في كل مكان، ولإِقحامها على كل ما كان العقل والعرف ينادي بعدم صلاحيتها له.

فليس المقصود بتوظيفها في هذه الأيام سد حاجة موجودة، ولكن المقصود هو مخالفة عرف راسخ، وتحطيم قاعدة قائمة مقررة، وإقامة عرف جديد في الدين وفي الأخلاق وفي الذوق، وخلق المبررات والمقومات التي تجعل انسلاخنا من إسلامنا وعروبتنا وشرقيتنا أمرًا واقعًا، كما تجعل دخولنا في دين الغرب ومذاهب الغرب وفسق الغرب أمرًا واقعًا كذلك.

وأخطر ما في هذه الدعوة وأمثالها مما يراد به حملنا على كل فاسد من مذاهب الغرب أن أصحابها يريدون إقحامها على إسلامنا زاعمين أنها لا تعارضه. وقد كان قاسم أمين هو أول من جرَّأ الناس على تحريف النصوص حين طلع علينا بطائفة من المزاعم التي تقوم على المجازفة، ومن النصوص الحرفة عن مواضعها والمخلوعة من سياقها خلعًا يخرجها عن مدلولها، وحين تصيَّد من كتب التاريخ ورواياته - على اختلاف درجاتها ودرجات مؤلفيها - كلَّ شاذ غريب فحشدها في حيِّز واحد وضمَّ بعض أشتاتها إلى بعض، حتى خيَّل إلى قارئها أنها - على شذوذها وقلتها - شيء مألوف كثير الوقوع.

ومع أن هذا الذي جمعه هو خلاصة ما في الكتب - صحيحها وسقيمها - من غرائب الأخبار والآراء التىِ تصور حالات شاذة نادرة لا تنهض بها حجة ولا يَبْطُلْ بها عرف، ومع أن كثيرًا من النصوص التاريخية أو الفقهية التي اقتطفها ناقصة الدلالة غامضة العبارة، فقد استطاع أن يروج ذلك كله بين الناس بمرور الأيام، بفضل قوة حزبه الذي كان يسميه اللورد كرومر. حزب الشيِخ مُحَمَّدْ عبده حتى أصبحت هذه النصوص مِنْ بعدُ - على فساد الاستدلال بها - هي البضاعة المشتركة لمتابعي دعوته ومطوِّريها.

وذلك كله هو الذي دعا الشاعر شوقي - رحمه الله - إلى أن يتساءل عن حقيقة صنيع قاسم أمين: أهو غيرة المدافع عن النصوص الإِسلامية، أم هو إغارة المحرف لها عن مواضعها؟. وذلك من قصيدة له ألقاها سنة ١٩٢٨ م، وعرض فيها للباقته في الاستدلال، وبراعته في الجدال، فقال:

ولك البيان الجَزْلُ في ... أثنائه العلم الغزير
في مطلبٍ خشنٍ كثيـ ... رٍ في مزالقه العثور
ما بالكتاب ولا الحديث ... إذا ذكرتهما نكير
حتى لنسأل: هل تغا ... ر على العقائد أم تغير؟

وقد لا تكون هناك نصوص صريحة في القرآن أو في الحديث تمنع المرأة من العمل في خارج البيت لكسب عيشها حين تدعو إلى ذلك ضرورة، ولكن من المؤكد أن اتخاذ هذه السنة أصلًا من أصول التنظيم الاجتماعي يخالف روح الشريعة ويناقض كثيرًا من نصوصها ويتعارض مع كثير من شرائعها وحدودها تعارضًا واضحًا.


المصدر:
محمد محمد حسين، حصوننا مهددة من الداخل

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.
اقرأ أيضا
من الأخطاء الشائعة في تراكيب الجمل | مرابط
لسانيات

من الأخطاء الشائعة في تراكيب الجمل


مقتطفات متفرقة من كتاب معجم الأخطاء النحوية واللغوية والصرفية الشائعة للكاتب خضر أبو العينين يوثق فيه الكثير من الأخطاء اللغوية الشائعة التي يقع فيها الكتاب ويذكر لنا الصواب من الناحية اللغوية مثال ذلك: يقال: فتح فلان لي الباب ثم قال تفضل وهذا خطأ والصواب أن يقال: فتح فلان لي الباب فقال: تفضل إذ إن الفاء حرف عطف يدل على الترتيب والتعقيب فالجملة لا مهلة في ترتيبها بحيث تستعمل حرف ثم كقول الله -عز وجل- الذي خلقك فسواك فعدلك

بقلم: خضر أبو العينين
389
ثغر اللسان | مرابط
مقالات

ثغر اللسان


واعلموا أن أكبر أعوانكم على لزوم هذه الثغور مصالحة النفس الأمارة فأعيوها واستعينوا بها وأمدوها واستمدوا منها وكونوا معها على حرب النفس المطمئنة فاجتهدوا في كسرها وإبطال قواها ولا سبيل إلى ذلك إلا بقطع موادها عنها فإذا انقطعت موادها وقويت مواد النفس الأمارة وانطاعت لكم أعوانها فاستنزلوا القلب من حصنه واعزلوه عن مملكته وولوا مكانه النفس الأمارة فإنها لا تأمر إلا بما تهوونه وتحبونه ولا تجيئكم بما تكرهونه ألبتة

بقلم: ابن القيم
580
شبهة: ما الحكمة من زواج السيدة عائشة في سن صغير؟ | مرابط
أباطيل وشبهات

شبهة: ما الحكمة من زواج السيدة عائشة في سن صغير؟


هل صحيح أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- دخل بالسيدة عائشة وهي 9 سنوات؟ وإذا كان صحيحا فما الحكمة وراء زواجها في سن صغيرة.. يتكرر هذا السؤال كثيرا وإليكم الإجابة الشافية من الدكتور حسام الدين حامد.

بقلم: حسام الدين حامد
217
بين الحق والباطل | مرابط
اقتباسات وقطوف

بين الحق والباطل


مقتطف للعلامة عبد الرحمن المعلمي اليماني يلفت فيه الأنظار إلى ما دواخل النفس الإنسانية للمسلم وكيف يتصارع الحق والباطل ولماذا تنتهي المعركة أحيانا بفوز الباطل وأحيانا أخرى بفوز الحق ويشير إلى حقيقة هذا الصراع وتجلياته في القرآن الكريم

بقلم: عبد الرحمن المعلمي اليماني
2012
كيف تعامل الصحابة بعد تبشيرهم بالجنة؟ | مرابط
تفريغات

كيف تعامل الصحابة بعد تبشيرهم بالجنة؟


الصحابة الذين بشروا بالجنة عندما تقرأ عن حياتهم في كتب السير تجد أن خوفهم من الله اشتد وازداد بعد أن بشروا بالجنة وهذا أمر غريب قد لا يفهمه العقل البشري. فهب جدلا أن رجلا صاحب مدرسة قال لك: أنا صاحب المدرسة وأنا الذي أعين المدرسين وأنا الذي أوقع على النتيجة النهائية وابنك في رعايتي وهو ناجح آخر العام إن شاء الله سواء كتب أم لم يكتب هل يزداد اطمئنانك أم يزداد خوفك؟ يزداد اطمئنانك.

بقلم: عمر عبد الكافي
265
لماذا لم يخلق الله عالمنا بلا شر الجزء الأول | مرابط
أباطيل وشبهات مقالات الإلحاد

لماذا لم يخلق الله عالمنا بلا شر الجزء الأول


يتصور البعض أن وجود الشرور في العالم وانتشار بعض صور الخراب والدمار تعني بصورة ما أنه ليس هناك إلها خالقا مدبرا حكيما لهذا الكون وإلا لما كان يوجد هذا الشر المستطير وعلى النقيض يؤمنون أن وجود الخالق مرهون بانتفاء الشر من العالم وهذه شبهة قديمة يرد عليها الدكتور سامي عامري في هذا المقال ويوضح الخطأ فيها

بقلم: د سامي عامري
1832