تعلمت من أوقات الفراغ | مرابط

تعلمت من أوقات الفراغ

الكاتب: عباس محمود العقاد

تم النشر منذ 7 أشهر 2538 مشاهدة

 

أوقات العمل تملكنا ..... 

 

 

ولكننا نحن الذين نملك أوقات الفراغ ونتصرف فيها كما نريد ، فهي من أجل هذا  ميزان قدرتنا على التصرف وميزان معرفتنا بقيمة الوقت كله ، وليست قيمة الوقت إلا  قيمة الحياة.

 

 

فالذي يعرف قيمة وقته يعرف قيمة حياته، ويستحق أن يحيا وأن يملك هذه الثروة  التي لا تساويها ثروة الذهب، لأن مالك وقته يملك كل شيء، ويصبح في حياته سيد  الأحرار. 

 

 

إن أفرغ الناس هو الذي لا يستطيع أن يملأ ساعات فراغه وعندنا في الشرق كثيرون بل  كثيرون جدا من هؤلاء الفراغين.   على القهوات وعلى أفاريز الطرقات ، في الصباح
وفي المساء ، خلال أيام الصيف وخلال أيام الشتاء ....

 

 

في كل وقت وكل موسم وكل مكان ألوف من الشباب الأقوياء والرجال الناضجين يقضون ساعات الفراغ في لعب النرد  والورق أو في تعاطي الراح والدخان ، أو في مراقبة الغادين والغاديات والرائحين والرائحات      ليس هذا وقتا فارغا لأنهم مشغولون فيه ، وليس هذا زقتا مملوءا لأنهم يملئونه بما هو أفرغ من الفراغ.

 

 

هذا ليس بوقت على الاطلاق...

 

 

وليس معنى " وقت  الفراغ" أنه الوقت الذي نستغني عنه ونبدده ونرمي به مع الهبا ،ولكن وقت  الفراغ هو الوقت الذي بقي لنا لنملكه ونملك أنفسنا فيه ، بعد أن قضينا وقت العمل
مملوكين مسخرين لما نزاوله من شواغل العيش وتكاليف الضرورة.

 

 

قرأت مرة في تاريخ  امريكا الشمالية ان انجليز والفرنسيين تسابقوا على استعمار "كندا" فنجح الإنجليز حيث أخفق الفرنسيون ..لماذا؟

 

 

زعموا في تعليل ذلك – وأصابوا- أن استعمار القفار من الأرض البور يحتاج إلى قضاء الأوقات الطوال في عزلة  عن المدن الحافلة، وأن الإنجليز نجحوا في استعمار تلك الأرض لأنهم يستطيعون أن  يقضوا أوقات الفراغ منعزلين منفردين ، وأن الفرنسي لا يطيق العزله ولا يحتمل أن يفرغ    لنفسه ولا يزال في شوق إلى المدينة لقضاء السهرات والأصائل  بين الناس في الأندية والمجتمعات، فترك ميدان الخلاء لمن هم قادرون عليه...

 

 

ويصدق علينا في الشرق ما  يصدق على الفرنسيين ، فإن الانسان منا لا يستطيع أن يجد في نفسه ما يشغله ساعة فراغ ، ولا يحس بفراغ من الوقت حتى يلوذ بالطرقات والقهوات ، ولا يهتدي بعد البحث  الطويل في أعماق ضميره وأطواء دماغه إلى شيء يملأ به ذلك الفراغ.

 

 

إن كان قصارى ما أصاب  الفرنسيين من هذه الخصلة أنهم أخفقوا في استعمار "كندا" .. فالأمر معنا   أخطر وأعظم ، فلعلنا لم نذهب فريسة الاستعمار إلا لأننا فارغون ، وأننا لا نجد في نفوسنا ما ننطوي عليه.

 

 

قيل عن أهل إسبرطة ..

 

 

قيل عن أهل اسبرطة أنهم كانوا ينبذون الطفل الضعيف في الغراء ، وأنهم كانوا يمتحنون قوة الأطفال بوضعهم في  إناء مملوء بالنبيذ، فمن بقي منهم مفيقاً بعد هذه التجربة أبقوه واستحق عندهم عناء التربية ، ومن ظهر عليه التخدُّر والسبات أهملوه ونبذوه ..

 

 

ولو أنني أردت امتحان  الأقوياء من الرجال لما تركتهم فترات في مكان مغلق يقضون فيه ساعات فراغهم ، فمن صبر عى هذه الساعات فهو  رجل ملآن بقوة  الفكر وقوة الخلق وقوة الاحتمال ، ومن لم يصبر عليها فهو الفارغ الذي لا خير  فيه...   

 

 

ماذا نتعلم من ساعات الفراغ

 

 

نتعلم منها كل شئ ولا نتعلم  شيئا من الحوادث أو الكتب أو الأعمال، إلا احتجنا بعده أن نتعلمه مرة أخرى في وقت  فراغ .. فالمعارف التي نجمعها من التجارب  والكتب محصول نفيس ، ولكنه محصول لا يفيدنا ما لم نغربله ونوزعه على مواضعه من  خزائن العقل والضمير ..  ولن تتيسر لنا هذه  الغربلة وهذا التوزيع في غير أوقات الفراغ ..

 

 

إن معارف التجربة والإطلاع  زرع في حقله ينتظر الحصاد والجمع والتخزين ، ولا فائدة للحرث والسقي والرعاية ما لم تأت بعد ذلك ساعة التخزين...

 

 

وهي ســـاعة الفراغ

 

 

ساعة هي أَلْزم لنا من  ساعات العمل، لأن العمل كله موقوف عليها في النهاية، فلا ثمرة لأعمال الحياة بغير  فراغ الحياة. ولولا أننا نخشى أن يُقدّس الناس الفراغ لقلنا  أن تاريخ الانسانية من أوله إلى عهده الحاضر مَدينٌ لساعات الفراغ. 
لقد عرف التاريخ  الإنساني أقواما فارغين جَنَوا عليه بفراغهم أشنع الجنايات ودفعوا به إلى الحرب  تارة وإلى الفتنة تارة أخرى لأنهم وجدوا أمامهم متسعا من الفراغ يعيشون فيه. ولكننا – حتى مع هذا – لا  نستغني عن ثمرات ذلك الفراغ جميعا دون أن نجازف بالجانب الصالح النافع من تاريخ  الإنسان .

ماذا يبقى من تاريخ الانسانية لولا الفارغون الذين اتسعت أوقاتهم للبذخ والترف بين الحلي والحلل في ظلال القصور؟ 
من كان يجوب الأرض ويمخر  عباب البحر ليجلب الحرير والبهار والحجر النفيس والحجر الذي تبنى به الصروح؟

 

 

من كان يتعلم الملاحة؟

 

 

من كان يتعلم صناعة السفن؟ من كان يتعلم النسيج؟ من كان يستخرج اللآليء أو يبحث عن  شذور الذهب والفضة؟ من كان يرسل القوافل ويحذق فنون التجارة ؟ من كان يرصد النجوم ويدرس حركة الأفلاك في السماء؟

 

 

من كان يعرق هذه الأعمال

 

 

التي يعيش عليها الملايين لولا ذلك الفراغ الذي تقدم به الزمن في تواريخ الأمم؟

 


لقد  كان فراغا ذميما في  أكثر نواحيه ، ولكنه على مذمته قد أفادنا درسا خالدا لا يصح أن ننساه . ذلك الدرس  الخالد هو حاجة الناس جميعا إلى أوقات الفراغ، فهي شيء لا غنى عنه في حياة أمة ولا  في حياة أحد .. وحبذا قضاء الفراغ كله  فيما هو خير. ولكننا إذا خيرنا بين الفراغ بين الفراغ بخيره وشره  وبين ضياع الفراغ كله لاخترنا أهون الشرَّيْن.


إن العقلاء من أصحاب الأعمال يطلبون اليوم  متسعا من الفراغ لعمالهم بعد أن كان طلب الفراغ مقصورا على العمال.

 

فالعامل الذي يتسع وقته  للرياضة ينشط في عمله بعد عودته إليه..

 

 

والعامل الذي ينفق بعض  الوقت ينفق بعض المال فتدور الحركة – حركة البيع والشراء في الأســـواق.

 

 

حسبة من حساب الحرص لا من  حساب الإسراف , وحسبة يرضى عنها علم الاقتصاد ولا يرضى عليها علم الأخلاق .

 

 

لا بد من فـــراغ ...

 

ولا بد من فراغ نحفظه... والفراغ الذي نحفظه هو الذي  يحفظنا , لأننا نستخلص فيه خير ما ندخره من غربلة التجارب والمعارف والعِضات.



الكلمات المفتاحية:


#أوقات-الفراغ #عباس-العقاد


تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

اقرأ أيضا

صحبة البطالين | مرابط
اقتباسات وقطوف

صحبة البطالين

مقتطف ماتع لابن الجوزي رحمه الله يتحدث فيه عن قيمة الوقت وعن حياة البطالين وصحبتهم وكيف أنه يحاول الهروب منهم ومن لقائهم بشتى الطرق حتى إذا وجد أنه لا مفر جهز بعض الأعمال البسيطة التي لا تحتاج إلى جهد ولا فكر ولا حضور قلب ليقوم بها في أوقات حضورهم فلا يضيع وقته معهم ولا يستمع إلى أحاديثهم التي لا تخلو من غيبة

بقلم: ابن الجوزي
1696
العنصرية الأمريكية ضد العرب 2 | مرابط
اقتباسات وقطوف

العنصرية الأمريكية ضد العرب 2

مقتطف من كتاب الحروب الهمجية يتحدث فيه الكاتب عن الرؤية الأمريكية للعرب والتي تقوم على العنصرية أو التعصب إذ يعد هذا هو المحرك الأبرز في التعامل مع كافة الأحداث ومن هنا توصف أعمال العنف التي يرتكبها الأمريكان أو إسرائيل على أنها دفاع عن النفس بينما أي عنف يرتكبه العرب يقع تحت وصف الإرهاب

بقلم: ستيفن سالايتا
63
المعصية تورث الذل | مرابط
اقتباسات وقطوف

المعصية تورث الذل

يظن كثير من المسلمين أن المعاصي لا تترك أثرا على نفس المسلم وهذا الظن يدفع يهون المعصية في قلوب الناس بشكل عام والحقيقة على خلاف ذلك تماما فالمعاصي لها آثار قاتلة إذا لم ينتبه إليها المسلم ومن هذه الآثار أنها تورث الذل وبين يديكم مقتطف من كتاب الداء والدواء حول الأمر

بقلم: ابن القيم
129