دلالة آيات العتاب على مصدرية القرآن

دلالة آيات العتاب على مصدرية القرآن | مرابط

الكاتب: محمد عبد الله دراز

1808 مشاهدة

تم النشر منذ سنة

ملخص: آيات العتاب الواردة في القرآن الكريم وتحليلها يثبت بشكل قاطع أن القرآن الكريم ليس من عند محمد صلى الله عليه وسلم كما ادعى أولياء الشيطان، وإنما هو وحي من عند الله، وفي هذا المقال المقتطف، للدكتور محمد عبد الله دراز، تحليل وتفصيل لآيات العتاب ودلالتها على مصدرية القرآن..

 

يقول الدكتور محمد عبد الله دراز:

 

و[حوادث] أخرى كان يجيئه -أي الرسول صلى الله عليه وسلم- القول فيها على غير ما يحبه ويهواه، فيخطّئه في الرأي يراه، ويأذن له في الشيء لا يميل إليه، فإذا تلبث فيه يسيرًا تلقّاه القرآن بالتعنيف الشديد، والعتاب القاسي، والنقد المُر، حتى في أقل الأشياء خطرًا ..

 

"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ"

"وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ"

"عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ"

"مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ"

"مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ"

"أَمَّا مَنِ استغنى فَأَنتَ لَهُ تصدى وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يزكى وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى"

 

أرأيت لو كانت هذه التقريعات المؤلمة صادرة عن وُجدانه، معبرة عن ندمه ووخز ضميره حين بدا له خلاف ما فرط من رأيه.. أكان يعلنها عن نفسه بهذا التهويل والتشنيع؟ ألم يكن له في السكوت عنها ستر على نفسه، واستبقاء لحرمة آرائه؟ بلى إن هذا القرآن لو كان يفيض عن وجدانه لكان يستطيع عند الحاجة أن يكتم شيئًا من ذلك الوجدان، ولو كان كاتما شيئًا لكتم أمثال هذه الآيات، ولكنه الوحي لا يستطيع كتمانه "وما هو على الغيب بضنين"

 

العتاب في آية الأنفال

 

وتأمل آية الأنفال المذكورة، تجد فيها ظاهرة عجيبة، فإنها لم تنزل إلا بعد إطلاق أسارى بدر وقبول الفداء منهم، وقد بدئت بالتخطئة والاستنكار لهذه الفعلة، ثم لم تلبث أن ختمت بإقرارها وتطييب النفوس بها، بل صارت هذه السابقة التي وقع التأنيب عليها هي القاعدة لما جاء بعدها، فهل الحال النفسية التي يصدر عنها أول هذا الكلام -لو كان عن النفس مصدره- يمكن أن يصدر عنها آخره ولما تمض بينهما فترة تفصل بين زمجرة الغضب والندم وبين ابتسامة الرضا والاستسحان؟

 

كلا، وإن هذين الخاطرين لو فرض صدورهما عن النفس متعاقبين لكان الثاني منهما إضرابا عن الأول ماحيا له، ولرجع آخر الفكر وفقا لما جرى به العمل، فأي داع دعا إلى تصوير ذلك الخاطر الممحو وتسجيله على ما فيه من تقريع علني بغير حق؟ وتنغيص لهذه الطعمة التي يراد جعلها حلالا طيبة؟ إن الذي يفهمه علماء النفس من قراءة هذا النص أن -ها هنا- ألبتة شخصيتين منفصلتين، وأن هذا صوت سيد يقول لعبده: لقد أسأت، ولكني عفوت عنك وأذنت لك.

 

وأنت لو نظرت في هذه الذنوب التي وقع العتاب عليها لوجدتها تنحصر في شيء واحد، وهو أنه عليه السلام كان إذا ترجح بين أمرين ولم يجد فيهما إثما اختار أقربهما إلى رحمة اهله وهداية قومه وتأليف خصمه، وأبعدهما عن الغلظة والجفاء، وعن إثارة الشبه في دين الله، لم يكن بين يديه نص فخالفه كفاحا، أو جاوزه خطأ ونسيانا، بل كل ذنبه أنه مجتهد بذل وسعه في النظر، ورأى نفسه مخيرا فتخير، هبه مجتهدا أخطأ باختيار خلاف الأفضل.. أليس معذورا ومأجورا؟ على أن الذي اختاره كان هو خير ما يختاره ذو حكمة بشرية وإنما نبهه القرآن إلى ما هو أرجح في ميزان الحكمة الإلهية.

هل ترى في ذلك ذنبا يستوجب عند العقل هذا التأنيب والتثريب؟ أم هو مقام الربوبية ومقام العبودية وسنة العروج بالحبيب في معارج التعليم والتأديب؟

 

الصلاة على المنافين

 

توفي عبد الله بن أبي كبير المنافقين، فكفنه النبي في ثوبه، وأراد أن يستغفر له ويصلي عليه، فقال عمر، رضي الله عنه، أتصلي عليه وقد نهاك ربك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إنما خيرني ربي، فقال "استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة" وسأزيده على السبعين، وصلى عليه..

فأنزل الله تعالى "ولا تصلي على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره" فترك الصلاة عليهم -اقرأ هذه القصة الثابتة برواية الصحيحين وانظرا ماذا ترى؟- إنها لتمثل لك نفس هذا العبد الخاضع وقد اتخذ من القرآن دستورًا يستملي أحكامه من نصوص الحرفية، وتمثل لك قلب هذا البشر الرحيم وقد آنس من ظاهر النص الأول تخييرا له بين طريقين فسرعان ما سلك أقربهما إلى الكرم والرحمة، ولم يلجأ إلى الطريق الآخر إلا بعد ما جاءه النص الصريح بالمنع.

 

وهكذا كلما درست مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن في هذه المواطن أو غيرها تجلى لك فيه معنى العبودية الخاضة ومعنى البشرية الرحيمة الرقيقة؛ وتجلى لك في مقابل ذلك من جانب القرآن، معنى القوة التي لا تتحكم فيها البواعث والأغراض بل تصدع بالبيان فرقانا بين الحق والباطل، وميزانا للخبيث والطيب، أحب الناس أم كرهوا، رضوا أم سخطوا، آمنوا أم كفروا؛ إذ لا تزيدها طاعة الطائعين ولا تنقصها معصية العاصين، فترى بين المقامين ما بينهما.. وشتان بين سيد ومسود، وعابد ومعبود.

 


 

المصدر:

  1. د. محمد عبد الله دراز، النبأ العظيم، ص 96
تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.
اقرأ أيضا
الزواج وطلب العلم | مرابط
اقتباسات وقطوف

الزواج وطلب العلم


مقتطف من كتاب إلى الجيل الصاعد للكاتب أحمد يوسف السيد يناقش فيه معضلة طلاب العلم حيث يعتقد البعض أن الزواج سيكون عائقا أمام رحلة الطلب أو أن الوقت سيكون ضيقا ومن هنا يقرر البعض تأخير الزواج لكن الحقيقة عكس ذلك تماما

بقلم: أحمد يوسف السيد
189
الصفات المعينة على الفتوى أو الحكم | مرابط
اقتباسات وقطوف

الصفات المعينة على الفتوى أو الحكم


مقتطف من كتاب إعلام الموقعين لابن القيم يعرض لنا فيه نوعين من الفهم لا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بهما وهما فهم الواقع ثم فهم الواجب في الواقع وفي المقتطف شرح للنوعين مع التدليل بالأمثلة العملية التي توصل الغاية والمراد من كلامه رحمه الله

بقلم: ابن قيم الجوزية
766
الانقياد المشروط | مرابط
فكر مقالات

الانقياد المشروط


اعتاد كثير من ذوي التوجهات المنحرفة عن النص الشرعي أن يقلب في كتب الفقهاء أو يستفيد من التقنية الحديثة لاستخراج الأقوال والاختيارات الفقهية القديمة والحديثة التي يرونها تتفق مع بعض رؤاهم ليصنعوا من أجزائها زورقا آمنا لتجاوز أمواج الاعتراض والنكير التي لا تزداد نحو عبثهم إلا دفعا وتصاعدا وقف بعدها يشير بطرف عينه إلى كل من يذكره بقول الله وقول رسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن فلانا يرى كذا وأنه يرى رجحان اختيار فلان وأن المسألة فيها اختلاف فلا يصح التضييق على الناس ما دام في المسألة خلاف لأحد...

بقلم: فهد بن صالح العجلان
316
الانفعالات وتكوين النفس البشرية | مرابط
تفريغات ثقافة

الانفعالات وتكوين النفس البشرية


هل الصحيح أن يكون الإنسان منفعلا أو لا يكون منفعلا؟ الصحيح أن يكون منفعلا لأن الشخص الذي لا ينفعل أبدا ولا تهزه الحوادث إما أن يكون مجنونا لا يعي ما حوله أو أنه مدمن مخدرات مثلا فهو مصاب بتغليف لذهنه ومخه وقلبه فلا يحس بشيء ولكن المهم الآن أن نعرف متى تكون الانفعالية إيجابية ومتى تكون الانفعالية سلبية

بقلم: محمد صالح المنجد
44
لماذا لا يعيش الغربيون معيشة ضنكا؟ | مرابط
أباطيل وشبهات

لماذا لا يعيش الغربيون معيشة ضنكا؟


يقولون: لماذا لا يعيش الغربيون معيشة ضنكا ألم يرد في القرآن الكريم قول الله ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى فأين الضنك في حياة الغربيين الذين لم يعرضوا فقط عن ذكر الله وإنما هم لم يؤمنوا أصلا بالإسلام والغرب اليوم على ما هو عليه من التقدم والتطور والسعة والرفاهية لماذا لم تتحقق فيه هذه الآية

بقلم: محمود خطاب
214
من جماليات الإسلام | مرابط
اقتباسات وقطوف

من جماليات الإسلام


من جماليات الإسلام إنه لا يكبت طاقة عندك أبدا كلما كبت شهوة أو منع محرم جعل تصريفها في مستحب تؤجر عليه! تأمل مثلا حين كبت شهوة اللسان وأمرك بحفظه كيف أتاح لك صرف الرغبة المحمومة في إطلاق لسانك باستحضار معية الله؟!

بقلم: محمد وفيق زين العابدين
61