ما هي مرتبة الحضارة في الوحي الإلهي؟

ما هي مرتبة الحضارة في الوحي الإلهي؟ | مرابط

الكاتب: إبراهيم السكران

41 مشاهدة

تم النشر منذ أسبوعين

بكل وضوح وصراحة، وبلا مجاملة ولا مداورة ولا التفاف .. "الحضارة" بالمعنى الشائع -والتي هي العلوم المدنية الدنيوية لخلق الرفاه البشري- هي قيمة ذات مرتبة تبعية في الوحي الإلهي, وليست الغاية ولا الأولوية الرئيسية أو القضية المركزية كما نحب أن نتظاهر بذلك, أعلم أن هذا الأمر يزعج الكثيرين, بل ويؤلمهم, لأنهم يريدون بالكثير من حسن النية كسب تعاطف النخب المثقفة تجاه الإسلام, لكن هذه هي الحقيقة.

إننا يجب أن نكسب انتماء الناس إلى الإسلام والقرآن والنبي محمد صلى الله عليه وسلم كما هم في ذاتهم, أي كما كانوا فعلًا لا كما جعلناهم نحن عبر عمليات إعادة التصنيع والتشكيل طبقًا لميول المستهلك, الإسلام في نسخته الحقيقية الصادقة لا الإسلام الذي يميل إلى سماعه المخاطبون, النبي محمد صلى الله عليه وسلم كما عاش فعلًا بين حرَّات طابة لا صورة النبي المصممة للذوق الفرانكفوني.

والشواهد وأوجه الدلالة التي تبرهن أن المدنية الدنيوية ذات قيمة ثانوية باعتبارها مجرد وسيلة لنصرة الإسلام وتحقيق شرائعه تابعة لهذا الهدف, وليست غاية في حد ذاتها أو مجالًا لمنافسة الشعوب والأمم في امتلاك الدنيا, هي شواهد تفوق الحصر.

مركزية الدنيا

لقد جاء القرآن بشكل واضح بتأسيس "مركزية الآخرة" في مقابل "مركزية الدنيا", هذا الأمر واضح في القرآن بشكل يخجلنا أن نورد شواهده, ولكننا كثيرًا ما نحب أن نتجاهل ذلك, ونتعسف في قلب هرم الاهتمامات القرآني.

تدفعنا كثيرًا محاولة إرضاء الآخرين إلى عرض القرآن باعتبار أن رسالته الأساسية "العمران المادي"! والحقيقة أننا نكذب على القرآن, ونضعه في موقع لم يأت ليضع نفسه فيه.

لا.. أبدًا.. لم يأت القرآن بألوية العمارة المادية, بل جاء لعكس ذلك تمامًا, جاء ليؤسس مركزية الآخرة في مقابل مركزية الدنيا, جاء القرآن ليحول الدنيا من "غاية" إلى مجرد "وسيلة".

بل إن بيان القرآن لخطر الدنيا في إضلال الناس عن الله أكثر من بيانه لوجوب عمرانها أصلًا, فالدنيا في التصور القرآني مجرد "وسيلة" خطرة يجب التعامل معها بحذر خوفًا من أن تجرفنا عن الحياة المستقبلية اللانهائية في الدار الآخرة.

المصلحة المؤبدة والمصلحة المؤقتة

إن أبرز مبادئ العقلانية تقديم المصلحة المؤبدة على المصلحة المؤقتة, ولذلك جاء القرآن بالتأكيد على هذه الحقيقة العقلية وتعزيز مقتضاها فقدم سعادة الآخرة الباقية المؤبدة على متعة الدنيا الفانية المؤقتة.

كثير من النخب المثقفة يشعر بالتبرم حين يسمع كلام القرآن في ذم الدنيا, لأنهم يخشون أن ينصرف الناس عن هذه الوسيلة فنبقى مجتمعًا ضعيفًا, وهذا نوع من الاستدراك على الله!

ولذلك كان وسيظل ينبوع الانحراف الثقافي بكل اختصار: الانبهار بالمظاهر المادية من عمران ومدنية وحضارة دنيوية, والزهد في مضامين الوحي من العلوم الإلهية وحقائق الإيمان والغيبيات ومعاملة الله سبحانه تعالى.

نماذج من الوحي

كثيرًا ما يشير القرآن إلى أن كل ما على هذه البسيطة من موارد وإمكانيات ليس المراد بها رفاه الجنس الإنساني, وإنما المراد بها ابتلاء الناس وامتحانهم هل يؤمنون ويقبلون على الله أم يعرضون عنه؟ كما قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف:7].

وكشف تعالى عن وظيفة المعايش المدنية والتمكين السياسي فقال سبحانه: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ} [الأعراف:10]

بل ويشير تعالى إلى عظمة هذا التمكين المدني وعمقه فيقول تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلاأَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} [الأحقاف:26]

فانظر كيف عرض الله سبحانه وتعالى "المعايش المدنية" باعتبارها "نعمة" من الله لابتلاء الناس, لا أنها هي المطلب الشرعي الرئيس, ثم يؤكد تعالى على الغاية الشعائرية والحسبوية من نعمة التمكين السياسي في موضع آخر فيقول سبحانه: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ} [الحج:41]

وحين يعرض الله الصورة الراقية للمؤمن يؤكد أنه ذلك الرجل الذي لا يشغله النشاط الاقتصادي عن الغاية الحقيقية العبادية, وأن الدنيا في يده لاتعظيم لها في قلبه, لأن نظره الحقيقي مربوط بلحظة لقاء الله, فيقول تعالى: {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُوَالأَبْصَارُ} [النور:37]

وينبه الله تعالى في مواضع كثيرة من الوحي على أن المنزلة والمكانة الحقيقية عند الله ليست بالمظاهر المدنية المادية, ولا بالإمكانيات الاقتصادية والديموغرافية, فقال سبحانه: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى} [سبأ:37]

وما ذلك كله إلا لتفاهة الممتلكات المادية في "ميزان الله" فهل يا ترى ستكون موازيننا تابعة لميزانه سبحانه وتعالى, أم ستكون لنا موازيننا الخاصة؟!

وقد كشف الله في مواضع كثيرة تفاهة هذه المظاهر المادية من وجوه متعددة, فلاتخلوا مجموعة من آيات القرآن إلا وفيها التنبيه على حقارة الدنيا وأنها مجرد لعب, ولهو, ومتاع, وزينة, ونحوها من الألقاب, والجامع بين هذه الأوصاف كلها هو كونها "لذة مؤقتة".


المصدر:
إبراهيم السكران، مآلات الخطاب المدني

تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.
اقرأ أيضا
الاستعمار الإمبراطوري الليبرالي | مرابط
اقتباسات وقطوف

الاستعمار الإمبراطوري الليبرالي


إن الاستعمار الإمبراطوري الليبرالي لن يهزم قضية الحرية فقط في الأماكن التي يفرض فيها بل هو سيميل أيضا إلى هدم الحرية في قاعدتها الوطنية وإن الاستعمار الإمبراطوري الليبرالي يحتاج إلى العضلات العسكرية الضخمة لتنتشر في الأرض المعادية

بقلم: ريتشارد كوك وكريس سميث
168
من أخلاق الكبار: ابن هبيرة | مرابط
تفريغات

من أخلاق الكبار: ابن هبيرة


ترفعوا أيها الإخوة وارتفعوا إلى أعلى وحلقوا النفس يجذبها الطين فتجردوا من الأهواء والحظوظ النفسانية هذا في مسائل العلم أما في أمور المعاش والعلاقات الاجتماعية والتجارية وغير ذلك مما يعايشه الإنسان صباح مساء ولا بد أن يجد فيه ما يجد من تقصير في حقه ومظلمة وإساءة وكلمة لربما لا يتحملها كثير من الناس فكيف يصنع؟ اسأل نفسك أنت ولا تبحث في ذهنك وتذهب إلى إنسان آخر اسأل نفسك ما موقفك حينما يبلغك أن فلانا من الناس يتكلم في حقك ويقع في عرضك كيف تصنع؟

بقلم: خالد السبت
42
من أدلة النبوة | مرابط
اقتباسات وقطوف

من أدلة النبوة


من ضمن أدلة النبوة التي ذكرها أشار إليها ابن القيم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمضى فترة كبيرة من عمره في مكة وبين قومه ولم يروا منه كذبا ولا بهتانا ولم يخض هو في أمور النبوة ولا مرة ولا علم عنه من الطباع ما يوحي بتكذيبه وهذا مقتطف من كتاب الصواعق المرسلة يدور حول الأمر

بقلم: ابن القيم
1750
لا تدري أيهن أقرب إلى الله؟ | مرابط
أباطيل وشبهات المرأة

لا تدري أيهن أقرب إلى الله؟


انتشر بين المسلمين اعتقاد شاذ واضح الفساد يقتضي ألا تحكم على أي إنسان استنادا إلى ظاهره ولسان حالهم: لا تحكم على فلان من ظاهره ربما يكون داخله عكس ذلك! والمثال الأشهر على السوشيال ميديا هو تلك الصورة -التي لا تخلو من سماجة- لمجموعة من النساء مختلفات الزي فترى بينهن المحجبة ونصف المحجبة والمتبرجة والكاسية العارية ثم تأتي العبارة الأشهر لا تدري أيهن أقرب إلى الله أقرب.. وبين يديكم رد على هذه الشبهة

بقلم: محمود خطاب
450
شبهة الأخطاء اللغوية في القرآن: نصب الفاعل | مرابط
أباطيل وشبهات

شبهة الأخطاء اللغوية في القرآن: نصب الفاعل


يعلق بعض المشككين حول الآية وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إنى جاعلك للناس إماما قال: ومن ذريتى قال لا ينال عهدى الظالمين حيث ووقع بصرهم على كلمة الظالمين وصورت أوهامهم أن فيها خطأ نحويا لأنها عندهم فاعل والفاعل حكمه الرفع لا النصب فكان حقه أن يكون هكذا: لا ينال عهدى الظالمون لأنه جمع مذكر سالم وعلامة رفعه الواو وبهذا تخيلوا بل توهموا أن القرآن لا سمح الله قد أخطأ فنصب الفاعل الظالمين ولم يرفعه الظالمون هذا هو منشأ هذه الشبهة وبين يديكم الرد عليها

بقلم: مجموعة كتاب
326
من مقومات المجتمع المسلم: حسن الخلق | مرابط
تفريغات

من مقومات المجتمع المسلم: حسن الخلق


هناك مقوم آخر مهم من مقومات المجتمع المسلم وهو حسن الخلق بين المسلمين ونحن طلبة العلم أحوج ما نكون إلى حسن الخلق فقد كان صلى الله عليه وسلم كما وصفته أم المؤمنين عائشة: كان خلقه القرآن وكما قال صلى الله عليه وسلم وكفى بذلك فضلا: إن الرجل ليبلغ درجة الصائم القائم بحسن خلقه فبحسن الخلق مع الأخ والزوجة والابن ومع الصديق والعدو يبلغون تلك الدرجة العظيمة

بقلم: سفر الحوالي
71