لماذا نصلي يا أبي

لماذا نصلي يا أبي | مرابط

الكاتب: د خالد بن منصور الدريس

234 مشاهدة

تم النشر منذ 9 أشهر

من الأمور التي يتهاون بها كثير منا؛ الإجابة بأسلوب مقنع عن أسئلة الأطفال الدينية خاصة في مسائل الإيمان، ولبروفسور الرياضيات المسلم "جيفري لانغ" إجابة لطيفة عقلانية ميسرة عن سؤال: لماذا نصلي؟ قد تناسب بعض الأطفال الذين فطروا على كثرة الأسئلة.

أبي.. لماذا نصلي؟

يذكر "جيفري لانغ" أن ابنته "جميلة" ذات السنوات الثمان سألته مرة بعد أن أديا معًا صلاة الظهر: "لماذا نصلي يا أبتي؟"، ويذكر أنه دُهش لسؤالها، ثم قال لها: "نصلي؛ لأن الله يريدنا أن نصلي"، قالت: "ولكن لماذا يا أبي! فماذا يمكن للصلاة أن تفعله؟".

يقول "لانغ": لم أرد أن أضيع الفرصة بمشاركتها رأيها عن تجربة الصلاة ومزاياها الحميدة، قلت لها: "حبيبتي تعلمين أن الله هو مصدر كل المحبة والرحمة والحكمة، وهو مصدر كل الجمال الذي نعيشه ونشعر به. فكما أن الشمس هي مصدر الضوء الذي نبصر من خلاله في النهار، كذلك فإن الله هو مصدر كل هذه الخصال بل أكثر من ذلك بكثير.

وهكذا فالحب الذي أشعر به حيالك أنت وأمك وأختيك هو الحب الذي منحني الله إياه، ونحن نعلم أن الله رؤوف رحيم، وعندما نصلي فإننا نشعر بمحبة الله ورحمته بطريقة خاصة جدًا، وهي الطريقة الأكثر قوة. فمثلًا تعلمين أنني وأمك نحبك وذلك من خلال اهتمامنا بك، ولكن عندما نحتضنك ونقبلك فإن بمقدورك أن تشعري بمدى حبنا لك. وبطريقة مماثلة نحن نعلم بمحبة الله لنا ورحمته بنا من خلال حفظه لنا، وعندما نصلي فإننا نستطيع أن نشعر بمحبته بطريقة خاصة وحقيقية جدًا".

 

هل صلواتك تجعلك أبًا أفضل؟

سألتني ثانية: "ولكن هل الصلاة تجعل منك أبًا أفضل بالنسبة إلينا؟"

قلت لها: "أتمنى ذلك، وأحب أن يكون ذلك؛ لأنك عندما تشعرين بمحبة الله لك ورأفته بك من خلال الصلاة، ويا له من شعور جميل وقوي -أقصد الحب- تشعرين بالحاجة أن تتقاسميه مع كل من هم حولك، وخاصة أسرتك!

أحيانًا وبعد يوم مضن من العمل أشعر بالإرهاق لدرجة أحب أن أخلو فيها بنفسي، ولكن إذا شعرت برحمة الله في صلاتي أنظر إلى أسرتي وأتذكر كيف أنكم نعمة أنعمها الله علي، ومن ثم أشعر بالغبطة والسرور لا لشيء إلا أنني والدكم وزوج أمكم، إنني لا أدعي أنني الوالد المثالي، ولكنني أشعر أنني لن أكون ذلك الوالد الطيب دون صلواتي، بل إن هذه الصلوات تجعل مني أبًا أفضل لكم. والآن هل تجدين يا بُنيتي في إجابتي معنى لسؤالك؟"

ردت جميلة: "أظن أنني أفهم ما تعنيه يا أبتي" ثم عانقتني قائلة: "وأنا أحبك يا أبي". (حتى الملائكة تسأل ص 238-240 بتصرف).

قلتُ في مناسبة سابقة: يجب ألا ننزعج من أسئلة الأطفال المتعلقة بالخالق سبحانه أو بأصول الدين الأخرى، فهي دليل قوي على أن فطرة الإيمان قد تحركت في قلوبهم، فعلينا ألا نقمع تلك الأسئلة بل نرحب بها ونجتهد في تسهيل الأجوبة وتيسيرها بطريقة مناسبة لأعمارهم، وقد نوهت بأن المؤلفات في هذا المجال نادرة جدا، وبعد البحث لم أجد إلا كتابًا واحدًا للدكتور بسام العموش، اعتنى فيه بمساعدة الوالدين والمعلمين في الإجابة عن أسئلة الأطفال العقائدية، وهو جهد مشكور رائد، يستحق أن يطور بمشاركة أساتذة من تخصصات شرعية و تربوية ونفسية؛ ليسهل تعميمه عبر منافذ الإعلام المتعددة، بل حتى على المقررات الدراسية الدينية المخصصة للأطفال، التي لم تزل للأسف تنقصها الكفاءة العصرية المطلوبة.

 

نحتاج بشدة إلى الصلاة!

عندما استعرض "لانغ" أول صلاة صلاها في حياته بعد اعتناقه للإسلام، سجل هذه الانطباعات المهمة وعلينا أن نتذكرك أن المتكلم هنا كان ملحدًا لا يؤمن بوجود الله ويرفض الأديان، فلنقرأ بتركيز وهدوء هذه الكلمات العميقة من شخص خاض تجربة بروفسور أمريكي تحول من الإلحاد إلى الإسلام: "سرت في جسدي موجة من البرد أخذت تشع في مكان ما من صدري، وانتابتني قشعريرة، شعرتُ وكأن الرحمة قد حلت بي لتغمرني حالة من الروحانية والسكينة. انهمرت الدموع فوق وجنتي ووجدت نفسي أبكي بلا توقف، وكلما ازداد بكائي شعرت بقوة هائلة من الرقة والعطف تعانقني، كأن سدًا كبيرًا قد انهار ليفيض منه مخزون هائل من الخوف والغضب، إن رحمة الله تتجاوز مسألة غفران الذنوب لتشتمل على تطهير النفس وغرس السكينة فيها. وعندما توقفت عن البكاء أخيرًا كنت مرهقًا تمامًا، وأدركت أني كنتُ بحاجة ماسة إلى الله وإلى الصلوات"

وقبل أن ينهض بعد تلك الصلاة الأولى توجه إلى الخالق سبحانه بهذا الدعاء المؤثر: "يا رب إذا ما جنحتُ مرة ثانية إلى الكفر بك.. اللهم أهلكني قبل ذلك.. لا أطيق العيش ولو ليوم واحد وأنا منكر لوجودك" (الكتاب السابق ص 234 باختصار).

إن الملحد يعلم يقينًا أن ما بينه وبين خالقه هو حاجز كبير شيده بنفسه، فما إن ينهار ذلك السد الآثم المتكبر المتعجرف إلا وسيجد مع انهياره أنهارًا من الرحمة والسكينة تروي صحراء روحه القاحلة، كغيمة جميلة تمطر في يوم ربيعي تُشبع الأرض بغيثها وترطب نسائم الهواء بنداها، حينها يستعيد الملحد نفسه من قبضة العدم والإنكار الكاذب، لحظتها ولحظتها فقط يكتشف معنى (الإشباع العاطفي)، الذي يجوع البشر إليه بشدة، لقد عبر "لانغ" تعبيرًا جميلًا عن تلك اللحظة الفارقة في حياته عندما صلى أول صلاة بعد إسلامه وابتهل إلى خالقه مقرًا بألوهيته في أول دعاء، هذا المشهد من الصعب جدًا علينا أن ننساه في قصة هذا البروفسور المسلم، نعم من الصعب جدًا أن يُنسى؛ لأنه المشهد المفصلي في القصة ونقطة التحول الكبرى.

 

الصلاة بوصلة المسلم!

يقول "لانغ": إذا كان الهدف الرئيس من حياتنا هو التقرب أكثر فأكثر إلى الله، فإن الصلاة جوهرية من أجل الوصول إلى ذلك الهدف، إنها بوصلة المسلم الروحية، من خلالها يتنبه لتقلباته الإيمانية، إن الصلوات الخمس تعين المسلم على قياس نمائه في الإيمان؛ لأنها مقياس رئيس يومي لدرجة خضوع المؤمن لربه، إن النهوض من الفراش قبل الفجر لأداء الصلاة كل يوم يتطلب تصميمًا كبيرًا، وفي هذا امتحان وتحد لقوة إرادة المسلم وضبطه لنفسه. (الكتاب السابق ص 235 باختصار).

 

المتلذذ بصلاته.. يستنشق عبير الجنة!

ويسطر "لانغ" عبارات أخاذة في وصف مشاعر المسلم حين يستلذ بصلاته، فيقول: "خلال الصلاة هناك لحظات من الحقيقة والإخلاص والصدق والتواضع، ويدرك المسلم من خلالها نور الله وواسع رحمته، إنها مشاعر رائعة الجمال تزيد المسلم تواضعًا، إنها مشاعر من النشوة، ذلك أنك عندما تسجد على الأرض تشعر فجأة كأنك رُفعت إلى الجنة؛ لتتنفس من هوائها، وتشتم تربتها، وتتنشق شذى عبيرها، إنها لحظات من الحب المقدس تغرس في المتعبد شوقًا عارمًا كي يكون قريبًا من الله، وتصبح الآخرة هي هدفه الأساس.

إن حرص المسلمين على صلواتهم؛ لأنهم بحاجة ماسة لها فهي المصدر الأساس لغذائهم الروحي ووسيلتهم الأقوى للتواصل مع الله، فالمسلم الملتزم لا يستطيع أن يخاطر ولو بصلاة واحدة؛ لأنه يعلم أن نمو مركزه الروحي –القلب– يكمن في قدرته على الأداء المستمر والثابت لشعيرة الصلاة، فهي تذكره بهدفه في الحياة، وتعينه على بناء قوته الداخلية.

 

كنتُ كرضيع يستمع لصوت أمه!

وفي عبارات خاشعة تترجم الأحاسيس المخبتة، يقول "لانغ": "في الأيام التي تلت إسلامي كنت أحضر صلاة الجماعة مواظبًا بشكل خاص على الفجر والمغرب والعشاء؛ لأنه يُجهر بقراءة القرآن فيها.

وسألني أحد المسلمين: لماذا تجهد نفسك للمجئ لاسيما وأن القراءة بلغة عربية لا تفهمها؟

فأجبته على نحو فطري بسؤال آخر: لماذا يسكن الطفل الرضيع ويرتاح لصوت أمه؟ صحيح أنه لا يفهم كلماتها، لكن صوتها مألوف له ويُشعره بالسكينة، لقد مرت بي لحظات كنت أتمنى فيها أن أعيش تحت حماية ذلك الصوت للأبد" (الصراع من أجل الإيمان ص 119-120).

هذه المعاني لا يعرف قيمتها ويشعر بها إلا الذين (استلذوا بصلواتهم)، أما الذين لم يعرفوا معنى (أرحنا بها يا بلال) وكانت صلواتهم من قبيل (أرحنا منها) فلن يفهموا هذا الكلام أبدًا أبدًا بل ربما استخفوا به لجهلهم.

إن الذين ذاقوا فعرفوا، سيجدون لكلمات "لانغ" أهمية، أما من لم يذوقوا (لذة الصلاة)؛ فهم عن هذه المعاني محجوبون.

ومن لم يشرب من نهر اللذة الروحية، ولم يستطعمه يومًا في حياته، فأنّى له أن يفهم.. وأنّى له أن يعلم!

هذه المعاني فوق العبارات، بل نطاقها في فضاء ما وراء الكلمات، هي أشياء تعانق الأحاسيس وتُختزن في الخبرات المُدركة، هي تجربة محسوسة لا يمكن أن يتصورها أو يستشعرها إلا من عاشها.

فإن كنتَ ممن لم يختبر هذه اللذة من قبل، فأنت لست حيًا روحيًا!

كما قال القائل: إذا كنا نحيا بالروح، فعلينا أن نسلك طريق الروح!

اللهم إنا نسألك أن تُحيي أرواحنا بذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وألا تجعلنا ممن ماتت "روح" روحه فنسي ربه ونفسه

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#الصلاة
اقرأ أيضا
ابن تيمية وحياته الحافلة بالعطاء الجزء الأول | مرابط
تفريغات

ابن تيمية وحياته الحافلة بالعطاء الجزء الأول


سيبقى التراث الذي تركه لنا شيخ الإسلام ابن تيمية نبراسا للعلم نلتمس منه سبل الحق ونهتدي به في ظلمات الليل فحياة الرجل كانت رحلة مليئة بالعطاء والبذل دافع فيها عن دين الإسلام ونافح عن الوحي القرآن والسنة ولم يترك بابا ليلجه أهل الأهواء والباطل إلا وسده عليهم ورد عليهم سهامهم وانتصر لمذهب أهل السنة والجماعة وبين يديكم تفريغ لجزء من محاضرة هامة للشيخ الحويني يقف فيها على شخصية شيخ الإسلام وحياته وبذله

بقلم: أبو إسحق الحويني
283
الحضارة المتبرجة | مرابط
فكر مقالات

الحضارة المتبرجة


ولولا هذا التبرج الفاجر في هذه المدنية ولولا هذه الشهوات التي انطلقت تشرف من مسكرات الفن المتبرج ولولا هذه الغرائز الجامحة في طلب السيطرة لإدراك غاية اللذة لما كان النظام الاقتصادي الحاضر في هذه المدنية هكذا مهدما مستعبدا مستأثرا باغيا ولما تعاندت القوة الدولية هذا التعاند الذي أفضى بالعالم إلى الحرب الماضية ثم إلى هذه الحرب المتلهبة من حولنا اليوم وذلك في مدى خمسة وعشرين عاما لم يستجمع العالم خلالها قوته ولم يتألف ما تفرق إلا ليضيع قوته مرة أخرى ويتفرق

بقلم: محمود شاكر
1595
فضل علم النحو | مرابط
تفريغات لسانيات

فضل علم النحو


وعلم النحو علم شريف عظيم ولا يمكن لطالب علم أن يطلب العلم من دونه كأن يطلب العلم والنحو ولا يجد في طلبه لأنه من علوم الآلة فهذا لا بد أن يعض عليه بالنواجذ حتى وإن انتهى مثلا من الآجرومية وما بعدها من تكملة الآجرومية لأن الأهم هو أن يستقيم لسانه وأن يعقل عن الله مراده وكذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

بقلم: محمد حسن عبد الغفار
88
من محاسن الفتوى | مرابط
اقتباسات وقطوف

من محاسن الفتوى


عندما جاء رجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يسأله: إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ به فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: هو الطهور ماؤه الحل ميتته فأجابه صلى الله عليه وسلم على سؤاله بقوله الطهور ماؤه ولكنه وزاد بأن قال الحل ميتته فما دلالة ذلك

بقلم: محمد بن إسماعيل الصنعاني
1082
من آثر الدنيا واستحبها | مرابط
اقتباسات وقطوف

من آثر الدنيا واستحبها


كل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها فلا بد أن يقول على الله غير الحق في فتواه وحكمه في خبره وإلزامه لأن أحكام الرب سبحانه كثيرا ما تأتي على خلاف أغراض الناس ولا سيما أهل الرياسة والذين يتبعون الشبهات فإنهم لا تتم لهم أغراضهم إلا بمخالفة الحق ودفعه كثيرا فإذا كان العالم والحاكم محبين للرياسة متبعين للشهوات لم يتم لما ذلك إلا بدفع ما يضاده من الحق

بقلم: ابن القيم
376
ذكر ما يصدأ به القلب | مرابط
اقتباسات وقطوف

ذكر ما يصدأ به القلب


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه فذلك الران الذي ذكر الله عز وجل في كتابه كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون وقال حذيفة إذا أذنب العبد نكت في قلبه نكتة سوداء فإذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء حتى يصير قلبه كالشاة الربداء

بقلم: ابن الجوزي
288