باب الصفات: بين عقيدة السلف وتحريف الجهمية

باب الصفات: بين عقيدة السلف وتحريف الجهمية | مرابط

الكاتب: عبد الله القرني

50 مشاهدة

تم النشر منذ 3 أشهر

قال الإمام الترمذي في جامعه في باب ما جاء في فضل الصدقة:
٦٦٢ - حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا عباد بن منصور، قال: حدثنا القاسم بن محمد، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد، وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: ﴿هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات﴾، و﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾.
هذا حديث حسن صحيح.. وقد روي عن عائشة، عن النبي ﷺ نحو هذا.

وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد تثبت الروايات في هذا ويؤمن بها ولا يتوهم ولا يقال: كيف؟

هكذا روي عن مالك، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا تشبيه.

وقد ذكر الله عز وجل في غير موضع من كتابه اليد والسمع والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إن معنى اليد هاهنا القوة.

وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد، أو مثل يد، أو سمع كسمع، أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع، أو مثل سمع، فهذا التشبيه.

وأما إذا قال كما قال الله تعالى يد، وسمع، وبصر، ولا يقول كيف، ولا يقول مثل سمع، ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيها، وهو كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾.

وما قرره الإمام الترمذي هنا وحكاه عن علماء أهل السنة من إثبات صفات الله تعالى وعدم التعرض لكيفيتها مع تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات فهو الحق الذي تلقوه عمن قبلهم من سلف الأمة، وإنما يكون أثباتها مع العلم بمعانيها، وأما دعوى اثبات الصفة دون العلم بمعناها فقول متناقض مضطرب لا يحتمله منهج السلف، ولا تأتي به اللغة، ولا يقوم بعقل عاقل.

وهذا يكشف حقيقة المباينة بين ما كان عليه العلماء المتبعون للسنة والأثر وبين ما أحدث في الأمة من تلبيس الجهمية الذي ينتهي إما إلى تحريف معاني هذه الصفات بالتأويلات المنكرة التي حكى الإمام الترمذي بعضها، وإما إلى تفويض معانيها حتى تنتفي معارضتها لما يدعونه من المقدمات العقلية.

فما يشيعه بعضهم هذه الأيام من دعوى التلازم بين إثبات معاني هذه الصفات وبين التجسيم فلا جديد فيه، وإنما هو بعث لتلبيسات الجهمية التي حكاها الإمام الترمذي عنهم، ويلزمهم أن تكون النصوص الواردة في هذا الباب قد جاءت بما يناقض القواطع العقلية، وأنها توقع في إشكالات وضلالات لا يمكن التخلص منها إلا بإنكار معانيها الظاهرة.

والنقاش مع وارثي تلبيسات الجهمية ينبغي أن يؤكد على التباين في أصل المنهج ومصدر التلقي، وأنهما طريقان مسلوكان لا جديد فيهما، إما الإثبات على الوجه الذي أجمع عليه أهل السنة، وإما التعطيل الذي هو في الأساس نتيجة شبهات فلسفية حاصلها أن الإله لابد أن يكون مجردا عما يلزم منه التعين، ثم تسربت هذه الشبهة المنكرة إلى علماء الكلام فقرروها وناقضوا بها الوحي المعصوم، وأحدثوا في الأمة فتنة لا تزال تبعث في كل عصر، ويتكرر معها التشنيع على ما يسمونه التجسيم الذي لا معنى له على الحقيقة إلا نفي التعين.

وما أغرب أن ينتهي هؤلاء إلى مثل القول بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه، وأن الله يرى لا في جهة، وأن الله يتكلم بكلام قائم بنفسه غير مسموع، ونحو ذلك مما هو في غاية التناقض والاضطراب، فأين ما يدعونه من الالتزام بالقواطع العقلية مع أن حاصل منهجهم على الحقيقة هو الجمع بين مناقضة العقل والنقل.

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#الجهمية #الأسماء-والصفات
اقرأ أيضا
الإلحاد وسؤال الإرادة الحرة | مرابط
فكر مقالات الإلحاد

الإلحاد وسؤال الإرادة الحرة


من الملاحظات التي يمكن رصدها في كثير من الكتابات الإلحادية الحديثة أنها تتبنى رؤية جبرية مغالية في تفسير وقوع الأفعال الإنسانية ففكرة الإرادة الحرة وهم والإنسان في حقيقته مجبور على أفعاله وإن أحس أنه مختار لها أو كما عبر بعض الجبرية في الكتابة التراثية: الإنسان مجبور في صورة مختار

بقلم: عبد الله بن صالح العجيري
2236
فأووا إلى الكهف | مرابط
اقتباسات وقطوف

فأووا إلى الكهف


وقفة تدبرية مع سورة الكهف وتحديدا قصة أصحاب الكهف ويقف بنا الشيخ محمد علي يوسف عند لحظة اللجوء إلى الكهف كيف لهذا المكان الموحش أن يمثل المأوى وهو الذي تلجه الضواري والهوام ووحوش البرية كيف يمثل المأوى وهو بدون أبواب موصدة ولا مرافق

بقلم: محمد علي يوسف
257
من أخلاق الكبار: ابن هبيرة | مرابط
تفريغات

من أخلاق الكبار: ابن هبيرة


ترفعوا أيها الإخوة وارتفعوا إلى أعلى وحلقوا النفس يجذبها الطين فتجردوا من الأهواء والحظوظ النفسانية هذا في مسائل العلم أما في أمور المعاش والعلاقات الاجتماعية والتجارية وغير ذلك مما يعايشه الإنسان صباح مساء ولا بد أن يجد فيه ما يجد من تقصير في حقه ومظلمة وإساءة وكلمة لربما لا يتحملها كثير من الناس فكيف يصنع؟ اسأل نفسك أنت ولا تبحث في ذهنك وتذهب إلى إنسان آخر اسأل نفسك ما موقفك حينما يبلغك أن فلانا من الناس يتكلم في حقك ويقع في عرضك كيف تصنع؟

بقلم: خالد السبت
81
معركة الحجاب الجزء الأول | مرابط
أباطيل وشبهات تعزيز اليقين تفريغات المرأة

معركة الحجاب الجزء الأول


يبدو أن هدم الأسرة المسلمة يأتي ضمن أولويات أعداء الدين فالأسرة هي اللبنة الأولى في المجتمع وهي التي تخرج للأمة الإسلامية أجيال النصر والبناء ولما كان استهداف الأسرة ضمن أهم الأولويات حاول أولياء الشيطان أن يفسدوا المرأة بأي شكل ممكن وقضية الحجاب من ضمن القضايا التي أثيرت في عالمنا العربي بإيعاز داخلي وخارجي أرادوا جميعا نزع الحجاب عن المرأة والحط من شأنه وإجبار النساء على السفور والتبرج والانحلال حتى يفسد ركن هام من أركان الأسرة وفي هذه المحاضرة للشيخ محمد صالح المنجد استعراض للقضية

بقلم: محمد صالح المنجد
1938
المدرسة العقلانية المعاصرة | مرابط
فكر تفريغات

المدرسة العقلانية المعاصرة


الآن نتكلم على قضية الذين يقدمون آرائهم على الكتاب والسنة وبالذات من المعاصرين يعني ما يسمى بالمدرسة العقلانية المعاصرة طبعا ينتمي إلى هذه المدرسة عدد من المعاصرين استطاعوا أن يقعدوا لها قواعد ويضعوا الأصول الخاصة بهم وبالطبع درجات انحرافهم متباينة ومتفاوتة وهذا ما سنعرفه

بقلم: محمد صالح المنجد
2039
المدخل إلى فهم إشكالات ما بعد السلفية ج2 | مرابط
مناقشات

المدخل إلى فهم إشكالات ما بعد السلفية ج2


حين أخبرني الشيخ أحمد سالم عن كتاب ما بعد السلفية وكان يتوقع رفضا واسعا للكتاب أبديت مخالفتي لهذا التوقع وأن مثل هذا النقد سيكون متقبلا عند التيار الأوسع من السلفيين كنت أرى أن مثل هذا النقد من كاتبين فاضلين سيكون له أثر إيجابي لحظة ما وصلني الكتاب بدأت متلهفا بقراءته قرأته بشكل دقيق فاحص شعرت بعد الانتهاء منه أنني كنت ساذجا جدا حين ظننت أن مثل هذا النقد سيحدث أثرا إيجابيا أو من الممكن أن تتقبله أكثر النفوس أو أن يكون الفضاء الذي سيحدثه فضاء صحيا السبب هو في الروح التي كتب بها هذا النقد وحك...

بقلم: فهد بن صالح العجلان
714