الأسس الفكرية لليبرالية: الفردية ج2

الأسس الفكرية لليبرالية: الفردية ج2 | مرابط

الكاتب: د عبد الرحيم بن صمايل السلمي

1846 مشاهدة

تم النشر منذ سنة

ثانيًا: الفردية الجديدة:

جاءت الفردية لإعلاء استقلال الفرد بذاته، من خلال تعبير كل فرد عن رؤيته الخاصة، التي تمثلت في حرية الفكر والتعبير والملكية والانتخاب، وهذا الفرد هو الذي يعينه رالف إمرسون في مقالته "الاعتماد على النفس" حين يوجه إليه كلامه قائلًا "إن العبقرية هي أن تؤمن برأيك، وأن تعتقد أن ما هو يقيني في نفسك إنما هو يقيني للناس جميعهم" (1)

وقد أراد إمرسون أن الفرد معبّر عن الإنسانية، وهو أداة نجاح لنفسه وللمجتمع، وتقوم هذه الرؤية الجديدة للفردية على أساس غير الأساس الأناني النفعي، وهذا الأساس الذي تقوم عليه هو اعتقاد وحدة الوجود في الإنسان؛ ﻷن الله تعالى موجود في روح الإنسان، ولهذا فالفرد متعال على الطبيعة وهو فوقها ومرتفع عليها (2)

وهذه الفردية الجديدة المنطلقة من الإنسان والمتعالية على الطبيعة نشأت في الولايات المتحدة الأمريكية مرتبطة بالفكر المتعالي البراجماتي وهي مختلفة عن الفردية التقليدية اختلافا كبيرًا.

فالفردية الجديدة لا تعتقد بأن هناك حالة طبيعية للإنسان تستبطن الفردية، وأنها تظهر بشكل تلقائي عند انعدام الإكراه كما يتصوره الاتجاه التقليدي، ولكنها ترى أن الفردية تتكون من خلال العمل، وثقة الإنسان بقدراته، والتحرر من قيود العالم الطبيعي، والتعالي عليه، واستشعار القدرة على فعل أي شيء بثقة تامة. 

كيف ظهر المفوم الجديد للفردية؟

وهذا التغير من الفردية القديمة إلى الفردية الجديدة فرضته ظروف مادية جديدة، وهي تطور الصناعة المذهل، والسيطرة على وسائل التقنية، وقد أدى ذلك لطمس صورة الفردية السابقة، لتظهر صورة جديدة للفردية فرضتها المعطيات الجديدة، والهيمنة الرهيبة للمادية (3)

وقد ارتبط هذا المفهوم للفردية بالتطور الصناعي في أمريكا، وبسبب وجود الفردية المتعالية أصبح الأمريكيون يشعرون أنهم ليسوا أفرادا عاديين، فالنموذج الفردي الأمريكي يعد طفرة في تاريخ الحضارات، وقدرات الحضارة الأمريكية خاصة تفوق كل الحضارات السابقة.

"ولعل خير تعبير عن هذه الطفرة مقولة فان ويك ركي في كتابة نبيذ المتطهرين: لقد شبينا نحن الأمريكيون جميعًا عن الطوق، ونحن بغير شك أكبر أجناس العالم نموًا ولكن يبدو أن بلادنا أمريكا لم تتمتع مطلقًا بطفولتها؛ لأن الكفاح من أجل الحياة لم يدع لنا فرصة غرس المشاعر الحية التي تتفوق تفوقًا بهيجًا على مصاعب الحياة، التي تتمثل بالنسبة لمعظمنا في السعي من أجل مادة الحياة دون أن نفكر في معنى الحياة ذاتها، فنحن نسعى وراء ما تجلبه لنا الحياة لا وراء الحياة ذاتها" (4) 

الفردية الأمريكية

ويقرر جون ديوي أن الفردية الأمريكية الجديدة مختلفة عن الفردية الأوروبية التقليدية بأنها أطلقت غرائز الإنسان الحيوانية، بينما أبقتها تقاليد أوروبا القديمة مغلولة خاضعة خضوعًا نظاميا لشيء أسمى يدعى بكثير من الإبهام: الروحانية(5)

يريد ديوي بالروحانية: النظرة التقديسية للفرد وحقوقه في الفردية التقليدية، والتي حطمتها المادية الأمريكية عبر براجماتيتها الشرسة التي ألغت كل المثل العليا للحريات الفردية. والتطور الصناعي واكتشاف الآلة هو المبرر الوحيد للتغير في مفهوم الفردية؛ ﻷن الحرية هي القدرة على التغير ومواكبة التحديث مع القدرة على العمل، فالصناعة هي سبب الغرور الأمريكي وتعاليه، وبالتالي فهي سر تميزه وحضارته؛ ولهذا ينبذ ديوي مقولة القائلين بأن الآلة الصناعية هي مصدر المتاعب للفرد، فيرى أنها مغالاة صبيانية من الروحانية الأوروبية، إذ إن الآلة تمنح قوة دافعة للأمام، وعند البدء في تخطيط منظم لإيجاد توازن بين ما تحققه الآلة من تقدم تكنولوجي، وبين تحقيق القيم المماثلة لهذا التقدم التكنولوجي فإن إنسانا جديدًا أو فردًا جديدًا في حالة تصالح مع معطيات العصر المعاش سيبدأ في النمو والتكون (6)

ملامح الفردية الجديدة

وتشترك الفردية الجديدة مع التقليدية في مادية الحضارة الغربية، وخلوّها من القيم الأخلاقية الحقّة، ونبذ الدين، وبناء الروابط الاجتماعية على المصلحة الذاتية الخاصة وغيرها، ولكن الفردية الجديدة تزيد عليها بأمور متعددة منها:

- ربط القيم الإنسانية بالعمل، واعتباره القيمة الصحيحة، والأمر المميز بين الفضائل والرذائل، وهذا التصور المادي يعلي من قيمة الرأسمالية باعتبارها فئة ناجحة من الناحية العملية، واعتبار أخلاقها الناتجة عن العمل هي الأخلاق الفاضلة.

- تبرير التغير الفكري بالآلة الصناعية، وأن التحديث الصناعي يقتضي تحديثًا فكريًا مطردًا، وأن مواكبة المتغيرات تقتضي تغيّرًا في الفكر، وهذا يدل على أنه لا يوجد ثبات في الفكر لأنه مقرون بأمر متغير.

- تعالى وغرور من يملك تطورًا تقنيًا على أساس أنه فرد متطور، ولهذا فإن محافظته على تعاليه وغروره يستلزم استعمال كافة أوجه القوة لبقائه على تميّزه.

وهذه الصفات موجودة في الحياة الأمريكية، وهي التي تمثّل الفردية الجديدة، وهي تجمع أنانية الفردية التقليدية وتزيد عليها البُعد العملي المادي.


الإشارات المرجعية:

  1. نقولا عن مفهوم الليبرالية عند جون ديوي ص165
  2. المرجع السابق ص167، ومن هذا المنطلق تكوّن الفكر الليبرالي المتعالي في الليبرالية الأمريكية المعاصرة
  3. انظر: الفردية قديمًا وحديثًا ص18
  4. تطور الفكر الأدبي الأمريكي في القرن العشرين ص108، نقلًا عن مفهوم الليبرالية عند جون ديوي ص169
  5. انظر: الفردية قديمًا وحديثًا ص27
  6. الفردية قديمًا وحديثًا ص92. وانظر مفهوم الليبرالية عند جون ديوي ص 170

المصدر:

  1. د. عبد الرحيم بن صمايل السلمي، حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها، ص146
تنويه: نشر مقال أو مقتطف معين لكاتب معين لا يعنى بالضرورة تزكية الكاتب أو تبنى جميع أفكاره.

الكلمات المفتاحية:

#الليبرالية #الفردية
اقرأ أيضا
أيام الصبر | مرابط
تفريغات

أيام الصبر


أهل العلم قالوا: ليس من الممكن أن يستوي من وقف أيام الشدة وأيام الفاقة وأيام الذلة ولما قل الناصر: وقف في ظهر النبي ليقول: أنا هنا مالي موجود وأنا موجود! أنا لن أتخلى عنك! وشخص آخر جاء وقت الرخاء.. نحن الآن في نفس هذه الأيام اليوم الدين ليس له أحد دين الله ليس له أحد الناس تعيش لحياتها أنت تصلي لنفسك وليس لدين الله أنت تصوم لنفسك وليس للدين الدين كل يوم ينقص.

بقلم: محمد سعد الشرقاوي
158
عبادات ميسورة | مرابط
مقالات

عبادات ميسورة


ومن العبادات الميسورة التي لا يعجز أحد عنها: عبادة جميلة هي زكاة العلم وهو أنك إذا سألك أحدهم عن معلومة قلها كاملة مثلما ساقها لك رب العالمين عن طريق أحدهم... ابعثها لكل الناس أفدهم بها وكذلك عبادة الرضا الرضا بما قسمه الله لك أيا كان لأنه هو الأنسب لك في كل الأحوال

بقلم: محمد لبيب
119
ضرر علم الكلام على العوام | مرابط
اقتباسات وقطوف

ضرر علم الكلام على العوام


ليس على العوام أضر من سماعهم علم الكلام وإنما ينبغي أن يحذر العوام من سماعه والخوض فيه كما يحذر الصبي من شاطئ النهر خوف الغرق وربما ظن العامي أن له قوة يدرك بها هذا وهو فاسد فإنه قد زل في هذا خلق من العلماء فكيف العوام؟! وما رأيت أحمق من جمهور قصاص زماننا فإنه يحضر عندهم العوام الغشم فلا ينهونهم عن خمر وزنا وغيبة ولا يعلمونهم أركان الصلاة ووظائف التعبد بل يملؤون الزمان بذكر الاستواء وتأويل الصفات وأن الكلام قائم بالذات فيتأذى بذلك من كان قلبه سليما.

بقلم: ابن الجوزي
54
الغضب لله والغيرة على حرماته | مرابط
اقتباسات وقطوف

الغضب لله والغيرة على حرماته


وإن الغضب لله والغيرة على حرماته من أهم نتائج الإيمان وعلاماته وكما أن محبة الله مقترنة بمعرفته ملازمة لها فإن الغيرة لا تنفك عن المحبة وإن المحب يغار وغيرته تلك علامة حبه وبذلك نفهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن مشاعر المؤمن تجاه حرمات الله: إن المؤمن يغار والله أشد غيرة

بقلم: محمد علي يوسف
179
عظمة الإرث في الإسلام والرد على المشككين ج2 | مرابط
أباطيل وشبهات تعزيز اليقين

عظمة الإرث في الإسلام والرد على المشككين ج2


فقبل أن نتكلم عن هجمة الغرب على أحكام الإرث في الإسلام لا بد أن نعرف تاريخ المرأة مع الإرث في المجتمعات والأديان الأخرى فقد كانت حالتها حالة مؤلمة كانت المرأة لا ترث في اليهودية عند وجود إخوة لها من الذكور وعند الصينيين واليابانيين لا ترث شيئا فيما مضى وعند النصارى لا يحق لها أن تملك المال بصفة مستقلة وكانت بعض القوانين الأوروبية إلى وقت قريب لا تورث المرأة وهذه المحاضرة فيها استعراض لعظمة الإرث في الإسلام واستعراض سريع لأبرز الشبهات المثارة حول ذلك

بقلم: فهد بن سعد أبا حسين
162
المعاصي تنسي الله | مرابط
اقتباسات وقطوف

المعاصي تنسي الله


ومن عقوباتها المعاصي: أنها تستدعي نسيان الله لعبده وتركه وتخليته بينه وبين نفسه وشيطانه وهنالك الهلاك الذي لا يرجى معه نجاة وأعظم العقوبات نسيان العبد لنفسه وإهماله لها وإضاعته حظها ونصيبها من الله وبيعها ذلك بالغبن والهوان وأبخس الثمن فضيع من لا غنى له عنه ولا عوض له منه واستبدل به من عنه كل الغنى أو منه كل العوض

بقلم: ابن القيم
47